لمَّا خرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وخرَجَ معه أبو بكرٍ، احتمَلَ أبو بكرٍ مالَه كُلَّه معه: خَمْسةَ آلافِ دِرهمٍ، أو سِتَّةَ آلافِ دِرهمٍ.

قالتْ: وانطلَقَ بها معه.

قالتْ: فدخَل علينا جَدِّي أبو قُحافةَ وقد ذهَبَ بَصَرُه، فقالَ: واللهِ إنِّي لأَراه قد فجَعَكم بمالِه مع نَفسِه، قالتْ: قلتُ: كلَّا يا أبَهْ، إنَّه قد ترَكَ لنا خيرًا كثيرًا.

قالتْ: فأخذْتُ أحجارًا، فوضعتُها في كُوَّةِ البيتِ، كان أبي يضَعُ فيها مالَه، ثمَّ وضعتُ عليها ثوبًا، ثمَّ أخذتُ بيَدِه، فقلتُ: يا أبَهْ، ضعْ يدَكَ على هذا المالِ.

قالتْ: فوضَعَ يدَه عليه، فقال: لا بأْسَ، إنْ كان قد ترَكَ لكم هذا، فقد أحسَنَ، وفي هذا لكم بَلاغٌ.

قالتْ: ولا واللهِ ما ترَكَ لنا شيئًا، ولكنِّي قد أردتُ أنْ أُسكِنَ الشَّيخَ بذلك.

الدلالات الموضوعية:# جهاد - الهجرة من دار العدو إلى دار الإسلام# مناقب وفضائل - أبو بكر الصديق# مناقب وفضائل - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم# مناقب وفضائل - فضائل المهاجرين ومناقبهم# مناقب وفضائل - فضائل جمع من الصحابة والتابعين
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: أسماء بنت أبي بكر
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده حسن

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (26957) واللفظ له، والطبراني (24/88) (235)، والحاكم (4267)

الشرح والتوضيح

جيلُ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهُم خَيرُ القُرونِ وهُم أيضًا خَيرُ هذه الأُمَّةِ؛ وذلك لما قاموا به مِن نُصرةِ هذا الدِّينِ والصَّبرِ على الأذى في سَبيلِه، وكانوا سَبَّاقينَ في كُلِّ خَيرٍ، ومِن خيارِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَل أفضَلُهُم على الإطلاقِ أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضيَ اللهُ عنه، فلَه مِنَ المَناقِبِ والفَضائِلِ الشَّيءُ الكَثيرُ؛ وذلك لما قدَّمَه في سَبيلِ هذا الدِّينِ، فقد بَذَلَ نَفسَه ومالَه كُلَّه في سَبيلِ اللهِ.

وفي هذا الحَديثِ تَقولُ أسماءُ بنتُ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنهُما: لَمَّا خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ في الهِجرةِ، وخَرَجَ مَعَه أبو بَكرٍ، أي: كانَ أبو بَكرٍ رَفيقَه في الهِجرةِ، وقدِ احتَمَلَ كُلَّ مالِه مَعَه، أي: أخَذَ جَميعَ مالِه مَعَه في الهِجرةِ، وكانَ المالُ: خَمسةَ آلافِ دِرهَمٍ، أو سِتَّةَ آلافِ دِرهَمٍ.

وانطَلَقَ بها مَعَه، أي: خَرَجَ مُهاجِرًا بهذا المالِ كُلِّه.

تَقولُ أسماءُ: فدَخَلَ علينا جَدِّي أبو قُحافةَ وقد ذَهَبَ بَصَرُه، فقال: واللهِ إنِّي لَأراه قد فجَعَكُم بمالِه مَعَ نَفسِه، أي: إنِّي أظُنُّ أنَّ أبا بَكرٍ أخَذَ مالَه مَعَه، فتَفقِدونَ أبا بَكرٍ والمالَ مَعًا! فقالت له أسماءُ رَضيَ اللهُ عنها، وكانَت امرَأةً عاقِلةً فطِنةً: كَلَّا يا أبَهْ.

وهو جَدُّها، إنَّه قد تَرَكَ لَنا خَيرًا كَثيرًا، أي: إنَّه لَم يَأخُذِ المالَ بَل قد تَرَكَ لَنا الشَّيءَ الكَثيرَ، وأخَذَت أحجارًا، فوضَعَتها في كوَّةِ البَيتِ، والكوَّةُ: هو الثَّقبُ في الحائِطِ يَدخُلُ مِنه الهَواءُ والضَّوءُ، كانَ أبو بَكرٍ يَضَعُ فيها مالَه، ثُمَّ وضَعَت على هذه الكوَّةِ ثَوبًا وغَطَّته، ثُمَّ أخَذَت بيَدِ جَدِّها أبي قُحافةَ، وقالت لَه: يا أبَهْ، ضَعْ يَدَكَ على هذا المالِ.

فوضَعَ يَدَه عليه.

فلَمَّا تَيَقَّنَ أنَّه مالٌ ولَم يَشعُرْ أنَّه حِجارةٌ لكَونِه أعمى لا يَرى، عِندَ ذلك قال لَها: لا بَأسَ، إن كانَ قد تَرَكَ لَكُم هذا فقد أحسَنَ، وفي هذا لَكُم بَلاغٌ، أي: أنَّ أبا بَكرٍ إذا كانَ قد تَرَكَ لَكُم هذا المالَ فهذا مِن حُسنِ تَصَرُّفِه أن أبقى لأهلِ بَيتِه ما يَنتَفِعونَ به وقتَ غيابِه، وهذا المالُ سَوفَ يَكونُ لَكُم عَونًا إلى مُدَّةٍ كافيةٍ.

قالت أسماءُ: ولا واللهِ ما تَرَكَ لَنا شَيئًا، أي: حَقيقةُ الأمرِ أنَّ أبا بَكرٍ لَم يَترُكْ لَهُم مِنَ المالِ شَيئًا، ولَكِنِّي قد أرَدتُ أن أُسكِّنَ الشَّيخَ بذلك، أي: أنَّها رَضيَ اللهُ عنها أرادَت بذلك الفِعلِ أن تُسَكِّنَ مِن قَلَقِ جَدِّها.فلَم يَترُكْ لَهُمُ المالَ، وإنَّما تَرَكَ لَهُمُ الإسلامَ، وكَفى به خَيرًا كَثيرًا!وفي الحَديثِ أنَّ أبا بَكرٍ كانَ رَفيقَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الهِجرةِ.وفيه مَشروعيَّةُ السَّفَرِ والهِجرةِ بالمالِ كُلِّهِ.وفيه فضلُ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه.وفيه تَقديمُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على النَّفسِ والأهلِ والمالِ.وفيه حِرصُ كَبيرِ السِّنِّ على المالِ.وفيه فضلُ أسماءَ رَضيَ اللهُ عنها وما كانَت عليه مِنَ الفِطنةِ.وفيه صَبرُ آلِ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنهُم [17] ينظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/488) ، الروض الأنف (4/140) ، المعجم الوسيط (2/806) .

.

الأصول والأحكام

[مسند أحمد] (44/ 519 ط الرسالة) ((26957- حدثنا يعقوب، قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، أن أباه حدثه عن جدته أسماء بنت أبي بكر ، قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج معه أبو بكر، احتمل أبو بكر ماله كله معه: خمسة آلاف درهم، أو ستة آلاف درهم.

قالت: وانطلق بها معه.

قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلا يا أبه، إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا.

قالت: فأخذت أحجارا، فوضعتها في كوة البيت، كان أبي يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبه، ضع يدك على هذا المال.

قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إن كان قد ترك لكم هذا، فقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ ((.

قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكني قد أردت أن أسكن الشيخ بذلك)).

[المعجم الكبير – للطبراني]- دار إحياء التراث (24/ 88) 235- حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، صاحب المغازي، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، أن أباه حدثه، عن جدته أسماء بنت أبي بكر ، قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر معه خمسة آلاف درهم- أو ستة آلاف درهم- فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلا يا أبة، قد ترك لنا خيرا كثيرا، قالت: وأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت كان أبي يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت: ضع أنت يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده، وقال: لا بأس إذا كان ترك لكم هذا المال، ثم رفع يده فقال: إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ قالت: فلا والله ما ترك لنا شيئا ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك.

[المستدرك على الصحيحين] (3/ 6) ‌4267- حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ومعه أبو بكر، حمل أبو بكر معه جميع ماله خمسة ألف أو ستة ألف درهم، فأتاني جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: إن هذا والله قد فجعكم بماله مع نفسه، فقلت: كلا يا أبت، قد ترك لنا خيرا كثيرا، فعمدت إلى أحجار فجعلتهن في كوة البيت، وكان أبو بكر يجعل أمواله فيها، وغطيت على الأحجار بثوب، ثم جئت فأخذت بيده فوضعتها على الثوب، فقال: أما إذا ترك هذا فنعم، قالت: ((ووالله ما ترك قليلا ولا كثيرا)) هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ((.

أحاديث ذات صلة