إن عمرَ عسَّ المدينةَ ذاتَ ليلةٍ عامَ الرمادةِ فلم يجدْ أحدًا يضحكُ ولا يتحدثُ الناسُ في منازلِهم على العادةِ ولم يرَ سائلًا يسألُ فسألَ عن سببِ ذلك فقيلَ له يا أميرَ المؤمنين إن السؤَّالَ سألوا فلم يعطوْا فقطعوا السؤالَ والناسُ في همٍّ وضيقٍ فهم لا يتحدثون ولا يضحكون فكتبَ عمرُ إلى أبي موسى بالبصرةِ أن يا غوثاه لأمةِ محمدٍ وكتبَ إلى عمروِ بنِ العاصِ بمصرَ أن يا غوثاه لأمةِ محمدٍ فبعثَ إليه كلُ واحدٍ منهما بقافلةٍ عظيمةٍ تحملُ البُرَّ وسائرَ الأطعماتِ ووصلتْ ميرةُ عمروٍ في البحرِ إلى جدةَ ومن جدةَ إلى مكةَ
المُؤمِنونَ إخوةٌ يُساعِدُ بَعضُهُم بَعضًا، ويواسي بَعضُهُم بَعضًا بما عِندَهُم حَسَبَ استِطاعَتِهِم، ومِن أنواعِ المواساةِ: المواساةُ أيَّامَ المَجاعةِ وقِلَّةِ الطَّعامِ، وعَلى وليِّ الأمرِ أن يَتَفَقَّدَ أحوالَ رَعيَّتِه ويَنظُرَ في حَوائِجِهِم، وفي هذا الحَديثِ أنَّ أميرَ المُؤمِنينَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه عَسَّ المَدينةَ ذاتَ لَيلةٍ، أي: طافَ باللَّيلِ يَحرُسُ النَّاسَ ويَتَفَقَّدُ حالَهُم، عامَ الرَّمادةِ، وكانَ في السَّنةِ الثَّامِنةَ عَشرةَ للهِجرةِ، وكانَت سَنةً شَديدةً مُلِمَّةً أُصيبَ النَّاسُ فيها بجَدبٍ وقَحطٍ وجوعٍ شَديدٍ، حَتَّى كانَتِ الرِّيحُ تَسفي التُّرابَ كالرَّمادِ، فسُمِّيَ عامَ الرَّمادةِ، فلَم يَجِدْ أحَدًا يَضحَكُ ولا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ في مَنازِلِهِم على العادةِ ولَم يَرَ سائِلًا يَسألُ، أي: وجَدَ قِلَّةَ الضَّحِكِ في النَّاسِ، والنَّاسُ في مَنازِلِهِم لا يَلتَقونَ ولا يَتَحَدَّثونَ مَعَ بَعضٍ، وكَذلك قِلَّة مَن يَسألُ النَّاسَ عَمَّا عِندَهُم، وكُلُّ ذلك بسَبَبِ الجوعِ الشَّديدِ الذي وقَعَ بهِم، فسَألَ رَضيَ اللهُ عنه عَن سَبَبِ ذلك.
فقيلَ لَه: يا أميرَ المُؤمِنينَ إنَّ السُّؤَّالَ، وهو جَمعُ سائِلٍ، سَألوا فلَم يُعطَوا فقَطَعوا السُّؤالَ، أي: أنَّ المُحتاجينَ مِنَ السَّائِلينَ سَألوا فلَم يَجِدوا أحَدًا يُعطيهِم شَيئًا؛ فلِذلك تَرَكوا المَسألةَ، والنَّاسُ في هَمٍّ وضيقٍ، فهُم لا يَتَحَدَّثونَ ولا يَضحَكونَ، أي: أنَّ الهَمَّ والضِّيقَ الذي وقَعَ بالنَّاسِ قد حالَ بَينَهُم وبَينَ الضَّحِكِ والكَلامِ.
فعِندَ ذلك كَتَبَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه إلى أبي موسى الأشعَريِّ رَضيَ اللهُ عنه بالبَصرةِ -وكانَ أبو موسى واليًا على البَصرةِ- أن: يا غَوثاه لأُمَّةِ مُحَمَّدٍ! أي: مَن يُغيثُني ويُغيثُ الأُمَّةَ! والغَوثُ: الإعانةُ والنُّصرةُ، ويُقالُ في الشِّدَّةِ تَنزِلُ بالمَرءِ فيَسألُ العَونَ على كَشفِها: وا غَوثاه، أي: أغيثوا بما عِندَكُم مِنَ الطَّعامِ لأصحابِ المَدينةِ، وكَتَبَ أيضًا إلى عَمرِو بنِ العاصِ رَضيَ اللهُ عنه بمِصرَ -وكانَ واليًا على مِصرَ- أن: يا غَوثاه لأُمَّةِ مُحَمَّدٍ! فبَعَثَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى عُمَرَ بقافِلةٍ عَظيمةٍ تَحمِلُ البُرَّ وسائِرَ الأطعِماتِ، ووَصَلَت ميرةُ عَمرِو بنِ العاصِ في البَحرِ إلى جُدَّةَ ومِن جُدَّةَ إلى مَكَّةَ، والميرةُ هيَ الإبِلُ التي تَحمِلُ الطَّعامَ.وفي الحَديثِ بَيانُ ما أصابَ المُسلِمينَ مِنَ الشِّدَّةِ والمَجاعةِ.وفيه أنَّ على وليِّ الأمرِ أن يَتَتَبَّعَ أحوالَ النَّاسِ ويَنظُرَ مَواطِنَ الحاجةِ ومَواطِنَ الفَقرِ فيَتَعاهَدَها بتَهيِئةِ الأُمورِ والأرزاقِ.وفيه الحَثُّ على مواساةِ الضُّعَفاءِ والمُحتاجينَ [6] ينظر: النهاية ( 3/ 236) (4/ 379 )، البداية والنهاية (10/ 69 )، العين (4/440) ، المعجم الوسيط (2/665) ، الكامل في التاريخ (2/374) ، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (4/250) .
.