قال رجلٌ لابنِ عباسٍ أحكُّ رأسي وأنا مُحرمٌ قال فأدخل ابنُ عباسٍ يدَه في شعرِه وهو مُحرمٌ فحكَّ رأسَه بها حكًّا شديدًا قال أما أنا فأصنعُ هكذا قال أفرأيتَ إن قتلتُ قملةً قال بعُدتَ ما للقملةِ ما يُغني من حكِّ رأسِك وما إياها أردتُ وما نهيتُم إلا عن قتلِ الصيدِ
أخرجه البيهقي (10156) بلفظه، وابن أبي شيبة (14950) بلفظ مقارب .
الحَجُّ رُكنٌ مِن أركانِ الإسلامِ له أركانٌ وواجِباتٌ وسُنَنٌ، ولَه كذلك مَحظوراتٌ يَنبَغي على المُحرِمِ أن يَجتَنِبَها أثناءَ الإحرامِ، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفةَ الحَجِّ بقَولِه وفِعلِه وقال: خُذوا عَنِّي مَناسِكَكُم.
وقدِ اختَلَفَ العُلَماءُ فيما يَحرُمُ قَتلُه مِنَ الحَشَراتِ أثناءَ الإحرامِ، ومِن ذلك القَملةُ وهيَ حَشَرةٌ صَغيرةٌ تَتَولَّدُ داخِلَ الثِّيابِ والشَّعرِ وتَقرِصُ الجِلدَ وتَمتَصُّ الدَّمَ، فذَهَبَ بَعضُهُم إلى أنَّه يَحرُمُ قَتلُها؛ لأنَّه بقَتلِها يَكونُ قد تَرَفَّهَ بإزالَتِها، وذَهَبَ بَعضُهُم إلى إباحةِ قَتلِها؛ لأنَّها مِن أكثَرِ الهَوامِّ أذًى، وفي هذا الحَديثِ أنَّ رَجُلًا سَألَ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما عَن حَكِّ شَعرِ الرَّأسِ، فقال: أحُكُّ رَأسي وأنا مُحرِمٌ، أي: هَل يَجوزُ لي حَكُّ شَعرِ رَأسي وأنا في حالِ الإحرامِ.
فأدخَلَ ابنُ عَبَّاسٍ يَدَه في شَعرِه وهو مُحرِمٌ، أي: كانَ ابنُ عَبَّاسٍ أيضًا مُحرِمًا، فحَكَّ رَأسَه بيَدِه حَكًّا شَديدًا، أي: فعَلَ ابنُ عَبَّاسٍ ذلك ليُريَه أنَّ حَكَّ شَعرِ الرَّأسِ -حَتَّى وإن كانَ حَكًّا شَديدًا قد يُؤَدِّي إلى تَساقُطِ بَعضِ الشَّعرِ- جائِزٌ ولَيسَ مِن مَحظوراتِ الإحرامِ، ثُمَّ قال ابنُ عَبَّاسٍ للرَّجُلِ: أمَّا أنا فأصنَعُ هَكَذا، أي: أحُكُّ حَكًّا شَديدًا وأواصِلُ إحرامي.
فقال الرَّجُلُ: أفَرَأيتَ إن قَتَلتُ قَملةً، أي: إن أدَّى حَكُّ الشَّعرِ إلى أن أقتُلَ قَملةً.
فقال ابنُ عَبَّاسٍ: بَعُدتَ، أي: ليس قَتلُها بشَيءٍ، ما للقَملةِ ما يُغني مِن حَكِّ رَأسِكَ، وما إيَّاها أرَدتَ، أي: أنَّ قَتلَ القَملةِ لَن يَمنَعَ المُحرِمَ مِن حَكِّ شَعرِ رَأسِه، أو لَن يَكونَ وُجودُ القَملِ في الرَّأسِ سَبَبًا لمَنعِ حَكِّ الشَّعرِ، وما نُهيتُم إلَّا عَن قَتلِ الصَّيدِ، أي: أنَّ المَنهيَّ عَن قَتلِه أثناءَ الإحرامِ هو الصَّيدُ مِن مَأكولِ اللَّحمِ ولَيسَ مِن مِثلِ القَملِ.
والمَسألةُ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ حَكِّ شَعرِ الرَّأسِ للمُحرِمِ.وفيه بَيانُ إباحةِ ابنِ عَبَّاسٍ لقَتلِ المُحرِمِ للقَملِ.وفيه أنَّ المَنهيَّ عَن قَتلِه في الإحرامِ هو الصَّيدُ فقَط [4] ينظر: منار السبيل (1/ 249 )، السنن الكبرى للبيهقي (5/ 349 )، المغني (3/279) ، المجموع (7/ 317 )، مصنف ابن أبي شيبة (3/362) .
.
السنن الكبير للبيهقي (10/ 396 ت التركي) :
10156 - وأخبرنا أبو طاهر الفقيه وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا روح، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، عن أبيه قال: قال رجل لابن عباس : أحك رأسى وأنا محرم؟ قال: فأدخل ابن عباس يده في شعره وهو محرم فحك رأسه بها حكا شديدا قال: أما أنا فأصنع هكذا.
قال: أفرأيت إن قتلت قملة؟ قال: بعدت، ما للقملة؟! ما تغنى من حك رأسك وما إياها أردت، وما نهيتم إلا عن قتل الصيد.
مصنف ابن أبي شيبة (3/ 362 ت الحوت) :
14950 - أبو بكر قال: حدثنا ابن عيينة، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، أن رجلا قال: لابن عباس وهو في الحج وهو محرم: أحك رأسي وأنا محرم؟ فجمع ابن عباس يديه جميعا فحك بهما رأسه، قال: أما أنا فأقول هذا، فقال له الرجل: أرأيت إن قتلت قملة؟ فقال: بعدت، وما القملة مانعتي من حك رأسي، وما نهيتم إلا عن الصيد