سُئِلَ كيف نصلي على الجنازةِ ؟ قال : أنا لعمرُ اللهِ أُخْبِرُك، أَتْبَعُها من أهلها، فإذا وُضِعَتْ كبرتُ، وحمدتُ اللهَ، وصليتُ على نبيِّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، ثم أقولُ : اللهمَّ هذا عبدُك ابنُ عبدِك، وابنُ أَمَتِك، كان يشهدُ أن لا إلهَ إلا أنتَ، وأنَّ محمدًا عبدُك ورسولُك، وأنت أعلمُ به، اللهمَّ إن كان محسنًا فزِدْ من إحسانِه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، اللهمَّ لا تَحْرِمْنَا أجرَه، ولا تَفْتِنَّا بعدَه.
شَرَعَ اللهُ تَعالى صَلاةَ الجِنازةِ على المَيِّتِ، وجاءَتِ النُّصوصُ في عَظيمِ أجرِ مَن صَلَّى على الجِنازةِ، والمَقصودُ الأعظَمُ مِنها هو الدُّعاءُ للمَيِّتِ بالرَّحمةِ والمَغفِرةِ، وفي هذا الحَديثِ أنَّ أبا سَعيدٍ المَقبُريَّ أحَدُ التَّابِعينَ سَألَ أبا هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه عَن كَيفيَّةِ صَلاةِ الجِنازةِ، فقال له أبو هُرَيرةَ: أنا لعَمْرُ اللهِ أُخبِرُكَ، أي: أقسَمَ له بحَياةِ اللهِ إنَّه سَوفَ يُخبِرُه بكَيفيَّتِها، ثُمَّ قال لَهُ: أتبَعُها مِن أهلِها، أي: أسيرُ مَعَ الجِنازةِ مِن بَيتِ أهلِها ومَحَلِّ خُروجِها مِنه، فإذا وُضِعَت، أي: على الأرضِ للصَّلاةِ عليها، كَبَّرتُ، أي: تَكبيرةَ الإحرامِ، يُريدُ أنَّ الصَّلاةَ مُتَّصِلةٌ بالوُصولِ والوضعِ في الأرضِ، وحَمِدتُ اللهَ، وصَلَّيتُ على نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فذَكَرَ الدُّعاءَ ولَم يَذكُرِ القِراءةَ فيها، وكَأنَّ أبا هُرَيرةَ كانَ لا يَرى القِراءةَ في صَلاةِ الجِنازةِ وإنَّما يَكتَفي بالتَّكبيرِ والحَمدِ والصَّلاةِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو أنَّه اقتَصَرَ على ذِكرِ الدُّعاءِ لكَونِه المَقصودَ مِنَ الصَّلاةِ، ثُمَّ أقولُ: اللَّهمَّ هذا عَبدُكَ ابنُ عَبدِكَ وابنُ أمَتِكَ.
وهذا فيه مَزيدُ الِاستِعطافِ؛ فإنَّ شَأنَ الكِرامِ السَّاداتِ الصَّفحُ عَن عَبيدِهِم، ولا أكرَمَ مِنه عَزَّ وجَلَّ، كانَ يَشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا أنتَ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُكَ ورَسولُكَ، أي: وقد وعَدتَ مَن يَشهَدُ بذلك بالجَنَّةِ، ووعدُكَ الحَقُّ، فمِن كَمالِ عَفوِكَ ألَّا تُعَذِّبَه، وأنتَ أعلَمُ به، أي: أعلَمُ به مِنَّا ومِنه، اللَّهمَّ إن كانَ مُحسِنًا فزِدْ مِن إحسانِه، أي: ضاعِفْ له الأجرَ فيما أحسَنَ فيه، وإن كانَ مُسيئًا فتَجاوَزْ عَنه، أي: تَجاوَزْ عَن سَيِّئِ عَمَلِه، اللَّهمَّ لا تَحرِمْنا أجرَه، أي: أجرَ الصَّلاةِ عليه أو شُهودِ جِنازَتِه أو أجرَ المُصيبةِ بمَوتِه؛ فإنَّ المُؤمِنَ مُصابٌ بأخيه المُؤمِنِ، ولا تَفتِنَّا بَعدَه، أي: بما يَشغَلُنا عَنكَ، فإنَّ كُلَّ شاغِلٍ عَنِ اللهِ تَعالى فِتنةٌ، وفي القِراءةِ في صَلاةِ الجِنازةِ خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.وفي الحَديثِ بَيانُ رَأيِ أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ الصَّلاةَ على الجِنازةِ ليس فيها قِراءةٌ.وفيه أنَّ المُصَلِّيَ على الجِنازةِ له أن يُشرِكَ نَفسَه في الدُّعاءِ بما شاءَ [40] ينظر: الاستذكار (3/37-38)، المنتقى شرح الموطأ (2/16)، شرح الزرقاني على الموطأ (2/87)، المهيأ في كشف أسرار الموطأ (2/102).
.