أنَّ عثمانَ ردَّت علَيهِ اليمينُ على المنبَرِ فاتَّقاها وافتَدى مِنها ، وقالَ : أَخافُ أن يُوافقَ قدرَ بلاءٍ فيقالَ بيَمينِهِ
بَيَّنَتِ الشَّريعةُ أحكامَ المُعامَلاتِ للنَّاسِ فيما بَينَهُم وكَيفيَّةَ حَلِّ المُشكِلاتِ التي تَقَعُ في بَيعِهِم وشِرائِهِم وما يَقَعُ أيضًا بَينَهُم مِن خُصوماتٍ بسَبَبِ الأراضي وغَيرِها، ومِن ذلك أن جَعَلَتِ البَيِّنةَ على المُدَّعي واليَمينَ على مَن أنكَرَ، فلِلحاكِمِ أوِ القاضي أن يُحَلِّفَ الخَصمَ بما يَراه مُناسِبًا في زَمَنٍ مُعَيَّنٍ أو في مَكانٍ مُعَيَّنٍ، كُلُّ ذلك تَرهيبًا للخَصمِ مِنَ الإقدامِ على اليَمينِ بدونِ حَقٍّ، وفي هذا الحَديثِ أنَّ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه رُدَّت عليه اليَمينُ على المِنبَرِ، أي: وقَعَ بَينَه وبَينَ رَجُلٍ خُصومةٌ، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّه المِقدادُ رَضيَ اللهُ عنه استَقرَضَ مِن عُثمانَ مالًا، فتَحاكَما إلى عُمَرَ، فقال المِقدادُ: هو أربَعةُ آلافٍ، وقال عُثمانُ: إنَّه سَبعةُ آلافٍ، فقال المِقدادُ لعُثمانَ: احلِفْ أنَّه سَبعةُ آلافٍ، وطَلَبَ مِنه الحَلِفَ عِندَ مِنبَرِ مَسجِدِ المَدينةِ النَّبَويَّةِ تَغليظًا لليَمينِ، فاتَّقاها، أي: امتَنَعَ عُثمانُ مِنَ الحَلِفِ عِندَ المِنبَرِ وافتَدى مِنها، أي: افتَدى مِن تلك اليَمينِ بمالِه ودَفَعَ المالَ.
وقال: أخافُ أن يوافِقَ قدَرُ بَلاءٍ فيُقالَ: بيَمينِه، أي: أنَّه فعَلَ ذلك حَتَّى لا يَقَعَ عليه القدَرُ ببَلاءٍ كُتِبَ عليه في سابِقِ عِلمِ اللهِ، فيَقولَ النَّاسُ: أُصيبَ بهذا البَلاءِ بسَبَبِ يَمينِه التي حَلَفَها عِندَ المِنبَرِ.
وفي تَغليظِ الحَلِفِ بمَكانٍ مُعَيَّنٍ خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ تَغليظِ اليَمينِ عِندَ مِنبَرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.وفيه مَشروعيَّةُ امتِناعِ المُدَّعى عليه مِنَ الحَلِفِ إذا رَجَعَت عليه وتَخليصِ نَفسِه بالمالِ [27] ينظر: الأم للشافعي (7/38) ، الحاوي الكبير (17/108) ، البيان في فقه الشافعي (10/ 487 )، فتح الباري (5/ 284- 285) ، كفاية النبيه في شرح التنبيه (14/ 410 ).
.