لما فتحَ رسولُ اللهِ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – مكةَ بَعَثَ خالدَ بنْ الوليدِ إلى نخلةٍ ، وكانتْ بها العُزَّى فأَتاها خالدُ بنُ الوليدِ وكانتْ على تلالِ السَّمَراتِ .

فقطعَ السَّمَرَاتُ وهَدَمَ البيتَ الذي كان عليها .

ثمَّ أتَى النبيَّ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فأخبرَه .

فقالَ : ارجعْ فإنَّك لمْ تصنَعْ شيئًا .

فرجعَ خالدٌ ، فلمَّا نظرتْ إليهِ السدَنَةُ وهمْ حُجَّابُها أَمْعَنُوا في الجبلِ وهمْ يقولونَ : يَا عُزَّى خَبِّلِيهِ ، يَا عُزَّى عَوِّرِيهِ ، وَإِلا فَمُوتِي بِرَغْمٍ ، قالَ : فأتاها خالدٌ ، فإذا امرأةٌ عُرْيَانَةٌ ناشرةٌ شعرَها تَحْثُو الترابَ على رَأْسِهَا ، فعمَمَها بالسيفِ حتى قتَلَها ثّمُ رجعَ إلى النبيِّ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فأخبرَه قالَ : تلكَ العُزَّى .

الدلالات الموضوعية:# سرايا - تأمير الأمراء على البعوث والسرايا ووصيتهم# مغازي - فتح مكة# إيمان - أوثان الجاهلية وما كانوا يعبدونه# سرايا - سرية نخلة# سرايا - السرايا
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: عامر بن واثلة أبو الطفيل
المحدث: الوادعي
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

الشرح والتوضيح

بَعَثَ اللهُ تَعالى نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لدَعوةِ النَّاسِ للتَّوحيدِ وإخراجِ النَّاسِ مِن عِبادةِ الأصنامِ والأوثانِ إلى عِبادةِ اللهِ خالِقِ الأكوانِ، فقد كانَ الشِّركُ مُنتَشِرًا عِندَ العَرَبِ قَبلَ الإسلامِ، وكانوا يَعبُدونَ الأصنامَ ويُعَظِّمونَها ويَنذُرونَ ويَذبَحونَ ويُقَرِّبونَ القَرابينَ لَها، وهيَ أحجارٌ لا تَنفَعُ ولا تَضُرُّ، ولَمَّا فتَحَ اللهُ على رَسولِه مَكَّةَ وأصبَحَت مَكَّةُ دارَ إسلامٍ، أرسَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رُسُلَه لبَعضِ الأماكِنِ لكَسرِ الأصنامِ التي كانَتِ العَرَبُ تَعبُدُها، ومِن تلك الأصنامِ العُزَّى، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عامِرُ بنُ واثِلةَ رَضيَ اللهُ عنه فيَقولُ: لَمَّا فتَحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَكَّةَ.

وكانَ فتحُ مَكَّةَ في السَّنةِ الثَّامِنةِ للهِجرةِ، بَعَثَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خالِدَ بنَ الوليدِ إلى نَخلةَ.

وهو اسمُ مَوضِعٍ، وكانَت بها العُزَّى، أي: كانَ في هذه القَريةِ صَنَمُ العُزَّى أحَدُ الأصنامِ المُعَظَّمةِ عِندَ قُرَيشٍ والعَرَبِ، فأتاها خالِدُ بنُ الوليدِ، أي: ذَهَبَ خالِدٌ إلى نَخلةَ ومَحَلِّ الصَّنَمِ، وكانَتِ العُزَّى على تِلالِ السَّمُراتِ، أي: مُرتَفِعةً فوقَ تِلالِ شَجَرِ السَّمُرِ، وفي رِوايةٍ: النَّخلِ، فقَطَعَ خالِدٌ السَّمُراتِ وهَدَمَ البَيتَ الذي كانَ عليها العُزَّى، ثُمَّ ذَهَبَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخبِرُه بأنَّه قد هَدَمَ العُزَّى.

فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ارجِع فإنَّكَ لَم تَصنَعْ شَيئًا، أي: أنَّكَ يا خالِدُ لَم تَهدِمِ الصَّنَمَ الهَدمَ الحَقيقيَّ الأبَديَّ المُزيلَ لَه حَقيقةً، فإنَّ الذي فعَلتَه هو إزالةُ الصُّورةِ الظَّاهِرةِ، وبَقيَ أمرٌ خَفيٌّ لا يزولُ إلَّا بزَوالِه.

فرَجَعَ خالِدٌ مَرَّةً أُخرى، فلَمَّا نَظَرَت إلَيه السَّدَنةُ، أي: الخَدَمةُ، وهُم حُجَّابُها، أي: البَوَّابونَ، والمَعنى: لَمَّا رَأى السَّدَنةُ وهُمُ الحُجَّابُ الذينَ يَقومونَ على حِراسةِ وحِمايةِ العُزَّى، لَمَّا رَأوا خالِدًا عادَ إلَيها مَرَّةً أُخرى، أمعَنوا في الجَبَلِ، أي: ساروا نَحو الجَبَلِ وهُم يَقولونَ: يا عُزَّى خَبِّليه، أي: أصيبي خالِدًا بالخَبَلِ، والخَبالُ: الجُنونُ والفَسادُ، وأصلُه مِنَ النُّقصانِ، ثُمَّ صارَ الهَلاكُ خَبالًا، يا عُزَّى عَوِّريه، أي: أصيبيه بالعَورِ حَتَّى يَكونَ عِبرةً لمَن يَعتَدي عليكِ، وإلَّا فموتي برَغمٍ، أي: رَغمَ أنفِه رَغمًا، أي يَلصَقُ بالرَّغامِ وهو التُّرابُ ذُلًّا، فجاءَ خالِدٌ، فإذا امرَأةٌ عُريانةٌ ناشِرةٌ شَعرَها، أي: كاشِفةٌ لشَعرِها وهو مُنتَشِرٌ غَيرُ مُمَشَّطٍ ولا مُرَتَّبٍ، تَحثو التُّرابَ على رَأسِها، أي: تَأخُذُ التُّرابَ مِنَ الأرضِ وتَضَعُه على رَأسِها، فعَمَّمَها بالسَّيفِ، أي: عَلاها خالِدٌ بسَيفِه حَتَّى قَتَلَها.

ثُمَّ رَجَعَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخبَرَه بأنَّه قَتَلَ تلك المَرأةَ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: تلك العُزَّى، أي: أنَّ المَرأةَ تلك هيَ العُزَّى، ولَعَلَّها كانَت شَيطانةً خَرَجَت مِن أصلِ الشَّجَرةِ، ولَعَلَّ تلك الشَّيطانةَ كانَت تُكَلِّمُهُم، أو تَظهَرُ لَهُم، فرُبَّما أمَرَتهُم بتَجديدِها، أو تُخبِرُهُم أنَّها ولَو قُطِعَت شَجَراتُها أو كُسِرَت حِجارَتُها، لَم تَزُلْ عَظَمَتُها، وفي خُروجِها لخالِدٍ ثانيًا آيةٌ أُخرى؛ لأنَّها لَم تَكُنْ مُشاهَدةً.وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ بَعثِ الإمامِ عُمَّالَه لكَسرِ أماكِنِ الشِّركِ وهَدمِها.وفيه عَلَمٌ مِن أعلامِ النُّبوَّةِ؛ حَيثُ أعلَمَه أنَّه لَم يَهدِمها أوَّلًا.وفيه أنَّ خالِدَ بنَ الوليدِ هو الذي تَولَّى قَتلَ صَنَمِ العُزَّى [21] ينظر: دلائل النبوة لأبي نعيم (1/535) ، دلائل النبوة للبيهقي (5/77) ، سبل الهدى والرشاد (6/197) ، شرح الزرقاني على المواهب اللدنية (3/488-489).

.

أحاديث ذات صلة