قد هاجتِ الفتنةُ الأولى وأدركتِ يعني الفتنةَ رجالًا ذوي عددٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ممن شهد معه بدرًا وبلغنا أنهم كانوا يرون أن يهدرَ أمرُ الفتنةِ ولا يقامُ فيها على رجلٍ قاتل في تأويلِ القرآنِ قصاصٌ فيمن قتَل ولا حدَّ في سباءِ امرأةٍ سُبِيَتْ ولا يُرَى عليها حَدٌّ ولا بينها وبين زوجِها مُلاعَنةٌ ولا يرى أن يقفُوَها أحدٌ إلا جُلِدَ ويرى أن تُردَّ إلى زوجِها الأولِ بعد أن تعتدَّ فتقضي عدَّتَها من زوجها الآخرِ ويرى أن يرثَها زوجُها الأوَّلُ
أخرجه عبد الله بن وهب في ((الموطأ)) (ص53)، البيهقي (16801)، واللفظ لهما.
بَيَّنَتِ الشَّريعةُ الحُدودَ والقِصاصَ وما يَتَرَتَّبُ عليها مِن أحكامٍ وذلك في حالِ السَّلامِ واستِقرارِ المُجتَمَعِ، وأمَّا إذا وقَعَت فِتَنٌ بَينَ المُسلِمينَ وقِتالٌ فيما بَينَهُم بحَيثُ أدَّى ذلك إلى استِحلالِ بَعضِهِم لدِماءِ بَعضٍ ونِسائِهِم مُتَأوِّلينَ في ذلك، فإنَّه في هذه الحالِ لا تُقامُ الحُدودُ على أحَدٍ ولا يُقاصُّ أحَدٌ بأحَدٍ، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ مُحَمَّدُ بنُ مُسلِمِ بنِ شِهابٍ الزُّهريُّ أحَدُ التَّابِعينَ، وقد سُئِلَ عَنِ امرَأةٍ مِنَ الخَوارِجِ فارَقَت زَوجَها وشَهِدَت على قَومِها بالشِّركِ، وتَزَوَّجَت فيهِم، ثُمَّ رَجَعَت تائِبةً، ما حُكمُها وهَل تَرجِعُ لزَوجِها الأوَّلِ أم لا؟ كما جاءَ ذلك موضَّحًا في الرِّوايةِ الأُخرى، فكَتَبَ الزُّهريُّ فقال: قد هاجَت، أي: ثارَتِ، الفِتنةُ الأولى، أي: فِتنةُ اقتِتالِ الصَّحابةِ فيما بَينَهُم في مَعرَكةِ صِفِّينَ بَينَ عَليٍّ ومُعاويةَ رَضيَ اللهُ عنهُما، وأدرَكَت هذه الفِتنةُ رِجالًا ذَوي عَدَدٍ مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِمَّن شَهِدَ مَعَه بَدرًا، أي: كانَ جَماعةٌ مِن كِبارِ وِخيارِ الصَّحابةِ ومِمَّن قاتَلوا مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةِ بَدرٍ حاضِرينَ وشاهِدينَ هذه الفِتنةَ، بَل بَعضُهُم كانَ مُنضَمًّا مَعَ أحَدِ الفَريقَينِ واقتَتَلوا فيما بَينَهُم، يَقولُ الزُّهريُّ: وبَلَغَنا أنَّهُم كانوا يَرَونَ أن يُهدَرَ أمرُ الفِتنةِ، أي: أنَّ الصَّحابةَ رَضيَ اللهُ عنهُم كانوا يَرَونَ أنَّ ما حَصَلَ مِنَ اقتِتالٍ مُلغًى حُكمُه، ولا يُعمَلُ بشَيءٍ مِمَّا تَرَتَّبَ على هذا القِتالِ مِن سَفكِ دَمٍ أوِ استِحلالِ فرجٍ أو سَبيِ نِساءٍ، ولا يُقامُ فيها على رَجُلٍ قاتَلَ في تَأويلِ القُرآنِ قِصاصٌ فيمَن قَتَلَ، أي: أنَّ أيَّ رَجُلٍ قَتَلَ خَصمَه الآخَرَ مُتَأوِّلًا بأنَّه يَجوزُ له قَتلُه لكَونِه باغيًا فإنَّه لا يُقامُ عليه حَدُّ القِصاصِ، ولا حَدٌّ في سِباءِ امرَأةٍ سُبيَت، أي: امرَأةٍ أُخِذَت أسيرةً عِندَ شَخصٍ فجامَعَها.
ولا يُرى عليها حَدٌّ، أي: أنَّه لا يُقامُ عليها ولا على مَن أتاها حَدُّ الزِّنا؛ لكَونِهِما مُتَأوِّلَينِ في أنَّ ذلك جائِزٌ، ولا بَينَها وبَينَ زَوجِها مُلاعَنةٌ، أي: لا يَكونُ بَينَها وبَينَ زَوجِها الأوَّلِ لعانٌ بأن يَرميَها زَوجُها بأنَّها زانيةٌ، ولا يُرى أن يَقفوها، أي: يَرميَها أحَدٌ إلَّا جُلِدَ، أي: أنَّ مَن رَماها بالزِّنا فإنَّه يُقامُ عليه حَدُّ القَذفِ ثَمانينَ جَلدةً، ويرى أن تُرَدَّ إلى زَوجِها الأوَّلِ، أي: أنَّ هذه المَرأةَ التي تَزَوَّجَت بَعدَ سَبيِها تَعودُ إلى زَوجِها الأوَّلِ، وذلك بَعدَ أن تَعتَدَّ فتَقضيَ عِدَّتَها مِن زَوجِها الآخَرِ، أي: تَعتَدُّ ثَلاثةَ قُروءٍ مِن زَوجِها الأخيرِ الذي تَزَوَّجَها بَعدَ ما سُبيَت، فإذا انتَهَت عِدَّتُها فإنَّها تَرجِعُ لزَوجِها الأوَّلِ، ويرى أن يَرِثَها زَوجُها الأوَّلُ، أي: أنَّها لَو ماتَت قَبلَ ذلك فإنَّ زَوجَها الأوَّلَ يَرِثُها؛ لأنَّه أحَقُّ بها دونَ زَوجِها الآخَرِ.وفي الحَديثِ بَيانُ وُقوعِ الفِتنةِ والقِتالِ بَينَ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهُم.وفيه شُهودُ جَماعةٍ مِنَ الصَّحابةِ للفِتنةِ الأولى التي وقَعَت بَينَهُم.وفيه بَيانُ فضلِ مَن شَهِدَ غَزوةَ بَدرٍ.وفيه بَيانُ أنَّ الآثارَ المُتَرَتِّبةَ على ما يَقَعُ بَينَ المُسلِمينَ أيَّامَ الفِتَنِ لا حُكمَ لَها ولا يُعمَلُ بها.وفيه اعتِدادُ المَرأةِ مِن زَوجِها الثَّاني ورُجوعُها لزَوجِها الأوَّلِ بَعدَ انقِضاءِ العِدَّةِ.وفيه أنَّ الزَّوجَ الأوَّلَ يَرِثُ مِن زَوجَتِه وإن تَزَوَّجَت آخَرَ بسَبَبِ الفِتنةِ [1] ينظر: سنن سعيد بن منصور (2/ 392 )، مصنف عبد الرزاق (10/ 120 )، مصنف ابن أبي شيبة (5/ 459 )، السنن الكبرى للبيهقي (8/ 303 )، النهاية (5/ 286 ).
.
كتاب المحاربة من الموطأ لابن وهب (ص53) 81- ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد وابن سمعان عن ابن شهاب أنه قال: هاجت الفتنة الأولى فأدركت رجالا ذوي عدد من أصحاب رسول الله ممن شهد بدرا مع رسول الله عليه السلام، فبلغنا أنهم كانوا يرون أن يهدم أمر الفتنة فلا يقام فيها على رجل قاتل في تأويل القرآن قصاص فيمن قتل، ولا حد في سبي امرأة سبيت، ولا نرى عليه حدا، ولا نرى بينها وبين زوجها ملاعنة، ولا نرى أن يقذفها أحد إلا جلد الحد، ونرى أن ترد إلى زوجها الأول بعد أن تعتد فتنقضي عدتها من زوجها الآخر، ونرى أن ترث زوجها الأول
السنن الكبير للبيهقي (17/ 27 ت التركي) :
16801 - أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا بحر بن نصر، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: قد هاجت الفتنة الأولى فأدركت يعني الفتنة، رجالا ذوي عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد معه بدرا، وبلغنا أنهم كانوا يرون أن يهدر أمر الفتنة، ولا يقام فيها على رجل قاتل في تأويل القرآن قصاص فيمن قتل، ولا حد في سباء امرأة سبيت، ولا يرى عليها حد ولا بينها وبين زوجها ملاعنة، ولا يرى أن يقفوها أحد إلا جلد الحد، ويرى أن ترد إلى زوجها الأول بعد أن تعتد فتقضي عدتها من زوجها الآخر، ويرى أن يرثها زوجها الأول.