عن الرَّبيعِ بنِ سَبرةَ الجُهَنيِّ أنَّ أباه أخبره أنَّهم خرجوا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حَجَّةِ الوداعِ حتى نَزَلوا عُسْفانَ، وإنَّه قام إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رجُلٌ مِن بني مُدلِجٍ يقالُ له سُراقةُ بنُ مالِكٍ-أو مالِكُ بنُ سُراقةَ- فقال: يا رَسولَ اللهِ، اقْضِ لنا قَضاءَ قَومٍ كأنما وُلِدوا اليَومَ.
فقال: إنَّ اللهَ قد أدخَلَ عليكم في حَجَّتِكم هذه عُمرةً، فإذا أنتم قَدِمْتُم فمَن تَطَوَّف بالبَيتِ وبينَ الصَّفا والمروةِ فقد حَلَّ إلَّا مَن كان معه هَدْيٌ، فلمَّا أحلَلْنا قال: استَمْتِعوا من هذه النِّساءِ-قال: والاستِمْتاعُ عِندَنا التَّزويجُ- فعَرَضْنا ذلك على النِّساءِ فأَبَينَ إلَّا أن يَضرِبَ بيننا وبينهنَّ أجَلًا، فذكَرْنا ذلك للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: افعَلوا، فخرَجْتُ أنا وابنُ عَمِّي ومعي بُردٌ ومعه بُردٌ، وبُردُه أجوَدُ مِن بُرْدي، وأنا أشَبُّ منه، فأتَينا امرأةً وأعجَبَها بُردةُ ابنِ عَمِّي، وأعجَبَها شبابي، ثُمَّ صار مِن شأنِنا إلى أن قالت: بُردٌ كبُردٍ، وكان الأجَلُ بيني وبينها شَهْرًا، فبِتُّ عِندَها ليلةً، ثُمَّ أصبَحْتُ فخَرَجْتُ إلى المسجِدِ فإذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائِمٌ بَيْنَ الرُّكنِ والبابِ وهو يقولُ: أيُّها النَّاسُ إنِّي قد كُنتُ أذِنْتُ لكم في الاستِمْتاعِ مِن هذه النِّساءِ، ألَا وإنَّ اللهَ قد حَرَّم ذلك إلى يومِ القيامةِ، فمَن كان عِندَه منهُنَّ شَيءٌ فلْيُخْلِ سَبيلَها، ولا تَأخُذوا ممَّا آتيتُموهُنَّ شَيئًا.
يا أيُّها النَّاسُ، إنِّي قدْ كُنْتُ أذِنْتُ لَكُمْ في الاسْتِمْتاعِ مِنَ النِّساءِ، وإنَّ اللَّهَ قدْ حَرَّمَ ذلكَ إلى يَومِ القِيامَةِ، فمَن كانَ عِنْدَهُ منهنَّ شيءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ، ولا تَأْخُذُوا ممَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شيئًا.
الراوي : سبرة بن معبد الجهني المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 1406 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : من أفراد مسلم على البخاري زَواجُ المُتْعةِ هو الزَّواجُ المؤقَّتُ بمُدَّةٍ مُعيَّنةٍ بلَفظِ التَّمتُّعِ على قَدْرٍ مِنَ المالِ، وفي هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «يا أيُّها النَّاسُ، إنِّي قد كُنتُ أَذِنتُ لكم في الاسْتِمتاعِ مِنَ النِّساءِ»، أي: في بِدايةِ الأمرِ، ولكنِ الآنَ أُحْكِمَ الأمرُ، فبيَّنَ للنَّاسِ أنَّ اللهَ سُبحانَه حرَّمَ زَواجَ المُتعةِ تَحريمًا قاطعًا إلى يومِ القِيامةِ.
وكان زَواجُ المُتعةِ مَعروفًا في صَدْرِ الإسْلامِ، ولم يَنْهَهُمْ عنه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في أسْفَارِهِمْ؛ لِحَاجَتِهِمْ إليه، ونَهاهم عنه في إقامَتِهم، وقدْ مَرَّ حُكْمُ زَواجِ المُتعةِ بمَراحلَ مُختلِفةٍ؛ فَقَدْ نَهاهم عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ غيْرَ مَرَّةٍ، ثمَّ أمَرَهُمْ به في أوقاتٍ مُختلِفةٍ، حتَّى نَهاهم عنه مُطلَقًا، ووَرَدَ النَّهْيُ عنه في رِواياتٍ مُتعدِّدةٍ، تُشيرُ إلى أنَّ النَّهيَ كان في فَتْحِ مَكَّةَ في السَّنةِ الثَّامنةِ منَ الهِجرةِ، وهذا هو الأشْهَرُ، أو كان في غَزْوةِ أَوْطَاسٍ في السَّنةِ الثَّامنةِ أيضًا، أو كان في غَزوةِ خَيبَرَ في السَّنةِ السَّابعةِ منَ الهِجرةِ، أو كان في آخِرِ أيَّامِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حَجَّةِ الوَداعِ، وكان نَهْيًا مُؤبَّدًا لا تَأْقيتًا، فيكونُ الصَّحيحُ أنَّ نِكاحَ المُتعةِ ممَّا تَكرَّرَ نَسخُه، فأُبيحَ في خَيْبرَ، ثُمَّ حُرِّمتْ فيها، ثُمَّ أُبيحَ عامَ الفَتحِ، وهو عامُ أوْطاسٍ، ثُمَّ حرِّمَت تَحريمًا مؤبَّدًا، فلَمْ يَبْقَ في ذلك خِلافٌ بيْنَ الفُقَهاءِ وأئمَّةِ الأُمَّةِ، ولم يُخالِفْ في ذلك إلَّا بعضُ الشِّيعةِ ممَّن لا يُعتَدُّ بخِلافِهم.
ثُمَّ أمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ مَن كان مُتزوِّجًا زَواجَ مُتْعَةٍ، فلْيُفَارِقِ المرأةَ الَّتي عِندَهُ؛ لأنَّها لا تحِلُّ له، وأمَرَ كذلك ألَّا يأخُذَ الرَّجلُ شيئًا ممَّا أعْطاه للمَرأةِ في مُقابِلِ الاسْتمتاعِ بها، حتَّى وإنْ كان فِراقُها قبلَ الأجَلِ المُسمَّى؛ لأنَّها استَحقَّتْ ذلك بمُعاشَرتِها.