[إنما سحره بنات أعصم أخوات لبيد، وكن أسحر من لبيد وأخبث، وكان لبيد هو الذي ذهب به فأدخله تحت أرعوفة البئر، فلما عقدوا تلك العقد أنكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم تلك الساعة بصره ودس بنات أعصم إحداهن فدخلت على عائشة فخبرتها عائشة أو سمعت عائشة تذكر ما أنكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من بصره ثم خرجت إلى أخواتها وإلى لبيد فأخبرتهم] فقالت أختُ لبيدِ بنِ الأعصمِ : إن يكن نبيًا فسيخبَرُ وإلا فسيُذهلُهُ هذا السِّحرُ حتَّى يُذهِبَ عقلَهُ [فيكون بما نال من قومنا وأهل ديننا، فدله الله عليه.]

الدلالات الموضوعية:# مغازي - واقعة سحر النبي صلى الله عليه وسلم# إيمان - السحر والنشرة والكهانة# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - ما صبر عليه النبي صلى الله عليه وسلم في الله عز وجل# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم
المصدر: فتح الباري لابن حجر
الراوي: عبدالرحمن بن كعب بن مالك
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (2/ 176) مطولا.

الشرح والتوضيح

أنَّ يَهُودِيَّةً أتَتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فأكَلَ منها، فَجِيءَ بهَا، فقِيلَ: ألَا نَقْتُلُهَا؟ قالَ: لَا.

فَما زِلْتُ أعْرِفُهَا في لَهَوَاتِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

الراوي : أنس بن مالك المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2617 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (2417) واللفظ له، ومسلم (2190)، وأبو داود (4508) باختلاف يسير.

كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أكثرَ الخَلقِ تَواضُعًا، ومِن حُسنِ خُلقِه قَبولُه الهَديَّةَ ممَّن أهداها إليه، ولو كانت قَليلةً، ولو كان غيرَ مُسلمٍ؛ يَتألَّفُ بذلك قلْبَه للإسلامِ، وقدِ اسْتَغَلَّ اليَهودُ ذلك لِمَا عَرَفوهُ مِن سَماحَتِهِ، فَحاولوا قَتْلَه بالسُّمِّ في الطَّعامِ.

وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ أنسُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ امرأةً يَهوديَّةً -قيل: هي زَينبُ بنتُ الحارثِ امرأةُ سَلَامِ بنِ مِشْكَمٍ- أهْدَت لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شاةً مَسمومةً، وذلك بعْدَ غَزوةِ خَيْبَرَ، حيث أعدَّتْها للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ووضَعَتِ السُّمَّ في الموضعِ الذي يُحِبُّه صلَّى الله عليه وسلَّم مِن لَحْمِ الشَّاةِ، فأكَلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ السُّمَّ، فدَفَع اللهُ عنه عاجلَ شرِّها، فلمْ يَمُتْ في حِينِها صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولكنْ ظلَّ أثَرُه يُرَى ويُعرَفُ، كما قال أنسٌ رَضيَ اللهُ عنه: «ما زِلْتُ أَعرِفُها في لَهَوَاتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم»، كأنَّه بَقيَ للسُّمِّ عَلامةٌ وأثرٌ مِن سَوادٍ أو غيرِه، واللَّهَوَاتُ: جمْعُ لَهَاةٍ، وهي اللَّحمةُ الحمراءُ المُعلَّقةُ والمُتدلِّيةُ مِن أصْلِ الحَنَكِ الأعْلى.

وأُحضِرَت هذه المرأةُ التي وَضَعَت السُّمَّ أمامَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وفي رِوايةِ مُسلمٍ في صَحيحِه، قال: «فجِيءَ بها إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فسَأَلَها عن ذلك، فقالتْ: أرَدتُ لِأقْتُلَكَ، قال: ما كان اللهُ لِيُسلِّطَكِ على ذاكَ -أو قال: علَيَّ-».

وسَأَلَ الصَّحابةُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَقتُلوها، فرَفَضَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بقَتْلِها في حِينِها.

هكذا وقَع هنا النَّهيُ عن قتْلِها، وقدْ ثبَتَ أنَّها قُتِلَتْ كما في سُننِ أبي داودَ؛ قتَلَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أو دفَعَها إلى أولياءِ بِشرِ بنِ البَراءِ بنِ مَعرورٍ، وكان أكَلَ منها فماتَ بها فقَتَلوها.

ووجْهُ الجَمْعِ بيْن الرِّوايتينِ: أنَّه لم يَقْتُلْها أوَّلًا حِينَ اطَّلعَ على سُمِّها، وقيل له: أنقتُلُها؟ فقال: لا، فلمَّا ماتَ بِشرُ بنُ البَراءِ مِن ذلك سَلَّمَها لأوليائِه فقَتَلوها قِصاصًا؛ فيَصِحُّ أنَّه لم يَقتُلْها -أي: في الحالِ-، ويصِحُّ أنَّه قتَلَها، أي: بعْدَ ذلك.

وفي الحديثِ: بَيانُ عِصمتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن النَّاسِ كلِّهم، كما قال اللهُ تَعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] .

وفيه: مُعجِزةٌ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حيث سلَّمَه اللهُ مِن السُّمِّ المهلِكِ لغيرِه.

وفيه: مَشروعيَّةُ قَبولِ الهديَّةِ مِن المشرِكين.

الأصول والأحكام

الطبقات الكبير لابن سعد (2/ 176) أخبرنا محمد بن عمر، حدثني أبو مروان، عن إسحاق بن عبد الله، عن عمر بن الحكم، قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي الحجة ودخل المحرم, جاءت رؤساء يهود الذين بقوا بالمدينة ممن يظهر الإسلام، وهو منافق إلى لبيد بن الأعصم اليهودي وكان حليفا في بني زريق، وكان ساحرا، قد علمت ذلك يهود أنه أعلمهم بالسحر وبالسموم، فقالوا له: يا أبا الأعصم، أنت أسحر منا، وقد سحرنا محمدا فسحره منا الرجال والنساء فلم نصنع شيئا، وأنت ترى أثره فينا، وخلافه ديننا، ومن قتل منا وأجلى، ونحن نجعل لك على ذلك جعلا على أن تسحره لنا سحرا ينكؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير على أن يسحر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فعمد إلى مشط وما يمشط من الرأس من الشعر، فعقد فيه عقدا، وتفل فيه تفلا، وجعله في جب طلعة ذكر، ثم انتهى به حتى جعله تحت أرعوفة البئر، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا أنكره، حتى يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، وأنكر بصره حتى دله الله عليه, فدعا جبير بن إياس الزرقي وقد شهد بدرا, فدله على موضع في بئر ذروان تحت أرعوفة البئر، فخرج جبير حتى استخرجه.

ثم أرسل إلى لبيد بن الأعصم فقال: ما حملك على ما صنعت، فقد دلني الله على سحرك، وأخبرني ما صنعت، قال: حب الدنانير يا أبا القاسم, قال إسحاق بن عبد الله: فأخبرت عبد الرحمن بن كعب بن مالك بهذا الحديث, فقال: إنما سحره بنات أعصم أخوات لبيد، وكن أسحر من لبيد وأخبث، وكان لبيد هو الذي ذهب به فأدخله تحت أرعوفة البئر, فلما عقدوا تلك العقد أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الساعة بصره, ودس بنات أعصم إحداهن, فدخلت على عائشة, فخبرتها عائشة أو سمعت عائشة تذكر ما أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بصره, ثم خرجت إلى أخواتها وإلى لبيد فأخبرتهم، فقالت إحداهن: إن يكن نبيا فسيخبر، وإن يك غير ذلك فسوف يدلهه هذا السحر حتى يذهب عقله، فيكون بما نال من قومنا وأهل ديننا، فدله الله عليه.

قال الحارث بن قيس: يا رسول الله، ألا نهور البئر؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهورها الحارث بن قيس وأصحابه, وكان يستعذب منها.

قال: وحفروا بئرا أخرى فأعانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفرها حين هوروا الأخرى التي سحر فيها حتى أنبطوا ماءها، ثم تهورت بعد.

ويقال: إن الذي استخرج السحر بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: قيس بن محصن.

أحاديث ذات صلة