أتيتُ بيتَ المقدِسِ ، فإذا أَنا بشَيخٍ يُكْثرُ الرُّكوعَ، والسُّجودَ ، فلمَّا انصَرفَ قلتُ : إنَّك شَيخٌ ، وإنَّك لا تَدري على شَفعٍ انصرَفتَ أم على وِترٍ ؟ فقالَ : إنَّك قَد كُفيتَ حِفظَهُ ، وإنِّي لأرجو أنِّي لا أسجُدُ سجدةً إلَّا رفعَني اللَّهُ بِها درجةً ، أو كتبَ لي بِها حسنةً أو جمعَ لي كلتَيهما ، قالَ عبدُ الوَهَّابِ : الشَّيخُ الَّذي صلَّى ، وقالَ المقالةَ : أبو ذَرٍّ
أخرجه الشافعي في ((الأم)) (2/657) واللفظ له، والبيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (5518) من حديث مطرف رضي الله عنه.
[عن] معدان بن طلحة اليعمري، قال: لقيتُ ثوبانَ مولى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقلتُ دلَّني على عملٍ ينفعني أو يدخلني الجنَّةَ فسَكتَ عنِّي مليًّا ثمَّ التفتَ إليَّ فقالَ عليْكَ بالسُّجودِ فإنِّي سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يقولُ ما من عبدٍ يسجدُ للَّهِ سجدةً إلَّا رفعَهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ بِها درجةً وحطَّ عنْهُ بِها خطيئةً الراوي : الراوي ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم المحدث : الألباني المصدر : صحيح النسائي الصفحة أو الرقم: 1138 خلاصة حكم المحدث : صحيح السُّجودُ للهِ سبحانه وتعالَى مِن أعظَمِ القُرباتِ التي يَتقرَّبُ العبدُ بها إلى ربِّه، كما في هذا الحديثِ الذي يَحكِي فيه التابعيُّ الجليلُ مَعْدانُ بنُ طَلْحةَ اليَعمُريُّ: أنَّه لَقيَ ثَوبانَ مَولى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم فقال له: "دُلَّني على عَمَلٍ يَنفَعُني أو يُدخِلُني الجنَّةَ"، أي: أرشِدْني إلى عمَلٍ يُدخِلُني الجنَّةَ إذا عَمِلتُه، "فسكَتَ عنِّي مَلِيًّا"، أي: سكَت ثَوبانُ بَعضَ الوقتِ، وفي رِوايةِ مُسلِمٍ: "فسكتُّ، ثمَّ سألتُه فسكتُّ، ثم سألتُه الثالثةَ؛ فقال: سألتُ عن ذلك رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم"، ولعلَّ سُكوتَه كان لعِلمِه بعِظَمِ الأمرِ المسؤولِ عنه، أو لشفقتِه على السائِلِ، قال مَعدانُ: "ثمَّ الْتَفَت إليَّ فقال: عليكَ بالسُّجودِ"، أي: الْزَمِ السُّجودَ للهِ وأكثِرْ منه، والمقصودُ بالسُّجودِ الصَّلاةُ، وما فيها مِن سُجودٍ، وليس المقصودُ مجرَّدَ السَّجدةِ، ثم عَلَّلَ له ذلك بقولِه: "فإنِّي سَمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يقولُ: ما مِن عبدٍ يَسجُدُ للهِ سَجدةً"، أي: أي سجدةً في فريضةٍ أو نافلةٍ وتطوُّعٍ، "إلَّا رفَعه اللهُ عزَّ وجلَّ بها درَجةً"، أي: زادَه عُلُوًّا ورِفْعةً في درَجاتِ الجنَّةِ، أو زادَه في الأَجرِ والثَّوابِ، "وحَطَّ عنه بها خَطيئةً"، أي: غفَر له بهذه السَّجدةِ ذَنبًا مِن ذُنوبِه.
وسَببُ الحثِّ على السُّجودِ أنَّه "أقرَبُ ما يكونُ العبدُ مِن ربِّه وهو ساجدٌ"، كما في صَحيحِ مُسلمٍ، وهو مُوافِقٌ لقولِ اللهِ تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] ؛ ففي السُّجودِ اقتِرابٌ مِن اللهِ، ولأنَّ السُّجودَ غايةُ التَّواضعِ والعبوديَّةِ للهِ تعالى، وفيه تمكينُ أعَزِّ أعضاءِ الإنسانِ وأعلاها- وهو وجهُه- مِن التُّرابِ الَّذي يُداسُ، ويُمتَهَنُ، فيَرفَعُ اللهُ عبدَه الَّذي أذلَّ نفسَه لِمَولاهُ ربِّ العالَمينَ، وتَواضَع له غايةَ التَّواضُعِ، حيثُ وضَع أشرَفَ أعضائِه على الأرضِ، وباعَد نفْسَه مِن الكِبْرِ؛ فجازاه اللهُ تعالى بأنْ رفَعَه درَجةً.
وفي الحديثِ: بيانُ حِرصِ التَّابِعين على السُّؤالِ عن طرُقِ النَّجاةِ، وتعليمِ الصَّحابةِ لهم.
وفيه: بيانُ فَضلِ اللهِ على عِبادِه؛ بأنْ جعَل لهم مِن الأعمالِ ما يَرفَعُ درَجاتِهم ويَغفِرُ خَطاياهم.
وفيه: بيانُ الثَّوابِ الجزيلِ والفضلِ الكبيرِ لِمَن سجَد للهِ تعالى.
وفيه: أنَّ العالِمَ عليه التَّأنِّي في الجوابِ؛ حتَّى يَستيقِنَ منه، ويُجيبَ بما يُناسِبُ حالَ السَّائلِ .
الأم للشافعي (2/ 657) أخبرنا عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن أبي تميم المنذري عن مطرف قال : أتيت بيت المقدس فإذا أنا بشيخ يكثر الركوع , والسجود فلما انصرف قلت : إنك شيخ وإنك لا تدري على شفع انصرفت أم على وتر فقال : إنك قد كفيت حفظه وإني لارجو أني لا أسجد سجدة إلا رفعني الله بها درجة أو كتب لي بها حسنة أو جمع لي كلتيهما , قال عبد الوهاب الشيخ الذي صلى , وقال المقالة أبو ذر
[معرفة السنن والآثار] (4/ 74) :
5518 - قال الشافعي: وأخبرنا الثقفي، عن خالد الحذاء، عن رجل، عن مطرف قال: أتيت بيت المقدس، فإذا أنا بشيخ كثير الركوع والسجود، فلما انصرف.
قلت: إنك شيخ.
وإنك لا تدري على شفع انصرفت أم على وتر.
قال: إني قد كفيت حفظه، وإني لأرجو أن أسجد لله سجدة إلا رفعني الله بها درجة أو كتب لي بها حسنة، أو جمعهما لي كلتيهما قال عبد الوهاب: الشيخ الذي صلى وقال المقالة هو أبو ذر.