- قال أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنه: قال رجُلٌ مِنَ الأنصارِ لأصحابِهِ: أَمَا واللهِ لقدْ كنتُ أُحدِّثُكم أنَّه لَوِ استقامَتِ الأمورُ لقدْ آثَرَ عليكم، قال: فرَدُّوا عليه ردًّا عنيفًا، قال: فبلَغَ ذلك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فجاءَهم، فقال لهم أشياءَ لا أحفَظُها، قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: فكنتم لا تَركَبونَ الخيلَ، قال: فكلَّما قال لهم شيئًا قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: فلمَّا رآهم لا يرُدُّونَ عليه شيئًا قال: أفلا تقولونَ: قاتَلَكَ قومُكَ ونصَرْناكَ، وأخرَجَكَ قومُكَ فآوَيْناكَ؟ قالوا: نحنُ لا نقولُ ذلك يا رسولَ اللهِ، أنتَ تقولُه، قال: يا معشرَ الأنصارِ، أَلَا ترضَوْنَ أنْ يذهبَ الناسُ بالدُّنيا، وتذهبونَ أنتم برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: يا معشرَ الأنصارِ، إنَّ الناسَ لو سلَكوا واديًا وسلَكْتُم واديًا لسلَكْتُ واديَ الأنصارِ، قال: لولا الهِجرةُ لكنتُ امرأً مِنَ الأنصارِ، قال: الأنصارُ كَرِشِي ، وأهلُ بَيْتي، وعَيْبَتي التي آوَيْتُ إليها؛ فاعْفوا عن مُسيئِهم، واقبَلوا مِن مُحسِنِهم.
أخرجه الترمذي (3904) مختصراً، وأحمد (11842) باختلاف يسير
يا مَعشَرَ الأنصارِ، أَلَمْ تكونوا أَذِلَّةً فأَعَزَّكمُ اللهُ؟ قالوا: صدَقَ اللهُ ورسولُه، قال: أَلَمْ تكونوا ضُلَّالًا، فهَداكمُ اللهُ؟ قالوا: صدَقَ اللهُ ورسولُه، قال: أَلَمْ تكونوا فُقَراءَ، فأَغْناكمُ اللهُ؟ قالوا: صدَقَ اللهُ ورسولُه، ثُمَّ قال: ألَا تُجيبونَني؟ ألَا تقولون: أَتَيْتَنا طَريدًا فآوَيْناكَ، وأَتَيْتَنا خائِفًا فآمَنَّاكَ؟! ألَا تَرْضَوْنَ أنْ يَذهَبَ النَّاسُ بالشَّاءِ والبُقْرانِ، -يعني: البَقَرَ- وتَذهَبون برسولِ اللهِ، فتُدخِلونَه بُيوتَكم؟! لو أنَّ النَّاسَ سَلَكوا واديًا أو شُعْبةً، وسَلَكتُم واديًا أو شُعْبةً لَسَلَكتُ واديَكم أو شُعبَتَكم، لولا الهِجْرةُ لَكُنتُ امرَأً من الأنْصارِ، وإنَّكم سَتَلقَوْنَ بَعْدي أَثَرةً، فاصْبِروا حتَّى تَلقَوْني على الحَوضِ.
الراوي : أبو سعيد الخدري المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 11547 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه أحمد (11547) واللفظ له، وعبدالرزاق (19918)، وعبد بن حميد (913) كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَريمًا سَخيًّا، وكان يَتَألَّفُ النَّاسَ للإسلامِ بإعطائِهمُ المالَ رَجاءَ ثَباتِ مَن أسلَمَ مِنهم وتَقويةِ إيمانِه، ولا يُعطي بَعضَ الصَّحابةِ لِما عِندَهم مِن قوَّةِ الإيمانِ وثَباتِه في نُفوسِهم، وفي إحدى الغَزَواتِ قَسَّم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الغَنائِمَ على بَعضِ القَبائِلِ، وتَرَكَ الأنصارَ ولم يُعطِهم، فحَزِن الأنصارُ في نُفوسِهم لعَدَمِ إعطاءِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شيئًا مِنَ المالِ، مع أنَّهم قاتَلوا مَعَه، فجَمَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الأنصارَ في مَكانٍ، ثُمَّ قامَ خَطيبًا فيهم فقال لهم: يا مَعشَرَ الأنصارِ، ألم تَكونوا أذِلَّةً، أي: مُهانينَ بَينَ النَّاسِ بقِلَّةِ المالِ والأتباعِ، فأعَزَّكُمُ اللهُ؟ أي: حَيثُ أصبَحتُم مَرجِعًا لأهلِ الدِّينِ.
فقالوا: صَدَقَ اللهُ ورَسولُه، أي: نَعَم، هو كذلك، كُنَّا أذِلَّةً فأعَزَّنا اللَّهُ بك.
ثُمَّ قال لهم: ألم تَكونوا ضُلَّالًا، أي: جِئتُكُم وأنتُم على ضَلالةٍ مِنَ الكُفرِ باللهِ والشِّركِ.
فهَداكُمُ اللَّهُ؟ أي: بالإيمانِ.
فقالوا: صَدَقَ اللهُ ورَسولُه، ثُمَّ قال لهم: ألم تَكونوا فُقَراءَ، أي: لا مالَ عِندَكُم، فأغناكُمُ اللهُ؟ أي: بما أعطاكُم مِن فَضلِه.
قالوا: صَدَقَ اللهُ ورَسولُه.
ثُمَّ قال لهم: ألَّا تُجيبونَني؟ أي: ألَا تَرُدُّونَ على قَولي بما لكم علَيَّ مِنَ المَآثِرِ والفضائِلِ التي صَنَعتُموها مَعي؟ ويُريدُ أيضًا أن يُبَيِّنَ لهم أنَّه ما نَسيَ إحسانَهم، وأنَّ ما فعَل مِن إيثارِ غَيرِهم بالأموالِ ليسَ مَبنيًّا على النِّسيانِ، فقال لهم: ألَا تَقولونَ: أتَيتَنا طَريدًا فآويناك، أي: طَرَدَك قَومُك وأخرجوك مِن مَكَّةَ فجَعَلنا بَلدَنا مَأوًى لك تَسكُنُه وتَنزِلُ فيه أنتَ وأصحابُك، وأتَيتَنا خائِفًا فآمنَّاك؟! أي: خائِفًا مِن قَتلِ قُرَيشٍ لك، فجَعَلنا لك الأمانَ، ثُمَّ قال لهم: ألَا تَرضَونَ أن يَذهَبَ النَّاسُ بالشَّاءِ -أي: الغَنَمِ- والبُقْرانِ، يَعني: البَقَرَ، أي: يَأخُذُ النَّاسُ هذه الأموالَ، وتَذهَبونَ برَسولِ اللهِ، فتُدخِلونَه بُيوتَكُم؟! أي: تَرجِعونَ أنتُم برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى بَلدِكُم، فيَكونُ عِندَكُم، والمَعنى: أنَّكُم تَغنَمونَ وتَفوزونَ أن يَكونَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَينَكُم في ديارِكُم بَدَلَ الأموالِ، فنَبَّهَهم على ما غَفلوا عنه مِن عَظيمِ ما اختَصُّوا به مِنه بالنِّسبةِ إلى ما حَصَل عليه غَيرُهم مِن عَرَضِ الدُّنيا الفانيةِ.
ثُمَّ قال لهم: لو أنَّ النَّاسَ سَلكوا واديًا -وهو المَكانُ المُنخَفِضُ، وقيل: الذي فيه ماءٌ، والمُرادُ هنا بَلَدُهم- أو شُعبةً، وهو اسمٌ لِما انفرَجَ بَينَ جَبَلينِ، وقيل: الطَّريقُ في الجَبَلِ، أي: ذَهَبَ النَّاسُ في وادٍ أو شِعبٍ.
وسَلكتُم واديًا أو شُعبةً، لسَلكتُ واديَكُم أو شُعبَتَكُم، أي: لكُنتُ مَعَ الأنصارِ في المَكانِ الذي يَذهَبونَ إليه.
وأرادَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بهذا وبما بَعدَه التَّنبيهَ على جَزيلِ ما حَصَل لهم مِن ثَوابِ النُّصرةِ والقَناعةِ باللهِ ورَسولِه عنِ الدُّنيا، ومَن هذا وَصفُه فحَقُّه أن يُسلَكَ طَريقُه ويُتَّبَعَ حالُه، لولا الهجرةُ، أي: لولا شَرَفُها وجَلالةُ قَدرِها عِندَ اللهِ، لكُنتُ امرَأً مِنَ الأنصارِ، أي: لعَدَدتُ نَفسي واحدًا مِنهم؛ لكَمالِ فَضلِهم وشَرَفِهم بَعدَ فَضلِ الهِجرةِ وشَرَفِها، والمَقصودُ الإخبارُ بما لهم مِنَ المَزيَّةِ بَعدَ مَزيَّةِ الهِجرةِ، وأنَّها مَزيَّةٌ يَرضى بها مِثلُه.
وأرادَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بهذا الكَلامِ تَألُّفَ الأنصارِ، واستِطابةَ نُفوسِهم، والثَّناءَ عليهم في دينِهم، حتَّى رَضيَ أن يَكونَ واحِدًا مِنهم لولا ما يَمنَعُه مِنَ الهجرةِ التي لا يَجوزُ تَبديلُها، أو لولا أنَّ النِّسبةَ إلى الهِجرةِ نِسبةٌ دينيَّةٌ لا يَسَعُ تَركُها، لولا ذلك لانتَسَبتُ إلى دارِكُم وتَسَمَّيتُ باسمِكُم وانتَسَبتُ إليكُم كَما كانوا يَنتَسِبونَ بالحِلفِ، لكِنَّ خُصوصيَّةَ الهِجرةِ سَبَقَت فمَنَعَت مِن ذلك، وهيَ أعلى وأشرَفُ، فلا تَتَبَدَّلُ بغَيرِها.
ثُمَّ قال لهم: وإنَّكُم سَتَلقَونَ بَعدي، أي: بَعدَ مَوتي أثَرةً.
الأثَرةُ: الانفِرادُ بالشَّيءِ المُشتَرَكِ دونَ مَن يَشرَكُه فيه، والمَعنى: سَتَجِدونَ استِبدادًا عليكُم، وانفِرادًا بالأموالِ والحُقوقِ مِنَ الأُمَراءِ دونَكُم بما لكم بغَيرِ حَقٍّ، فيُعطي المسؤولُ غَيرَكُم ما لا يُعطيكُم، ويَستَعمِلُهم في الوظائِفِ والوِلاياتِ ما لا يَستَعمِلُكُم، وقد وقَعَ ما أخبَرَ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
ثُمَّ قال لهم موصيًا ومُرشِدًا إلى ما يَصنَعونَ: فاصبروا حتَّى تَلقَوني على الحَوضِ، أي: اصبِروا على ما تَلقَونَه في الدُّنيا مِن بَعدي، حتَّى تَلقَوني على الحَوضِ في القيامةِ، فيَحصُلَ لكُمُ الانتِصافُ مِمَّن ظَلمَكُم والثَّوابَ الجَزيلَ على الصَّبرِ.
وفي الحَديثِ تَذكيرُ الإمامِ الرَّعيَّةَ بفَضلِ اللهِ عليهم.
وفيه فَضلُ الهِجرةِ.
وفيه فَضلُ الأنصارِ.
وفيه حُسنُ أدَبِ الأنصارِ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه بَيانُ تَواضُعِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه إثباتُ حَوضِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَ القيامةِ.
وفيه تَسليةُ مَن فاتَه شَيءٌ مِنَ الدُّنيا بما حَصَل له مِن ثَوابِ الآخِرةِ، والحَضُّ على طَلَبِ الهدايةِ والأُلفةِ والغِنى.
وفيه تَقديمُ جانِبِ الآخِرةِ على الدُّنيا والصَّبرُ عَلى ما فاتَ مِنها ليُدَّخَرَ ذلك لصاحِبِه في الآخِرةِ.
وفيه الصَّبرُ على جَورِ الأئِمَّةِ.
وفيه عَلَمٌ مِن أعلامِ نُبوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ حَيثُ أخبَرَ بما سَيَقَعُ بَعدَ مَوتِه .
سنن الترمذي ت شاكر (5/ 714) 3904 - حدثنا الحسين بن حريث قال: حدثني الفضل بن موسى، عن زكريا بن أبي زائدة، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا إن عيبتي التي آوي إليها أهل بيتي، وإن كرشي الأنصار، فاعفوا عن مسيئهم، واقبلوا من محسنهم: هذا حديث حسن وفي الباب عن أنس
مسند أحمد - الرسالة (18/ 355) 11842 - حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا الفضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي قال: قال أبو سعيد: قال رجل من الأنصار لأصحابه: أما والله لقد كنت أحدثكم أنه لو قد استقامت الأمور قد آثر عليكم .
قال: فردوا عليه ردا عنيفا، قال: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال: فجاءهم .
فقال لهم أشياء لا أحفظها .
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " فكنتم لا تركبون الخيل، قال: فكلما قال لهم شيئا: قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فلما رآهم لا يردون عليه شيئا قال: " أفلا تقولون قاتلك قومك فنصرناك، وأخرجك قومك، فآويناك ؟ " قالوا: نحن لا نقول ذلك يا رسول الله، أنت تقوله: قال: " يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون أنتم برسول الله؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " يا معشر الأنصار ألا ترضون أن الناس لو سلكوا واديا، وسلكتم واديا لسلكت وادي الأنصار ؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار كرشي ، وأهل بيتي، وعيبتي التي آوي إليها، فاعفوا عن مسيئهم، واقبلوا من محسنهم " .
قال أبو سعيد: قلت لمعاوية: " أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أننا سنرى بعده أثرة ؟ قال معاوية: فما أمركم ؟ قلت: أمرنا أن نصبر، قال: فاصبروا إذا "