قام عثمانُ فخطب النَّاسَ فقال : يا أيُّها النَّاسُ عهِدكم نبيُّكم منذ ثلاثَ عشرةَ، وأنتم تمترون في القرآنِ ، وتقولون : قراءةُ أُبيٍّ وقراءةُ عبدِ اللهِ ، يقولُ الرَّجلُ : واللهِ ما تُقيمُ قراءتَك، وأعزِمُ على كلِّ رجلٍ منكم ما كان معه من كتابِ اللهِ شيءٌ لما جاء به ، فكان الرَّجلُ يجيءُ بالورقةِ والأديمِ فيه القرآنُ ، حتَّى تجمَّعَ من ذلك شيءٌ كثيرٌ ، ثمَّ دخل عثمانُ فدعاهم رجلًا رجلًا ، فناشدهم لسمِعتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو أملاه عليك ؟ فيقولُ : نعم ، فلمَّا فرغ من ذلك عثمانُ قال : من أكتَبُ النَّاسِ ؟ قالوا : كاتبُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زيدُ بنُ ثابتٍ ، قال : فأيُّ النَّاسِ أعرَبُ ؟ قالوا : سعيدُ ابنُ العاصِ ، قال عثمانُ : فليُمْلِ سعيدٌ ، وليكتُبْ زيدٌ ، فكتب زيدٌ مصاحفَ ففرَّقها في النَّاسِ ، فسمِعتُ بعضَ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولون : قد أحسن

الدلالات الموضوعية:# مناقب وفضائل - زيد بن ثابت# مناقب وفضائل - عثمان بن عفان# قرآن - جمع القرآن# مناقب وفضائل - سعيد بن العاص# قرآن - نزول القرآن
المصدر: فضائل القرآن لابن كثير
الراوي: مصعب بن سعد
المحدث: ابن كثير
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه ابن أبي داود في ((المصاحف)) (ص100)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))، واللفظ لهما.

الشرح والتوضيح

سمِعْتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ يقولُ: اتَّقُوا اللهَ أيُّها النَّاسُ، إيَّاكُمْ والغُلُوَّ في عُثمانَ، وقَولَكم: حَرَّاقُ المصاحِفِ؛ فواللهِ ما حرَّقَها إلَّا على مَلَأٍ مِنَّا أصحابِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جميعًا، فقالَ: ما تقولونَ في هذِهِ القراءةِ الَّتي اختلَفَ النَّاسُ فيها؟ يَلْقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ، فيقولُ: قِراءَتي خَيرٌ مِن قِراءَتِكَ، وقِراءَتي أفضَلُ مِن قِراءَتِكَ، وهذا شبيهٌ بالكفرِ، فقُلْنا: ما الرأيُ يا أميرَ المؤمنينَ؟ قالَ: فإنِّي أَرَى أنْ أجمَعَ النَّاسَ على مصحفٍ واحدٍ؛ فإنَّكُمْ إذا اختلَفْتُمُ اليومَ كانَ مَنْ بَعدَكم أشدَّ اختلافًا، فقُلْنا: نِعْمَ ما رأيتَ؛ فأرسَلَ إلى زَيْدِ بنِ ثابتٍ، وسعيدِ بنِ العاصِ، فقالَ: لِيَكْتُبْ أحدُكما، ويُمْلِ الآخَرُ، فإذا اختلَفْتُمْ في شيءٍ، فارفعاهُ إليَّ، فما اختَلَفْنا في شيءٍ مِن كتابِ اللهِ إلَّا في حرفٍ واحدٍ في سورةِ البقرةِ، قال سعيدٌ: {التَّابُوتُ} [البقرة: 248] ، وقالَ زَيدٌ: التَّابُوهُ، فرفعناهُ إلى عُثمانَ، فقالَ: اكتُبوهُ: {التَّابُوتُ} [البقرة: 248] .

قالَ عليٌّ: ولَوْ وَلِيتُ الَّذي وَلِيَ عُثمانُ لَصنَعْتُ مِثْلَ الَّذي صنَعَ.

الراوي : سويد بن غفلة المحدث : شعيب الأرناووط المصدر : تخريج شرح السنة الصفحة أو الرقم: 4/524 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (4/ 524) بلفظه معلقا، وأبو داود في ((المصاحف)) (96) بنحوه.

أكرَمَ اللَّهُ هذه الأُمَّةَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنزَل عليه أعظَمَ كِتابٍ وجَعَله مُعجِزتَه الخالِدةَ إلى قيامِ السَّاعةِ؛ فقد تَكَفَّل اللَّهُ تعالى بحِفظِ كِتابِه، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، وقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَما يَنزِلُ عليه الوَحيُ يَأمُرُ بَعضَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم بكِتابةِ ما نَزَل عليه، وظَلَّ القُرآنُ مَكتوبًا في صُحُفٍ مُفرَّقةٍ، ومَحفوظًا في صُدورِ الصَّحابةِ، حتَّى جَمَعه أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، فقد تُوُفِّيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولم يَكُنِ القُرآنُ جُمِع في شَيءٍ، ثُمَّ جَمَعَه عُثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه الجَمعَ الثَّانيَ، ولكِنَّه جَعَله على حَرفٍ واحِدٍ؛ وذلك بسَبَبِ الاختِلافِ الذي نَشَأ في النَّاسِ في قِراءَتِهمُ القُرآنَ؛ فكُلٌّ يَقرَأُ بحَرفٍ غَيرِ حَرفِ الآخَرِ؛ مِمَّا كان يُؤَدِّي بهم إلى الاقتِتالِ، فرَأى عُثمانُ جَمعَهم على حَرفٍ واحِدٍ ووافقَه الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم على ذلك، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه: اتَّقوا اللَّهَ أيُّها النَّاسُ، إيَّاكُم والغُلوَّ في عُثمانَ، أي: لا تَغلوا في ذَمِّه والقَدحِ فيه، وفي رِوايةٍ أُخرى: ولا تَقولوا له إلَّا خَيرًا، وقَولُكُم: حَرَّاقُ المَصاحِفِ، أي: أنَّه حَرقَ المَصاحِفَ المُختَلِفةَ، فواللهِ ما حَرقَها إلَّا على مَلأٍ مِنَّا أصحابَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَميعًا، أي: حَرقَها ونَحنُ شاهدونَ ذلك وحاضِرونَ وأقرَرنا فِعلَه ووافَقناه، ولو كان فِعلُه غَيرَ صحيحٍ لم نوافِقْه؛ فإنَّ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه جَمَعَ الصَّحابةَ لمَّا رَأى اختِلافَ النَّاسِ في القِراءةِ، فقال لهم: ما تَقولونَ في هذه القِراءةِ التي اختَلف النَّاسُ فيها؟ أي: كُلٌّ يَقرَأُ بقِراءةٍ وحَرفٍ غَيرِ قِراءةِ وحَرفِ صاحِبِه، يَلقى الرَّجُلُ الرَّجُلَ، فيَقولُ: قِراءَتي خَيرٌ مِن قِراءَتِك، وقِراءَتي أفضَلُ مِن قِراءَتِك، وهذا شَبيهٌ بالكُفرِ، أي: يُؤَدِّي بهم هذا التَّفاضُلُ إلى أن يُنكِرَ بَعضُهم ما عِندَ الآخَرِ مِنَ القُرآنِ، وإنكارُ بَعضٍ مِنَ القُرآنِ كُفرٌ، فقال الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم: ما الرَّأيُ يا أميرَ المُؤمِنينَ؟ أي: فماذا تَرى أنتَ؟ فقال عُثمانُ: فإنِّي أرى أن أجمَعَ النَّاسَ على مُصحَفٍ واحِدٍ، أي: أجعَلَ النَّاسَ يَجتَمِعونَ على مُصحَفٍ وحَرفٍ واحِدٍ، ونَترُكُ بَقيَّةَ المَصاحِفِ؛ فإنَّكُم -يَقصِدُ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم- إذا اختَلفتُمُ اليَومَ كان مَن بَعدَكُم أشَدَّ اختِلافًا، أي: أنتُمُ الصَّحابةُ الآنَ إذا اختَلفتُم في القِراءةِ وأنتُم تَعلمونَ بكَيفيَّةِ نُزولِ القُرآنِ وقُربِكُم مِن عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّ مَن بَعدَكُم لا يَعلَمونَ شَيئًا مِن ذلك فسَيَكونُ اختِلافُهم شَديدًا في القُرآنِ.

فقال الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم لعُثمانَ: نِعمَ ما رَأيتَ، أي: رَأيُك هذا هو خَيرُ الآراءِ وأصوَبُها.

فعِندَ ذلك أرسَل عُثمانُ إلى زَيدِ بنِ ثابتٍ، وسَعيدِ بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما حتَّى يَكتُبا المُصحَفَ على حَرفٍ واحِدٍ، وقال لهما: ليَكتُبْ أحَدُكُما، ويُمْلِ الآخَرُ، أي: أحَدُكُما يَكتُبُ المُصحَفَ والآخَرُ يُملي عليه، وما اتَّفقتُما عليه كَتَبتُماه، وإذا اختَلفتُما في شَيءٍ مِنَ القُرآنِ على أيِّ حَرفٍ هو، فارفعاه إليَّ، أي: ارفَعا أمرَ ذلك إليَّ حتَّى أقضيَ فيه بما يُكتَبُ، فما اختَلفا في شَيءٍ مِن كِتابِ اللهِ إلَّا في حَرفٍ واحِدٍ في سورةِ البَقَرةِ، في قَولِه تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 248] ، قال سَعيدُ بنُ العاصِ: {التَّابُوتُ}، وقال زَيدُ بنُ ثابتٍ: التَّابُّوه، فرَفعاه إلى عُثمانَ، فقال عُثمانُ: اكتُبوه: {التَّابُوتُ}، ثُمَّ أرسَل عُثمانُ في الأمصارِ بهذا المُصحَفِ وأمرَهم أن يُحرِقوا كُلَّ مُصحَفٍ يُخالفُ المُصحَفَ الذي أُرسِل به.

ثُمَّ يَقولُ عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه بَعدَ ذِكرِ تَفاصيلِ جَمعِ عُثمانَ للمُصحَفِ: ولو وَلِيتُ الذي وَلِيَ عُثمانُ لصَنَعتُ مِثلَ الذي صَنَعَ، أي: لو كُنتُ أنا مَكانَ عُثمانَ ورَأيتُ اختِلافَ النَّاسِ في القُرآنِ لفعَلتُ ما فَعَله بأن أجعَلَه على حَرفٍ واحِدٍ، وأُلغي بَقيَّتَها خَشيةَ اختِلافِ النَّاسِ وتَفرُّقِهم واقتِتالِهم.

وفي الحَديثِ بَيانُ كَيفيَّةِ جَمعِ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه للمُصحَفِ.

وفيه بَيانُ أمرِ مَن تَولَّى كِتابةَ المُصحَفِ.

وفيه فَضلُ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه وحِرصُه على جَمعِ كَلمةِ المُسلمينَ.

وفيه اتِّفاقُ وتَأييدُ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم لِما فعَله عُثمانُ في جَمعِ المُصحَفِ.

وفيه مَشروعيَّةُ تَحريقِ الكُتُبِ التي فيها اسمُ اللهِ بالنَّارِ، وأنَّ ذلك إكرامٌ لها وصَونٌ عن وطئِها بالأقدامِ.

وفيه تَوفيقُ اللهِ لعُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه في جَمعِ المُصحَفِ .

الأصول والأحكام

المصاحف لابن أبي داود (ص100) :

حدثنا عبد الله قال حدثني عمي قال: حدثنا أبو رجاء قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: قام عثمان فخطب الناس فقال: " أيها الناس عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون قراءة أبي وقراءة عبد الله يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك فأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به، وكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى جمع من ذلك كثرة، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلا رجلا فناشدهم لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم، فلما فرغ من ذلك عثمان قال: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت قال: ‌فأي ‌الناس ‌أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد، فكتب زيد، وكتب مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب محمد يقول: قد أحسن "

[تاريخ دمشق - لابن عساكر] (39/ 243) :

أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين أنا محمد بن أحمد بن محمد أنا عثمان بن محمد بن القاسم نا عبد الله بن سليمان بن الأشعث نا عمي نا ابن رجاء أنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مصعب بن سعد قال قام عثمان فخطب الناس فقال أيها الناس عهدكم بنبيكم صلى الله عليه وسلم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن وتقولون قراءة أبي وقراءة عبد الله يقول الرجل والله ما تقيم قراءتك فأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به فكان الرجل يجئ بالورقة والأديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة ثم دخل عثمان فدعاهم رجلا رجلا فناشدهم لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أمله عليك فيقول نعم فلما فرغ من ذلك عثمان قال من أكتب الناس قالوا كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت قال ‌فأي ‌الناس ‌أعرب قالوا سعيد بن العاص قال عثمان فليمل سعيد وليكتب زيد فكتب زيد فكتب مصاحف ففرقها في الناس فسمعت بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقول قد أحسن

أحاديث ذات صلة