ولا رادَّ لما قَضيتَ [يعني حديث: كتب معاويةُ إلى المغيرةِ بنِ شعبةَ أن اكتُبْ إليَّ بشيءٍ من حديثِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكتب إليه : إنِّي سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يتعوَّذُ من ثلاثةٍ : من عقوقِ الأمَّهاتِ، ومن وأْدِ البناتِ، ومن منعٍ وهاتِ، وسمِعتُه ينهَى عن ثلاثةٍ : قيل وقال، وإضاعةِ المالِ، وكثرةِ السُّؤالِ، قال : وسمِعتُه يقولُ : اللَّهمَّ لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما منعتَ، ولا رادَّ لما قضيتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ]
أخرجه البخاري (6615)، ومسلم (593)، وأبو داود (1505) جميعهم بلفظه.
لمَّا كان يومُ أُحُدٍ، وانكفأ المشركون، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: استَوُوا حتى أُثنِيَ على ربي عزّ وجلَّ.
اللهم لك الحمدُ كلُّه، اللهم لا قابضَ لما بسطتَ، و لا مُقَرِّبَ لما باعدتَ، و لا مُباعِدَ لما قرَّبتَ، ولا مُعطِيَ لما منعْتَ، ولا مانعَ لما أَعطيتَ، اللهم ابسُطْ علينا من بركاتِك ورحمتِك وفضلِك ورزقِك، اللهم إني أسألُك النَّعيمَ المقيمَ الذي لا يحُولُ ولا يزولُ، اللهم إني أسألُك النَّعيمَ يومَ العَيْلَةِ، والأمنَ يومَ الحربِ، اللهم عائذًا بك من سوءِ ما أُعطِينا، وشرِّ ما منَعْت منا، اللهم حبِّبْ إلينا الإيمانَ وزَيِّنْه في قلوبِنا، وكَرِّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ، واجعلْنا من الراشدين، اللهم توفَّنا مسلمِين، و أحْيِنا مسلمِين، وألحِقْنا بالصالحين، غيرَ خزايا و لا مفتونين، اللهم قاتِلِ الكفرةَ الذين يصدُّون عن سبيلِك، و يُكذِّبون رُسُلَك، و اجعلْ عليهم رِجزَك وعذابَك، اللهم قاتِلِ الكفرةَ الذين أُوتوا الكتابَ، إلهَ الحقِّ الراوي : رفاعة بن رافع المحدث : الألباني المصدر : صحيح الأدب المفرد الصفحة أو الرقم: 538 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (699) واللفظ له، وأخرجه أحمد (15492)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (10445) باختلاف يسير لمَّا هاجَرَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المَدينةِ واستَقَرَّ فيها بَنى دَولةَ الإسلامِ، وبَنى المَسجِدَ وآخى بَينَ المُهاجِرينَ والأنصارِ، وبَدَأت حَياةُ الكِفاحِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، فكانت غَزوةُ بَدرٍ في السَّنةِ الثَّانيةِ للهِجرةِ، وانتَصَرَ فيها المُسلِمونَ انتِصارًا عَظيمًا سَمَّاه اللَّهُ تَعالى بيَومِ الفُرقانِ، وأذَلَّ اللَّهُ فيه كُفَّارَ قُرَيشٍ، وقُتِلَ صَناديدُهم، فأرادَ كُفَّارُ قُرَيشٍ أن يَثأروا لزُعَمائِهم، فكانت غَزوةُ أُحُدٍ في السَّنةِ الثَّالثةِ، ومِمَّا جاءَ في أحداثِ غَزوةِ أُحُدٍ، يَقولُ رِفاعةُ بنُ رافِعٍ رَضيَ اللهُ عنه: لمَّا كان يَومُ أُحُدٍ، أي: يَومُ غَزوةِ أُحُدٍ، وكان فيه مَقتَلةٌ عَظيمةٌ للمُسلمينَ ومُصيبةٌ كَبيرةٌ لَهم، وأُصيبَ فيها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجُرح، ولمَّا انتَهَتِ المَعرَكةُ وانكَفأ المُشرِكونَ، أي: انقلبوا ورَجَعوا إلى بُيوتِهم.
قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه: استَووا، أي: اعتَدِلوا في الصُّفوفِ، فصاروا خَلفَه صُفوفًا كما في الرِّوايةِ الأُخرى، حَتَّى أُثنيَ على رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، أي: أحمَدَه وأشكُرَه على جَزيلِ فَضلِه ونِعَمِه، ثُمَّ دَعا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: اللَّهُمَّ لَك الحَمدُ كُلُّه، أي: أنتَ المُستَحِقُّ للحَمدِ؛ فالحَمدُ الكامِلُ كُلُّه للَّهِ تعالى، وهو يَتَضَمَّنُ إثباتَ جَميعِ أنواعِ الكَمالِ للَّهِ، فهو الذي يُحمَدُ سُبحانَه على كُلِّ حالٍ، اللَّهُمَّ لا قابضَ لِما بَسَطتَ، أي: لا أحَدَ يَستَطيعُ أن يُضَيِّقَ ما وسَّعتَ؛ وذلك لكَمالِ قُدرَتِك ومَشيئَتِك، ولا مُقَرِّبَ لِما باعَدتَ، ولا مُباعِدَ لِما قَرَّبتَ، أي: أنَّه سُبحانَه يُقرِّبُ الطَّائِعَ وأهلَ الإيمانِ، ويُباعِدُ الكُفَّارَ والمُنافِقينَ، ولا أحَدَ يَستَطيعُ أن يُقَرِّبَهم إذا بَعَّدَهمُ اللَّهُ.
ولا مُعطيَ لِما مَنَعتَ، أي: لا أحَدَ يَستَطيعُ أن يُعطيَ أحَدًا شَيئًا مِن عِلمٍ أو رِزقٍ أو جاهٍ ونَحوِ ذلك، إذا أنتَ مَنَعتَ ذلك، ولا مانِعَ لِما أعطَيتَ، أي: لا أحَدَ يَستَطيعُ أن يَمنَعَ أحَدًا شَيئًا أرَدتَ أنتَ إعطاءَه إيَّاه.
ثُمَّ بَعدَ أن تَوسَّلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بهذه التَّوسُّلاتِ للَّهِ تعالى، دَعا فقال: اللَّهُمَّ ابسُطْ علينا، أي: وسِّعْ علينا مِن بَرَكاتِك، والبَرَكةُ: هيَ الخَيرُ والنَّماءُ والزِّيادةُ، ورَحمَتِك وفَضلِك ورِزقِك، اللَّهُمَّ إنِّي أسألُك، أي: أطلُبُ مِنك، النَّعيمَ المُقيمَ، أي: الدَّائِمَ الباقيَ، الذي لا يَحولُ، أي: لا يَتَحَوَّلُ ولا يَنتَقِلُ، ولا يَزولُ، أي: يَذهَبُ، وهو نَعيمُ الآخِرةِ؛ فنَعيمُها باقٍ وليس بفانٍ.
اللَّهُمَّ إنِّي أسألُك النَّعيمَ يَومَ العَيلةِ، أي: أطلُبُ مِنك يا اللَّهُ السَّعةَ والنِّعمةَ يَومَ الفقرِ والحاجةِ، وأن تُغنيَني عنِ السُّؤالِ والافتِقارِ لسِواك مِنَ الخَلقِ.
والأمنَ يَومَ الحَربِ، أي: أسألُك الاطمِئنانَ وَقتَ الحُروبِ، وهو وقتُ خَوفٍ وفزَعٍ، اللَّهُمَّ عائِذًا بك، أي: مُلتَجِئًا ومُعتَصِمًا بك، مِن سوءِ ما أعطَيتَنا، أي: استَعاذَ مِن شَرِّ ما يُعطاه مِنَ الرِّزقِ والخَيرِ، فيُؤَدِّي به إلى تَركِ ما يَجِبُ عليه مِنَ الزَّكاةِ وصِلةِ الأرحامِ، وبأن يَكونَ سَبَبًا للطُّغيانِ والعِصيانِ والاستِكبارِ، قال اللهُ تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6، 7] ، وقد لا يوظِّفُ ما أعطاه اللهُ ورَزَقَه في الطَّاعاتِ والخَيراتِ.
وشَرِّ ما مَنعتَ مِنَّا، أي: استَعاذَ مِنَ الشَّرِّ الذي مَنَعَه اللهُ مِنه؛ لكَمالِ عِلمِه وحِكمَتِه بحالِه، فيُؤَدِّي إلى الحَسَدِ، وما يَتَولَّدُ عنِ الحَسَدِ، كالسَّعيِ في هَلاكِه بَغيًا وعُدوانًا، ومِنَ الحُزنِ والهَمِّ المانِعِ مِنَ الأُمورِ المُهمَّةِ في الدِّينِ والدُّنيا، بسَبَبِ عَدَمِ القَناعةِ والرِّضا بما قَسَمَ اللهُ له، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَينا الإيمانَ، وزَيِّنْه في قُلوبِنا، أي: اجعَلِ الإيمانَ مَحبوبًا لَنا في نُفوسِنا، مُزَيَّنًا في قُلوبِنا، فيَتَزَيَّنُ ظاهِرُنا بالأعمالِ الصَّالحةِ، بما زَيَّنتَ به باطِنَنا؛ فإنَّه أعظَمُ أعمالِ القُلوبِ الموصِلةِ إلى دارِ الخُلودِ، وكَرَّهَ إلَينا الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيانَ، أي: اجعَلْ قُلوبَنا ونُفوسَنا تَكرَهُ وتُبغِضُ هذه المَعاصيَ العِظامَ مِنَ الكُفرِ والفُسوقِ، وهو الخُروجُ عنِ الطَّاعةِ والعَمَلِ بالمَعصيةِ واجعَلْنا مِنَ الرَّاشِدينَ، أي: اجعَلْنا راشِدينَ مُستَقيمينَ، في أعمالِنا على طاعَتِك، وحُسنِ عِبادَتِك في الظَّاهرِ والباطِنِ، اللَّهُمَّ توفَّنا مُسلِمينَ، أي: أمِتْنا على الإسلامِ، ففيه سُؤالُ اللهِ تعالى المَوتَ بحُسنِ الخاتِمةِ، وأحيِنا مُسلِمينَ، أي: بأن نَحيا على الإسلامِ، وذلك بالاستِسلامِ لَك في الظَّاهرِ والباطِنِ، وألحِقْنا بالصَّالحينَ، أي: بأن نَلحَقَ في رَكبِهم، غَيرَ خَزايا، أي: لا يُصيبُنا ذُلٌّ ومَهانةٌ.
وأصلُ الخِزيِ هو الذُّلُّ الذي يُستحيا مِن مِثلِه لِما يُخافُ مِنَ الفضيحةِ مِنه، والمَعنى: لا تُذِلَّنا بمَعصيَتِك، ولا تُهِنَّا بتَركِ أوامِرِك، ولا مَفتونينَ، أي: غَيرَ واقِعينَ في الفِتنةِ الدِّينيَّةِ، والبَليَّةِ الأُخرَويَّةِ، اللَّهُمَّ قاتِلِ الكَفرةَ الذينَ يَصُدُّونَ عن سَبيلِك، أي: يَحولونَ بَينَ النَّاسِ وبَينَ دينِك، ويُكَذِّبونَ رُسُلَك، أي: يُعانِدونَهم ولا يُصَدِّقونَهم واجعَلْ عليهم رِجزَك.
الرِّجزُ: الرِّجسُ، وعَذابَك.
وإنَّما خَصَّ الرِّجزَ بالذِّكرِ مَعَ كَونِه داخِلًا تَحتَ العَذابِ لبَيانِ شِدَّتِه وقوَّتِه، وقيلَ: الرِّجزُ العَذابُ المُعَلَّقُ، قاتِلِ الكَفَرةَ الذينَ أوتوا الكِتابَ، أي: مِنَ اليَهودِ والنَّصارى، إلَهَ الحَقِّ، أي: أنتَ إلَهُ الحَقِّ وحدَك لا شَريكَ لَك.
وخُتِم الدُّعاءُ بهَذَين الاسمَينِ: اسمُه تعالى الإلَهُ، فهو المَألوهُ، أي: المُستَحِقُّ أن يُؤَلَّهَ فيُعبَدَ، ويُفرَدَ بالعِبادةِ دونَ أحَدٍ سِواه.
واسمُه الحَقُّ؛ فهو الإلَهُ الحَقُّ، ضِدُّ الباطِلِ، وكُلُّ مَعبودٍ دونَه باطِلٌ؛ فهو سُبحانَه مُتَحَقِّقٌ في وُجودِه وفي رُبوبيَّتِه وإلَهيَّتِه وأسمائِه وصِفاتِه أزَلًا وأبَدًا.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ دُعاءِ الإمامِ بهذا الدُّعاءِ بَعدَ المَعرَكةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الحَمدِ والثَّناءِ على اللهِ، والتَّوسُّلُ إلَيه بأسمائِه وصِفاتِه في الدُّعاءِ.
وفيه بَيانُ ما كان عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن شِدَّةِ الافتِقارِ والتَّضَرُّعِ للَّهِ تعالى .
صحيح البخاري (معتمد) (8/ 126)
6615 - حدثنا محمد بن سنان، حدثنا فليح، حدثنا عبدة بن أبي لبابة، عن وراد مولى المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية، إلى المغيرة : اكتب إلي ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول خلف الصلاة، فأملى علي المغيرة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول خلف الصلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد وقال ابن جريج: أخبرني عبدة: أن ورادا، أخبره بهذا ثم وفدت بعد إلى معاوية، فسمعته: يأمر الناس بذلك القول
صحيح مسلم (1/ 415) 138 - (593) وحدثنا ابن أبي عمر المكي، حدثنا سفيان، حدثنا عبدة بن أبي لبابة، وعبد الملك بن عمير، سمعا ورادا، كاتب المغيرة بن شعبة يقول: كتب معاوية إلى المغيرة : اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فكتب إليه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول إذا قضى الصلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد
سنن أبي داود (2/ 82) 1505 - حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن وراد، مولى المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة، كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة ، أي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا سلم من الصلاة؟ فأملاها المغيرة عليه، وكتب إلى معاوية، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد