ألا أَدُلُّكم على من هو أشدُّ منه ؟ ( يعني : الصريعَ ) رجلٌ ظلمه رجلٌ ، فكظم غَيظَه ؛ فغلبَه ، وغلب شيطانَه ، وغلب شيطانَ صاحبِه ، ( وفي رواية ) : الذي يملِك نفسَه عند الغضَبِ
أخرجه البزار في ((مسنده)) (7272)، والطبراني في ((مكارم الأخلاق)) (صـ329).
أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ مرَّ بقومٍ يَصطرعونَ فقال : ما هذا ؟ قالوا : فلانٌ ما يُصارعُ أحدًا إلا صرعَهُ ، قال : أفلا أدلُّكمْ على من هو أشدُّ منه ؟ رجلٌ كلمَهُ رجلٌ فكظمَ غيظَهُ فغلبَهُ وغلبَ شيطانَهُ وغلبَ شيطانَ صاحبِهِ الراوي : أنس بن مالك المحدث : ابن حجر العسقلاني المصدر : فتح الباري لابن حجر الصفحة أو الرقم: 10/535 خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن التخريج : أخرجه الطبراني في ((مكارم الأخلاق)) (52) واللفظ له، والبزار (7272) باختلاف يسير.
كَظمُ الغَيظِ مِنَ الصِّفاتِ الحَميدةِ التي جاءَتِ الشَّريعةُ بالحَثِّ عليها، وبَيانِ عَظيمِ أجرِها وما لصاحِبِها مِنَ الفَضلِ والمَكانةِ، وقد أخبَرَ اللهُ تعالى أنَّ مِن صِفاتِ أهلِ الجَنَّةِ كَظمَ الغَيظِ، فقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133، 134] ، وأخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن حَقيقةِ الرَّجُلِ القَويِّ الشَّديدِ، وأنَّه الذي يَكظِمُ غَيظَه؛ يَقولُ أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَرَّ بقَومٍ يَصطَرِعونَ.
مِنَ المُصارَعةِ، أي: المُغالَبةِ، بأن يُحاوِلَ كُلُّ واحِدٍ أن يَغلِبَ الآخَرَ ويَطرَحَه أرضًا.
فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما هذا؟ أي: ما تَعُدُّونَ هذا الأمرَ فيكُم؟ فقال الصَّحابةُ: فُلانٌ ما يُصارِعُ أحَدًا إلَّا صَرَعه! أي: أنَّه قَويٌّ يَغلِبُ جَميعَ مَن يَتَقدَّمُ له ويُصارِعُه.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أفلا أدُلُّكُم على مَن هو أشَدُّ مِنه؟ أي: هَلَّا أُخبِرُكُم بمن هو أقوى مِن هذا الرَّجُلِ المُصارِعِ الذي تَعُدُّونَه قَويًّا يَغلِبُ النَّاسَ.
رَجُلٌ كَلَّمَه رَجُلٌ، أي: رَجُلٌ قامَ بشَتمِ وسَبِّ رَجُلٍ آخَرَ أوِ الاعتِداءِ عليه، فكَظَمَ غَيظَه.
الغَيظُ: هو أشَدُّ الغَضَبِ، وهو الحَرارةُ التي يَجِدُها الإنسانُ مِن فَوَرانِ دَمِ قَلبِه، ومَعنى كَظمِ الغَيظِ: هو رَدُّه في الجَوفِ، والسُّكوتُ عليه وعَدَمُ إظهارِه مَعَ قُدرةِ الكاظِمِ على الإيقاعِ بعَدوِّه، فصَبر وتَحَمَّل ولَم يَرُدَّ عليه، فغَلَبَه، أي: فهو بهذا الفِعلِ يَكونُ قد غَلَبَ خَصمَه وصَرَعه، وغَلَبَ شَيطانَه، أي: وكذلك صَرَعَ شَيطانَ نَفسِه، وغَلَبَ شَيطانَ صاحِبِه، أي: وكذلك صَرَعَ شَيطانَ ذلك الرَّجُلِ، الذي كان الشَّيطانُ حَريصًا على وُقوعِ الخُصومةِ والعَداوةِ بَينَهم.
فنَقَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعنى الصُّرعةِ مِنَ المَعنى المَعروفِ عِندَهم إلى الذي يَغلِبُ ويُمسِكُ نَفسَه عِندَ الغَضَبِ ويَقهَرُها؛ فإنَّه إذا مَلَكَها كان قد قَهَرَ أقوى أعدائِه وشَرَّ خُصومِه، وهذا مِنَ الألفاظِ التي نَقَلَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن وَضعِها اللُّغَويِّ لضَربٍ مِنَ التَّوسُّعِ والمَجازِ، وهو مِن فصيحِ الكَلامِ؛ لأنَّه لَمَّا كان الغَضبانُ بحالةٍ شَديدةٍ مِنَ الغَيظِ، وقد ثارَت عليه شَهوةُ الغَضَبِ، فقَهَرَها بحِلمِه، وصَرعَها بثَباتِه، كان كالصُّرَعةِ الذي يَصرَعُ الرِّجالَ ولا يَصرَعونَه.
وفي الحَديثِ فضيلةُ كَظمِ الغَيظِ.
وفيه أنَّ كَظمَ الغَيظِ مِن مَحاسِنِ الأخلاقِ .