دَخَلَ عليَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأسيرٍ، فلَهَوتُ عنه، فذَهَبَ، فجاءَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: ما فَعَلَ الأسيرُ؟ قالت: لَهَوتُ عنه مع النِّسوةِ فخَرَجَ، فقال: ما لكِ؟ قَطَعَ اللهُ يَدَكِ -أو يَدَيكِ- فخَرَجَ، فآذَنَ به النَّاسَ، فطَلَبوه، فجاؤُوا به، فدَخَلَ عليَّ وأنا أُقلِّبُ يَديَّ، فقال: ما لكِ، أجُنِنتِ؟ قُلتُ: دَعَوتَ عليَّ؛ فأنا أُقلِّبُ يَدَيَّ، أنظُرُ أيُّهما يُقطَعانِ؛ فحَمِدَ اللهَ، وأثْنى عليه، ورَفَعَ يَدَيهِ مَدًّا، وقال: اللَّهُمَّ إنِّي بَشَرٌ، أغضَبُ كما يَغضَبُ البَشَرُ؛ فأيُّما مُؤمِنٍ أو مُؤمِنةٍ دَعَوتُ عليه، فاجْعَلْه له زَكاةً وطُهورًا.
أخرجه من طرق مسلم (2600) بنحوه، وأحمد (24259) واللفظ له
أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ دخل عليْها بأسيرٍ وعِندَها نِسوةٌ فلهَيْنَها عنه , فذهبَ الأسيرُ , فجاء النبيُّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فقال : يا عائشةُ , أين الأسيرُ ؟ فقالَتْ : نسوةٌ كنَّ عِندي فلَهيْنَني فذهبَ , فقال : قطعَ اللهُ يدَكِ ! وخرجَ فأرسلَ في إثرِهِ فجِيءَ به , فدخل النبيُّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ وإذا عائشةُ قد أخرجَتْ يديْها , فقال : ما لكِ ؟ قالَتْ : يا رسولَ اللهِ , دعوْتَ عليَّ بقطعِ يديَّ وإنِّي مُعلقةٌ يديَّ أنتظرُ من يقطعُها .
قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : أجُننْتِ ؟ ثم رفعَ يديْهِ وقال : اللَّهمَّ من كنْتُ دعوْتُ عليْهِ فاجعلْهُ له كفارةً وطَهورًا .
الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : الذهبي المصدر : المهذب في اختصار السنن الصفحة أو الرقم: 7/3618 خلاصة حكم المحدث : إسناده جيد التخريج : أخرجه البيهقي (18198) بلفظه، وأبو محمد الفاكهي في ((الفوائد)) (143)، وابن بشران في ((الأمالي)) (275) كلاهما باختلاف يسير.
النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَشَرٌ، يَقَعُ مِنه ما يَقَعُ مِن بَقيَّةِ البَشَرِ مِنَ الغَضَبِ والحُزنِ والفرَحِ وغَيرِ ذلك مِن أحوالِ النَّاسِ؛ ولِذا قد يَقَعُ منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قد يَسُبُّ شَخصًا أو يَضرِبُه أو نَحو ذلك؛ ولهذا دَعا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَبَّه، فقال: اللهُمَّ إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ، يَغضَبُ كما يَغضَبُ البَشَرُ، وإنِّي قدِ اتَّخَذتُ عِندَك عَهدًا لَن تُخلِفَنيه، فأيُّما مُؤمِنٍ آذَيتُه أو سَبَبتُه أو جَلَدتُه، فاجعَلْها لَه كَفَّارةً وقُربةً تُقَرِّبُه بِها إليك يَومَ القيامةِ.
ومِن ذلك ما جاءَ في هذا الحَديثِ؛ حَيثُ تَقولُ عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَخَلَ عليها بِأسيرٍ، أي: أحضَرَ إليها أحَدَ الأسرى حتَّى تَنتَبِهَ لَه فلا يُفلِتَ مِنها إلى أن يَرجِعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعِندَها نِسوةٌ، فلَهَينَها عنه، أي: كان عِندَ عائِشةَ بَعضُ النِّساءِ شَغَلنَها عنِ الِانتِباهِ لِهذا الأسيرِ، فذَهَبَ الأسيرُ، أي: استَغَلَّ فُرصةَ عَدَمِ انتِباهِ عائِشةَ لَه فهَرَبَ.
فجاءَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: يا عائِشةُ، أينَ الأسيرُ؟ أي: الذي أحضَرتُه عِندَك حتَّى تَنتَبِهي لَه.
فقالت عائِشةُ: نِسوةٌ كُنَّ عِندي فلَهينَني فذَهَبَ، أي: شَغَلَني النِّساءُ اللَّاتي كُنَّ عِندي عن مُلاحَظَتِه فهَرَب.
فغَضِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ وعليه وسَلَّمَ، ومِن شِدَّةِ غَضَبِه دَعا على عائِشةَ، فقال: قَطَعَ اللَّهُ يَدَكِ! ثُمَّ خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأرسَلَ في إثرِه فجيءَ بِه، أي: بَعَثَ بِمَن يَتَتَبَّعُ أثَرَ الأسيرِ فتَبِعوه حتَّى جاؤوا به إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فدَخَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على عائِشةَ، وإذا عائِشةُ قد أخرجَت يَدَيها، أي: جَعَلَت يَدَيها ظاهرةً خارِجةً، وفي رِوايةٍ أنَّها جَلَسَت تُقَلِّبُ يَدَيها تَنتَظِرُ أن تُقطَعا! فسَألَها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن ذلك، فقال لَها: ما لَك؟ أي: ما شَأنُك مُخرِجةً يَدَيك هَكَذا.
فقالت عائِشةُ: يا رَسولَ اللهِ، دَعَوتَ عليَّ بِقَطعِ يَدي، وإنِّي مُعَلِّقةٌ يَدي أنتَظِرُ مَن يَقطَعُها! أي: أنَّك لَمَّا دَعَوتَ عليَّ بقَطعِ يَدي، عَلَّقتُهما أنتَظِرُ مَن سَيَقطَعُهما؛ وذلك لِما عَلِمَت أنَّ دَعوتَه مُستَجابةٌ.
فقال لَها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أجُنِنتِ؟ أي: هل أنتِ مَجنونةٌ حتَّى تَنتَظِري مَن يَقطَعُ يَدَيك.
ثُمَّ رَفعَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدَيه ودَعا فقال: اللهُمَّ مَن كُنتُ دَعَوتُ عليه، أي: لَم يَكُنْ أهلًا لِلدُّعاءِ عليه والسَّبِّ واللَّعنِ ونَحوِه، وكان مُسلِمًا، فاجعَلْه لَه كَفارَّةً وطُهورًا، أي: اجعَلْ دَعوتي عليه تَكفيرًا وتَطهيرًا لِذُنوبِه، أمَّا مَن كان مُستَحِقًّا لِلدُّعاءِ فلا يَكونُ لَه كَفارَّةً ولا طُهورًا، فقد دَعا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الكُفَّارِ والمُنافِقينَ ولَم يَكُنْ ذلك لَهم رَحمةً، وعائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها لَم تَكُنْ تَستَحِقُّ هذا الدُّعاءَ، ودُعاءُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَم يَكُنْ لَه سَبَبٌ شَرعيٌّ، وإنَّما فعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك بِمُقتَضى بَشَريَّتِه؛ ولِذلك تَراجَعَ عن هذا الدُّعاءِ، ودَعا اللهَ تعالى أن يَكونَ كَفارَّةً وطُهورًا لَها.
وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَشَرٌ قد يَقَعُ مِنه ما يَقَعُ مِنهم.
وفيه سُؤالُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَبَّه بِأن يُحَوِّلَ ما دَعا به على الغَيرِ كَفَّارةً وطَهارةً.
وفيه مَشروعيَّةُ رَفعِ اليَدَينِ في الدُّعاءِ.
وفيه مَنقَبةٌ لِعائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها.
وفيه بَيانُ كَيف كان الصَّحابةُ يَتَعامَلونَ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويُعَظِّمونَ كَلامَه .
[صحيح مسلم] (4/ 2007 ) 88- (2600) حدثنا زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ، قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فكلماه بشيء، لا أدري ما هو فأغضباه، فلعنهما، وسبهما، فلما خرجا، قلت: يا رسول الله من أصاب من الخير شيئا، ما أصابه هذان، قال: ((وما ذاك)) قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما، قال: (( أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته، أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا))
[صحيح مسلم] (4/ 2007 )
((88- حدثناه أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قالا: حدثنا أبو معاوية، ح وحدثناه علي بن حجر السعدي، وإسحاق بن إبراهيم، وعلي بن خشرم، جميعا عن عيسى بن يونس، كلاهما عن الأعمش بهذا الإسناد، نحو حديث جرير ، وقال: في حديث عيسى فخلوا به فسبهما ولعنهما وأخرجهما))
[مسند أحمد] (40/ 303 ط الرسالة) ((24259- حدثنا يحيى، عن ابن أبى ذئب قال: حدثني محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان، مولى عائشة، عن عائشة قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم بأسير، فلهوت عنه، فذهب، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( ما فعل الأسير؟)) قالت: لهوت عنه مع النسوة فخرج، فقال: (( ما لك قطع الله يدك، أو يديك))، فخرج، فآذن به الناس، فطلبوه، فجاءوا به، فدخل علي وأنا أقلب يدي فقال: (( ما لك، أجننت؟)) قلت: دعوت علي، فأنا أقلب يدي، أنظر أيهما يقطعان، فحمد الله، وأثنى عليه، ورفع يديه مدا، وقال: (( اللهم إني بشر، أغضب كما يغضب البشر، فأيما مؤمن، أو مؤمنة، دعوت عليه، فاجعله له زكاة وطهورا))