إنَّ للهِ ملائكةً فُضَلاءَ سيَّارةً يلتمِسون مجالسَ الذِّكرِ ، فإذا مرُّوا بقومٍ يذكرون اللهَ يحُفُّون بهم بأجنحتِهم فإذا انصرفوا عرجت الملائكةُ إلى السَّماءِ فيقولُ لهم ربُّنا تبارك وتعالَى وهو أعلمُ : من أين جئتم ؟ فيقولون من عند عبادِك يُسبِّحونك ويحمَدونك ويُهلِّلونك ويسألونك ويستجيرونك ، فيقولُ وهو أعلمُ : وما يسألون ؟ فيقولون : يسألونك الجنَّةَ ، فيقولُ : وهل رأَوْها ؟ فيقولون : لا ، فيقولُ : كيف لو رأَوْها ، ويقولُ : ممَّ يستجيرون وهو أعلمُ ؟ فيقولون من النَّارِ ، فيقولُ : وهل رأَوْها ؟ فيقولون : لا ، فيقولُ : كيف لو رأَوْها ، ثمَّ يقولُ : فإنِّي أُشهدُكم أنِّي قد أعطيتُهم ما سألوا وأجرتُهم ممَّا استجاروا ، فيقولون : أيْ ربِّ فيهم عبدُك الخطَّاءُ ليس منهم إنَّما مرَّ بهم فجلس إليهم ، فيقولُ : وفلانٌ قد غفرتُ له هم القومُ لا يشقَى بهم جليسُهم

الدلالات الموضوعية:# استغفار - أسباب المغفرة# استعاذة - التعوذ# أدعية وأذكار - فضل الذكر# رقائق وزهد - سعة رحمة الله# علم - فضل مجالس العلم والذكر
المصدر: التمهيد
الراوي: أبو هريرة
المحدث: ابن عبدالبر
الحكم:صحيح ثابت

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (6408)، ومسلم (2689) بنحوه

الشرح والتوضيح

إنَّ للَّهِ ملائِكَةً سيَّاحينَ في الأَرضِ فضلًا عن كتَّابِ النَّاسِ، فإذا وَجدوا أقوامًا يذكُرونَ اللَّهَ تَنادوا: هلمُّوا إلى بُغيتِكُم، فيَجيئونَ فيحفُّونَ بِهِم إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَقولُ اللَّهُ: أيَّ شيءٍ ترَكْتُمْ عِبادي يَصنعونَ، فيقولونَ: ترَكْناهم يحمَدونَكَ ويمجِّدونَكَ ويَذكرونَكَ، قالَ: فيَقولُ: هل رَأَوني، فيقولونَ: لا، قالَ: فيقولُ: كيفَ لو رَأَوني؟ قالَ: فيقولونَ: لو رأَوكَ لَكانوا أشدَّ تحميدًا، وأشدَّ تمجيدًا، وأشدَّ لَكَ ذِكْرًا، قالَ: فَيقولُ: وأيُّ شيءٍ يطلُبونَ؟ قالَ: فيقولونَ: يطلُبونَ الجنَّةَ، قالَ: فيقولُ: فهل رأوها؟ قالَ: فيقولونَ: لا، قال فَيقولُ: فَكَيفَ لو رأَوها؟ قالَ: فيقولونَ: لو رَأَوها؟ لَكانوا أشدَّ لَها طلبًا، وأشدَّ عليها حِرصًا، قالَ: فيقولُ: فَمن أيِّ شيءٍ يتعوَّذونَ؟ قالوا: يتعوَّذونَ منَ النَّارِ، قالَ: فيقولُ: فهل رأَوها؟ فيقولونَ: لا، فيقولُ: فَكَيفَ لو رأَوها؟ فيقولونَ: لو رأوها لَكانوا أشدَّ منها هَربًا، وأشدَّ منها خوفًا، وأشدَّ منها تعوُّذًا، قالَ: فيَقولُ: فإنِّي أشهدُكُم أنِّي قد غَفرتُ لَهُم،فيقولونَ: إنَّ فيهم فلانًا الخطَّاءَ لم يُردهُم إنَّما جاءَهُم لِحاجةٍ، فيقولُ: همُ القومُ لا يَشقى لَهُم جَليسٌ الراوي : أبو هريرة أو أبو سعيد الخدري المحدث : الألباني المصدر : صحيح الترمذي الصفحة أو الرقم: 3600 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه الترمذي (3600) واللفظ له، وأخرجه البخاري (6408)، ومسلم (2689) بنحوه إنَّ مِن فَضلِ مَجالِسِ الذِّكرِ والذَّاكِرين وفَضْلِ الاجتِماعِ على ذلك أن يَغفِرَ اللهُ لهم، وهذا الغفرانُ يَعُمُّ مَن حضَرهم حتَّى وإنْ لم يَكُنْ قاصِدًا الذِّكرَ.

وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "إنَّ للهِ مَلائكةً سيَّاحينَ في الأرضِ"، أي: يَطوفون فيها ويَمْشون بطُرقِها، "فضلًا عن كُتَّابِ النَّاسِ"، أي: غيرُ الملائكةِ الحفَظةِ الَّتي تَكونُ مُلازِمةً للإنسانِ تَكتُبُ عليه حرَكاتِه وأفعالَه، والمرادُ بهم الكِرامُ الكاتِبون، "فإذا وجَدوا أقوامًا"، أي: جماعةً مِن النَّاسِ، "يَذكُرون اللهَ"، أي: اجتَمَعوا على ذِكْرِ اللهِ، والمرادُ بالذِّكرِ: التَّسبيحُ والتَّكبيرُ وما شابهَ مِن أدعيةِ الثَّناءِ على اللهِ تعالى بكلِّ ما هو أهلُه، قيل: ويَدخُلُ فيه: الصَّلاةُ وقِراءةُ القُرآنِ وتلاوةُ الحديثِ، وتدريسُ العُلومِ؛ تعلُّمُ العِلمِ النافِعِ وتَعليمُه، ومناظرةُ العلماءِ ونحوُها، "تَنادَوْا"، أي: نادَتِ الملائكةُ بعضُها بعضًا: "هَلُمُّوا إلى بُغيَتِكم"، أي: تَعالَوْا مُسرِعين إلى طلَبِكم وإلى حاجتِكم وما تَبحثُونَ عنه من استِماعِ الذِّكرِ وزِيادةِ الذاكرِ وإطاعةِ المذكورِ، وهو البحثُ عن مَجالِسِ الذِّكرِ، "فيَجيؤُون فيحُفُّون بهم إلى السَّماءِ الدُّنيا"، أي: يُديرون بأجنِحَتِهم عليهم لِيَملَؤوا بهم ما بينَ الأرضِ والسَّماءِ الأُولى، فيَقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: "أيَّ شيءٍ ترَكتُم عِبادي يَصنَعون؟"، أي: يَسأَلُ اللهُ عزَّ وجلَّ عن عِبادِه الَّذين يَذكُرونه- وهو أعلَمُ بهم- فتَقولُ الملائكةُ: "ترَكْناهُم يَحمَدونك، ويُمجِّدونك"، أي: يَذكُرونك بالعظَمةِ أو يَنسُبونك إلى المجدِ، "ويَذكُرونك" فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: "هل رَأَوْني"، أي: هل هذا الذِّكرُ لِرُؤيتِهم لي؟- وهو أعلَمُ بهم، فتَقولُ الملائكةُ: "لا"، أي: لم يرَوْك، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: "كيف لو رأَوني؟"، أي: كيف يَكونُ ذِكرُهم لي إذا رأَوني، والَّذي يَفعَلونه على غَيرِ رُؤيةٍ لي؟ فتَقولُ الملائكةُ: "لو رأَوْك لكانوا أشَدَّ تَحميدًا، وأشَدَّ تَمجيدًا، وأشَدَّ لك ذِكرًا"، أي: يَزيدُ ذِكرُهم للهِ تعالى بقَدْرِ ما اطَّلَعوا عليه مِن المعرفةِ والمَحبَّةِ.

فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: "وأيَّ شيءٍ يَطلُبون؟"، أي: ما الَّذي يَطلُبون مِن أجرٍ على هذا الذِّكرِ؟ وهو أعلَمُ بهم، فتقول الملائكةُ: "يَطلُبون الجَنَّةَ"، أي: طمَعًا في دُخولِ الجنَّةِ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: "فهل رأَوها؟"، أي: هل رأَوُا الجنَّةَ وما فيها فهُم يَطلُبونها ويَسأَلونها لذلك؟ فتقولُ الملائكةُ: "لا"، أي: لَم يرَوْها، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: "فكيف لو رأَوْها؟"، أي: كيف سيَكونُ طلَبُهم وحِرصُهم عليها؟ فتَقولُ الملائكةُ: "لو رأَوْها لكانوا أشَدَّ لها طلَبًا، وأشَدَّ عليها حِرصًا"، أي: ستَعظُمُ عِندَهم الرَّغبةُ في دُخولِها؛ لأنَّ الخبَرَ ليس كالمُعايَنةِ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: "فمِن أيِّ شيءٍ يتَعوَّذون؟"، أي: مِمَّ يَخافون ويَستَجيرون بي مِنه؟ فتقولُ الملائكةُ: "يَتعوَّذون مِن النَّارِ"، أي: يَلجَؤونَ إليك ويَستَجيرون بك مِن دُخولِ النَّارِ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: "فهل رأَوْها؟"، أي: هل سبَبُ خَوفِهم مِن النَّارِ رُؤيتُهم لها؟ فتقولُ الملائكةُ: "لا"، أي: لم يرَوُا النَّارَ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: "فكيف لو رأَوْها؟"، فكيف سيَكونُ تَعوُّذُهم مِنها إذا رأَوها؟ فتقولُ الملائكةُ: "لو رأَوْها لكانوا أشَدَّ مِنها هرَبًا، وأشَدَّ مِنها خوفًا، وأشدَّ منها تَعوُّذًا"؛ وذلك بإكثارِ ذِكْرِهم ودُعائِهم، فيَقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: "فإنِّي أُشهِدُكم أنِّي قد غفَرتُ لهم"، أي: ذُنوبَهم، فتَقولُ الملائكةُ: "إنَّ فيهم فُلانًا الخطَّاءَ"، أي: كثيرَ الارتكابِ للخَطايا والذُّنوبِ! "لم يُرِدْهم"، أي: لم يَقصِدِ الذِّكرَ معَهم والتَّوبةَ مِن ذُنوبِه، "إنَّما جاءَهم لِحاجَةٍ"، أي: قاصِدًا لشيءٍ دُنيَويٍّ، وهذا إشارةٌ مِنهم إلى أنَّه لا يَستحِقُّ المغفِرةَ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: "هُم القومُ"، أي: الذَّاكِرون للهِ، "لا يَشْقى لهم جَليسٌ"، أي: يَنْفي عنه الشَّقاءَ حتَّى وإن لم يَتَعمَّدْ مُجالَستَهم والذِّكرَ معَهم؛ وذلك لِمُخالَطتِه أهْلَ الذِّكرِ وإن لم يَكُنْ قاصِدًا.

وفي الحديثِ: الترغيبُ في حُضورِ مَجالِسِ الذِّكرِ.

وفيه: نفيُ الشقاءِ على مَن يَذكُرُ اللهَ أو على مَن يُجالِسُ الذَّاكرينَ.

وفيه: بيانُ مَحبَّةِ الملائكةِ للمُطيعين من بني آدَمَ، واعتنائِهم بهم.

وفيه: أنَّ الذي اشتملتْ عليه الجنةُ مِن أنواعِ الخيراتِ، وما اشتملتْ عليه النارُ مِن أنواعِ المكروهاتِ أعظمُ مِمَّا وُصِفتَا به.

وفيه: أنَّ الرغبةَ والطلبَ مِن اللهِ تعالى والمبالغةَ في ذلك من أسبابِ الحُصولِ على المرادِ

الأصول والأحكام

صحيح البخاري ـ حسب ترقيم فتح الباري (8/ 107) 6408- حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا قال فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم ما يقول عبادي قالوا يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قال فيقول هل رأوني قال فيقولون لا والله ما رأوك قال فيقول وكيف لو رأوني قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا قال يقول فما يسألوني قال يسألونك الجنة قال يقول وهل رأوها قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو أنهم رأوها قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة قال فمم يتعوذون قال يقولون من النار قال يقول وهل رأوها قال يقولون لا والله ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة قال فيقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم قال يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم.

رواه شعبة ، عن الأعمش ولم يرفعه.

ورواه سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

صحيح مسلم (4/ 2069 ت عبد الباقي) :

25 - (‌2689) حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون.

حدثنا بهز.

حدثنا وهيب.

حدثنا سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال "إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة.

فضلا.

يتبعون مجالس الذكر.

فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم.

وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم.

حتى يملؤا ما بينهم وبين السماء الدنيا.

فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء.

قال فيسألهم الله عز وجل، وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك.

قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك.

قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا.

أي رب! قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك.

قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك.

يا رب! قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا.

قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك.

قال فيقول: قد غفرت لهم.

فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا.

قال فيقولون: رب! فيهم فلان.

عبد خطاء.

إنما مر فجلس معهم.

قال فيقول: وله غفرت.

هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".

أحاديث ذات صلة