أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ حين قَدِمَ الشامَ شكا إليه أهلُ الشامِ وباءَ الأرضِ وثِقلَها ، وقالوا لا يُصلحُنا إلا هذا الشرابُ ، فقال عمرُ : اشرَبوا العسلَ ، قالوا ما يصلحُنا العسلُ ، فقال رجالٌ من أهلِ الأرضِ : هل لك أن نجعلَ لك من هذا الشرابِ شيئًا لا يُسكرُ ؟ فقال : نعم ، فطبَخُوهُ حتى ذهبَ منه ثلثانِ وبقيَ الثلثُ ، فأتوا به عمرَ فأدخلَ فيه إصبعَهُ ثم رفعَ يدَهُ فتبعَها يتمططُ ، فقال : هذا الطلاءُ مِثلُ طلاءِ الإبلِ ، فأمرَهم عمرُ أن يَشربوهُ ، وقال عمرُ : اللَّهمَّ إنِّي لا أحلُّ لهم شيئًا حرمْتَهُ عليْهِم
أخرجه مالك (3134)، والبيهقي (17494) بلفظه.
كتابُ عمرَ بنِ الخطَّابِ إلى أبي موسى: أمَّا بعدُ، فإنَّها قدِمَت عليَّ عيرٌ منَ الشَّامِ تحملُ شرابًا غليظًا أسودَ كطِلاءِ الإبلِ، وإنِّي سألتُهُم على كَم يطبخونَهُ، فأخبروني أنَّهم يطبخونَهُ على الثُّلُثَيْنِ، ذَهَبَ ثلثاهُ الأخبَثانِ، ثلثٌ ببغيِهِ، وثلثٌ بريحِهِ، فمُر مَن قِبلَكَ يشربونَهُ الراوي : عامر بن عبدالله المحدث : الألباني المصدر : صحيح النسائي الصفحة أو الرقم: 5732 خلاصة حكم المحدث : صحيح [لغيره] التخريج : أخرجه النسائي (5716) بلفظه.
كان عُمرُ رَضِي اللهُ عَنه مِثالًا للخَليفةِ الَّذي يَقومُ بين الرَّعيَّةِ بالقِسطِ والعَدلِ، فيُرشِّدُ لهم أُمورَ دِينِهم ودنياهم.
وفي هذا الأثرِ يقولُ عامِرُ بنُ عبدِ اللهِ: "قرأتُ كتابَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ إلى أبي موسى"، أي: رِسالتَه له، وكان أبو موسى الأشعَريُّ رَضِي اللهُ عَنه أحَدَ عُمَّالِه، وفي الرِّسالةِ: "أمَّا بعدُ، فإنَّها قَدِمَتْ علَيَّ عِيرٌ مِن الشَّامِ"، أي: قافِلةٌ، وتُطلَقُ العِيرُ على الإبلِ، تَحمِلُ نَوعًا مِن أنواعِ الشَّرابِ، "غَليظًا أسوَدَ"، أي: مُتماسِكًا وفيه كَثافةٌ، "كطِلاءِ الإبِلِ"، هذا بَيانٌ لصِفةِ الشَّرابِ، والمرادُ بطِلاءِ الإبِلِ: ما يُطلَى به الجَملُ الأجرَبُ، والمرادُ بالشَّرابِ: هو الشَّرابُ المَطبوخُ مِن العِنبِ حتَّى يَجمُدَ ويتماسَكَ، "وإنِّي سَألتُهم"، أي: سأَلَ أهلَ العِيرِ، "على كَم يَطبُخُونَه؟"، أي: مَتى يكونُ نُضْجُه؟ "فأخبَروني أنَّهم يَطبُخونَه على الثُّلثَين"، أي: إذا تَبخَّرَ منه الثُّلُثان وبَقي الثُّلُثُ، "ذهَبَ ثُلُثاه الأَخْبَثان؛ ثُلُثٌ ببَغْيِه، وثُلُثٌ برِيحِه"، أي: ثُلُثٌ خَبيثٌ بسبَبِ بَغْيِه، وثُلثٌ خَبيثٌ بسببِ رِيحِه؛ فإنَّهما يتَبخَّران منه عند طَبخِه على النَّارِ، "فمُرْ مَن قِبَلَك يَشرَبونَه"، أي: ائْذَنْ لِمَن تحتَك مِن الرَّعيَّةِ أنْ يَشرَبوا هذا الطِّلاءَ إذا ما بَقي ثُلُثُه.
وفي الأثَرِ: مَشروعيَّةُ شَرابِ الطِّلاءِ وما عُصِرَ مِنَ العِنَبِ إذا طُبِخَ وذَهَب عنه الخَبثُ والسُّكرُ .