[أنَّ رسولَ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آله وسلَّمَ -] رخَّصَ في زيارةِ القبورِ.
أخرجه ابن ماجة (1570) واللفظ له، وإسحاق في ((مسنده)) (1247) بلفظه مطولًا، والحاكم (1392) بمعناه مطولًا.أخرجه ابن ماجه (1570) واللفظ له، والحاكم (1/532)، والبيهقي في ((الكبرى)) (4/78) باختلاف يسير.
إنَّي كنتُ نهيتُكم عن ثلاث : زيارةِ القبورِ فزوروها ولتزدْكم زيارتُها خيرًا ، ونهيتُكم عن لحوم الأضاحيِّ بعد ثلاث فكلوا منها ما شئتم ، ونهيتُكم عنِ الأشربةِ في الأوعيةِ فاشربوا في أيِّ وعاءٍ شئتُم ، ولاَ تشربوا مُسكِرًا.
الراوي : بريدة بن الحصيب الأسلمي المحدث : الألباني المصدر : صحيح النسائي الصفحة أو الرقم: 5669 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه مسلم (977)، وأبو داود (3698)، والنسائي (2032)، وأحمد (23016)، وابن حبان (3168) واللفظ لهم جميعا.
النَّسخُ في الأحكامِ هو العمَلُ بحُكمٍ جديدٍ بعدَ حُكمٍ سابقٍ، ويكونُ لحِكْمةٍ عَظيمةٍ مِن اللهِ سبحانه وتعالى؛ فهو الخالِقُ الَّذي قَضى الحُكمَ الأوَّلَ والثَّانيَ، فقَضى هذا في وقتٍ، وهذا في وقتٍ؛ لحِكمةٍ بالغةٍ وعِلمٍ منه سبحانَه وتعالَى.
وفي هذا الحديثِ يُبيِّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بعض الأحكامِ التي نُسِختْ، فيقولُ: "إنِّي كنتُ نَهيتُكم عن ثلاثٍ"، أي: إنِّي قد منَعتُكم مِن ثَلاثِ خِصالٍ؛ الأولى هي: "زيارةُ القُبورِ"، وإنَّما كان نَهيُ النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لهم في أوَّلِ الأمرِ؛ لِقُربِ عَهدِهم بالجاهليَّةِ وما يَفعَلونه ويتَكلَّمون به مِن أمورٍ تُخالِفُ الإسلامَ، مِن تَعظيمِ القُبورِ، وغيرِ ذلك، فلمَّا استَقرَّ الإسلامُ في نُفوسِهم، ومَحا آثارَ الجاهليَّةِ، وعَلِموا أحكامِ الشَّرعِ أمَرَهم بزيارتِها، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "فَزُوروها"، أي: القبورَ، "وَلْتَزِدْكم زِيارتُها خيرًا"، أي: لِمَا في زِيارتِها مِن ترقيقِ القلوبِ، والتَّزهيدِ في الدُّنيا والتَّقلُّلِ منها، وتذكيرِ بالآخِرةِ والإقبالِ عليها، وقيل: سمَح للرِّجالِ بالزِّيارةِ بعدَ نَهيهِم عن ذلك، وبَقِيَ النَّهيُ ولم يُرفَعْ في حقِّ النِّساءِ؛ لِما ورَد مِن نصوصٍ تَخُصُّهم بالنَّهيِ.
والثانيةُ: قال عنها النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "ونَهيتُكم عن لحومِ الأضاحيِّ بعدَ ثلاثٍ، فكُلوا مِنها ما شِئتُم"، أي: نَهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم صاحِبَ الأُضحيَّةِ أن يُبقِيَ لحْمَ أُضحيَّتِه إلى ما بعدَ ثلاثةِ أيَّامٍ، وأمَره أنْ يُخرِجَها إلى مَن يَحتاجُها، وأوَّلُ هذه الأيَّامِ يومُ النَّحرِ؛ فمَن ضحَّى فيه أمسَك في يومِ النَّحرِ، ويومَين بعدَه، ومَن ضحَّى بعدَ يومِ النَّحرِ فلْيُمْسِكْ ما تبقَّى له مِن الثَّلاثةِ الأيَّامِ بعدَ يومِ النَّحرِ.
وقيل: أوَّلُ هذه الأيَّامِ هو اليومُ الَّذي يُضحِّي فيه، فلو ضحَّى في آخِرِ أيَّامِ النَّحرِ، لكانَ له أن يُمسِكَ ثَلاثةَ أيَّامٍ بعدَه.
وعِلَّةُ النَّهيِ عن ذلك: أنَّ فُقراءَ الأعرابِ حضَروا إلى المدينةِ فاحتاجوا إلى الصَّدَقةِ والمواساةِ، فلمَّا زالَتْ عِلَّةُ الحاجةِ والفَقرِ أمَرَهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أن يَأكُلوا مِن لحومِ الأضاحيِّ في أيِّ وقتٍ شاؤوا، ويَدَّخِروا، وقيل: لو وُجِدَت تلك العلَّةُ مرَّةً أخرى يعودُ هذا الحُكمُ، وقيل: لا يَعودُ.
والثَّالِثة: وضَّحَها صلَّى الله عليه وسلَّم بقولِه: "ونَهيتُكم عن الأشرِبةِ في الأوعيةِ"، أي: نهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم عن شُربِ النَّبيذِ في الأوعيةِ في أوَّلِ الأمرِ، والانتِباذُ أن يوضَعَ الزَّبيبُ أو التَّمرُ في الماءِ، ويُشرَبَ نَقيعُه قبلَ أن يَختمِرَ ويُصبِحَ مُسكِرًا، والأوعيةُ هي الظُّروفُ الَّتي كانوا يَشرَبون فيها، مثلُ الحنتَمِ، وهي: جِرارٌ كانت تُصنَعُ مِن طِينٍ وشَعَرٍ ودمٍ، والدُّباءِ، وهو: اليَقطينُ إذا جفَّ اتُّخِذ وِعاءً وإناءً، والنَّقيرِ، وهو أصلُ النَّخلةِ يُنقَرُ ويُجوَّفُ فيُتَّخَذُ مِنه إناءٌ، والمزفَّتِ، وهو ما يُطلَى بالقارِ؛ والسَّببُ في النَّهيِ عن هذه الأوعيةِ: أنَّ ما يُلْقى فيها يُسرِعُ ويَعجَلُ إليه الإسكارُ، ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "فاشرَبوا في أيِّ وعاءٍ شِئتُم، ولا تَشرَبوا مُسكِرًا"، أي: اشرَبوا في أيِّ إناءٍ تَختارون بشَرْطِ ألَّا يَصيرَ ما تَشرَبون مُسكِرًا؛ فظَهَر أنَّ عِلَّة النَّهيِ هي الإسكارُ ولَيسَتْ في الآنِيةِ؛ فمَتى وُجِد الإسكارُ وُجِد النَّهيُ.
وفي الحديثِ: بيانُ سَعَةِ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ، ورَفْعِها للحرَجِ ما أمكَن، ومُراعاةُ الشَّريعةِ لِظُروفِ النَّاسِ، والتَّخفيفُ عليهم.
وفيه: وقوعُ النَّسْخِ في السُّنَّةِ، وقد ذَكَر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم نماذِجَ مِن النَّاسخِ والمنسوخِ في هذا الحديثِ .
[سنن ابن ماجه] (1/ 500) 1570 - حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا روح قال: حدثنا بسطام بن مسلم، قال سمعت أبا التياح، قال: سمعت ابن أبي مليكة، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رخص في زيارة القبور
مسند إسحاق بن راهويه (3/ 655) 1247 - أخبرنا روح بن عبادة، نا بسطام بن مسلم، عن أبي التياح، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ،: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في زيارة القبور وفي أكل لحوم الأضاحي وكانوا لا يأكلونها إلا ثلاثا، فقال: كلوا وأطعموا ما بدا لكم، وأرخص في نبيذ التمر ".
المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/ 532) 1392 - حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق الفقيه، أنبأ أبو المثنى معاذ بن المثنى، ثنا محمد بن المنهال الضرير، ثنا يزيد بن زريع، ثنا بسطام بن مسلم، عن أبي التياح يزيد بن حميد، عن عبد الله بن أبي مليكة، أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان قد نهى، ثم أمر بزيارتها
---
[سنن ابن ماجه] (1/ 500 ) 1570- حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا روح قال: حدثنا بسطام بن مسلم، قال سمعت أبا التياح، قال: سمعت ابن أبي مليكة، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ((رخص في زيارة القبور)).
[المستدرك على الصحيحين] (1/ 532) 1392- حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق الفقيه، أنبأ أبو المثنى معاذ بن المثنى، ثنا محمد بن المنهال الضرير، ثنا يزيد بن زريع، ثنا بسطام بن مسلم، عن أبي التياح يزيد بن حميد، عن عبد الله بن أبي مليكة، أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، ((كان قد نهى، ثم أمر بزيارتها)).
السنن الكبرى للبيهقي- دائرة المعارف (4/ 78) 7458- أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو بكر: أحمد بن إسحاق أخبرنا أبو المثنى: معاذ بن المثنى حدثنا محمد بن منهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع حدثنا بسطام بن مسلم عن أبى التياح: يزيد بن حميد عن عبد الله بن أبى مليكة: أن عائشة رضى الله عنها أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت قالت: من قبر أخى عبد الرحمن بن أبى بكر فقلت لها: أليس كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- نهى عن زيارة القبور قالت: نعم كان نهى، ثم أمر بزيارتها.
تفرد به بسطام بن مسلم البصرى والله أعلم.
وقد روينا فى الحديث الثابت عن أنس بن مالك: أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- مر بامرأة عند قبر وهى تبكى فقال لها:(( اتقى الله واصبرى )).
وليس فى الخبر أنه نهاها عن الخروج إلى المقبرة وفى ذلك تقوية لما روينا عن عائشة رضى الله عنها.
إلا أن أصح ما روى فى ذلك صريحا حديث أم عطية وما يوافقه من الأخبار فلو تنزهن عن اتباع الجنائز والخروج إلى المقابر وزيارة القبور كان أبرأ لدينهن وبالله التوفيق.