أمَا تَرْضَى أنْ تَكونَ لَهمُ الدنيا و لنا الآخِرَةُ ؟
أخرجه البخاري (4913)، ومسلم (1479) باختلاف يسير.
دخلتُ على رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّم، وَهوَ على حصيرٍ، قال: فجلَستُ، فإذا عليْهِ إزارٌ، وليسَ عليْهِ غيرُه، وإذا الحصيرُ قد أثَّرَ في جنبِهِ، وإذا أنا بقبضةٍ من شعيرٍ، نحوِ الصَّاعِ، وقَرظٍ في ناحيةٍ في الغرفَةِ، وإذا إِهابٌ معلَّقٌ، فابتدرتُ عينايَ، فقال: ما يبْكيكَ يا ابنَ الخطَّابِ؟ ، فقلتُ: يا نبيَّ اللَّهِ، ومالي لا أبْكي؟ وَهذا الحصيرُ قد أثَّرَ في جنبِكَ، وَهذِهِ خزانتُكَ لا أرى فيها إلَّا ما أرى، وذلِكَ كسرى، وقيصَرُ في الثِّمارِ والأنْهارِ، وأنتَ نبيُّ اللَّهِ وصفوتُهُ، وَهذِهِ خزانتُكَ، قال: يا ابنَ الخطَّابِ ألا ترضى أن تَكونَ لنا الآخرةُ، ولَهمُ الدُّنيا؟ قلتُ: بلى الراوي : عمر بن الخطاب المحدث : الألباني المصدر : صحيح ابن ماجه الصفحة أو الرقم: 3367 خلاصة حكم المحدث : حسن ضرَبَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أروعَ الأمثلةِ العَمليَّةِ في الزُّهدِ مع التَّقوى والجِدِّ في الدَّعوةِ إلى اللهِ.
وفي هذا الحديثِ يقولُ عمَرُ بنُ الخطَّابِ رضِيَ اللهُ عنه: "دخلْتُ على رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهو على حَصيرٍ، قال: فجلسْتُ، فإذا عليه إزارٌ"، أي: يلبَسُ ثوبًا يستُرُ نِصفَه الأسفلَ وعورتَه، "وليس عليه غيرُه، وإذا الحصيرُ" وهو الفِراشُ المصنوعُ من ألْيافِ النَّباتِ أو الشَّجرِ أو غيرِ ذلك مِن الصُّوفِ، "قد أثَّرَ في جَنبِه"، أي: ظهَرَت علاماتُ أعوادِ الحَصيرِ على جِلدِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لأنَّه لم يكُنْ بينه وبين الحَصيرِ شَيءٌ مَفروشٌ، "وإذا أنا بقَبضةٍ من شَعيرٍ نحوِ الصَّاعِ، وقَرَظٍ في ناحيةٍ في الغُرفةِ"، أي: في جانبِها، والقَرَظُ نوعٌ مِن الورقِ يُسْتَخْدَمُ لدَبغِ الجُلودِ، "وإذا إهابٌ مُعلَّقٌ"، أي: جِلدٌ مَدبوغٌ مُعلَّقٌ، "فابْتَدَرت عينايَ"، أي: بكَتْ عينايَ بالدُّموعِ على ما رأيْتُ من شدَّةِ حالِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، فقال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "ما يُبْكيك يا ابنَ الخطَّابِ؟" قال عمَرُ رضِيَ اللهُ عنه: "فقلْتُ: يا نبِيَّ اللهِ، وما لي لا أبكي، وهذا الحصيرُ قد أثَّرَ في جَنبِك، وهذه خِزانتُك لا أرى فيها إلَّا ما أرى"، أي: ليس فيها كثيرُ شَيءٍ ممَّا يَخْزُنُ المرءُ للقُوتِ والادِّخارِ، "وذلك كِسرى وقَيصرُ في الثِّمارِ والأنهارِ، وأنت نبِيُّ اللهِ وصَفوتُه، وهذه خِزانتُك.
قال: يا ابنَ الخطَّابِ، ألَا تَرْضى أنْ تكونَ لنا الآخرةُ، ولهم الدُّنيا؟ قلْتُ: بلى".
وهذا مِن التَّعليمِ والتَّربيةِ النَّبويَّةِ على عُلُوِّ الهمَّةِ، وقُوَّةِ العزيمةِ، وسُمُوِّ المطلَبِ، والاستخفافِ بمَلاهي الحياةِ، والزُّهدِ عمَّا فيها، وتَوظيفِ ما يُقابلُه الإنسانُ مِن الشَّدائدِ والمكارهِ في تَهذيبِ النُّفوسِ والأخلاقِ.
ولو أرادَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَأجْرى اللهُ بينَ يديه ألوانَ النَّعيمِ، ولكان له مِن ذلك أوفَرُ الحظِّ والنَّصيبِ، لكنَّه كان راضيًا بالقَليلِ، قانعًا باليسيرِ، واضعًا نُصْبَ عَينيْه قولَ الحقِّ تبارَكَ وتعالى: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131] ، كما في التِّرمذيِّ من حديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضِيَ اللهُ عنه: "أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جلَسَ على المِنبرِ فقال: «إنَّ عبدًا خيَّرَه اللهُ بين أنْ يُؤتيَه من زَهرةِ الدُّنيا ما شاءَ وبينَ ما عنده، فاختارَ ما عندَه»، فقال أبو بكرٍ: فَدَيناك يا رسولَ اللهِ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا، قال: فعجِبْنا، فقال النَّاسُ: انْظُروا إلى هذا الشَّيخِ يُخْبِرُ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن عَبدٍ خيَّرَه اللهُ بين أنْ يُؤتيَه مِن زَهرةِ الدُّنيا ما شاء وبين ما عند اللهِ، وهو يقولُ: فَدَيناك بآبائِنا وأُمَّهاتِنا! قال: فكان رسولُ اللهِ هو المُخيَّرَ، وكان أبو بكرٍ هو أعلَمَنا به"، وفي كلِّ ذلك سَلْوى وموعظةٌ للفُقراءِ، وعزاءٌ لكلِّ مَسكينٍ، وتَمْتلئُ نُفوسُهم رضًا بقضاءِ اللهِ وقدَرِه.
وسببُ هذا الحديث -كما ورَدَ في الصَّحيحينِ- أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عندما أغضَبَه نِساؤُه أقسَمَ: ألَّا يدخُلَ عليهنَّ شَهرًا مُعتزِلهنَّ بذلك القسَمِ، فذَهبَ إليه عُمر رضِيَ اللهُ عنه، وقالَ له ما قال.
[صحيح البخاري] (6/ 156) 4913- حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال، عن يحيى، عن عبيد بن حنين: أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يحدث أنه قال: ((مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجا فخرجت معه، فلما رجعت وكنا ببعض الطريق، عدل إلى الأراك لحاجة له، قال: فوقفت له حتى فرغ، ثم سرت معه فقلت: يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه، فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبة لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فاسألني، فإن كان لي علم خبرتك به، قال: ثم قال عمر: والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم، قال: فبينا أنا في أمر أتأمره إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا، قال: فقلت لها: ما لك ولما ها هنا، فيما تكلفك في أمر أريده؟ فقالت لي: عجبا لك يا ابن الخطاب، ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان، فقام عمر، فأخذ رداءه مكانه حتى دخل على حفصة فقال لها: يا بنية، إنك لتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه، فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله، وغضب رسوله صلى الله عليه وسلم، يا بنية، لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، يريد عائشة، قال: ثم خرجت حتى دخلت على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها، فقالت أم سلمة: عجبا لك يا ابن الخطاب، دخلت في كل شيء، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه، فأخذتني والله أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها.
وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوف ملكا من ملوك غسان، ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب، فقال: افتح افتح، فقلت: جاء الغساني؟ فقال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه، فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة، فأخذت ثوبي فأخرج حتى جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة له، يرقى عليها بعجلة، وغلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسود على رأس الدرجة، فقلت له: قل هذا عمر بن الخطاب، فأذن لي، قال عمر: فقصصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا مصبوبا، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: ما يبكيك، فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله، فقال: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة))
[صحيح مسلم] (2/ 1108 ) ((31- (1479) حدثنا هارون بن سعيد الأيلي.
حدثنا عبد الله بن وهب.
أخبرني سليمان (يعني ابن بلال).
أخبرني يحيى.
أخبرني عبيد ابن حنين؛ أنه سمع عبد الله بن عباس يحدث.
قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية.
فما أستطيع أن أسأله هيبة له.
حتى خرج حاجا فخرجت معه.
فلما رجع، فكنا ببعض الطريق، عدل إلى الأراك لحاجة له.
فوقفت له حتى فرغ.
ثم سرت معه.
فقلت: يا أمير المؤمنين! من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة.
قال فقلت له: والله! إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك.
قال: فلا تفعل.
ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه.
فإن كنت أعلمه أخبرتك.
قال: وقال عمر: والله! إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا.
حتى أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل.
وقسم لهن ما قسم.
قال: فبينما أنا في أمر أأتمره، إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا! فقلت لها: ومالك أنت ولما ههنا؟ وما تكلفك في أمر أريده؟ فقالت لي: عجبا لك، يا ابن الخطاب! ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان.
قال عمر
فآخذ ردائي ثم أخرج مكاني.
حتى أدخل على حفصة.
فقلت لها: يا بنية! إنك لتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان.
فقالت حفصة: والله! إنا لنراجعه.
فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله.
يا بنية! لا يغرنك هذه التي قد أعجبها حسنها.
وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها.
ثم خرجت حتى أدخل على أم سلمة.
لقرابتي منها.
فكلمتها.
فقالت لي أم سلمة: عجبا لك يا ابن الخطاب! قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه! قال: فأخذتني أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد.
فخرجت من عندها.
وكان لي صاحب من الأنصار.
إذا غبت أتاني بالخبر.
وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر.
ونحن حينئذ نتخوف ملكا من ملوك غسان.
ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا.
فقد امتلأت صدورنا منه.
فأتى صاحبي الأنصاري يدق الباب.
وقال: افتح.
افتح.
فقلت: جاء الغساني؟ فقال: أشد من ذلك.
اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه.
فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة.
ثم آخذ ثوبي فأخرج.
حتى جئت.
فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة له يرتقى إليها بعجلة.
وغلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسود على رأس الدرجة.
فقلت: هذا عمر.
فأذن لي.
قال عمر: فقصصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث.
فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء.
وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف.
وإن عند رجليه قرظا مضبورا.
وعند رأسه أهبا معلقة.
فرأيت أثر الحصير في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فبكيت.
فقال
((ما يبكيك؟)) فقلت: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه.
وأنت رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما ترضى أن تكون لهما الدنيا ولك الآخرة؟))
32- (1479) وحدثنا محمد بن المثنى.
حدثنا عفان.
حدثنا حماد بن سلمة.
أخبرني يحيى بن سعيد عن عبيد بن حنين، عن ابن عباس .
قال: أقبلت مع عمر.
حتى إذا كنا بمر الظهران.
وساق الحديث بطوله.
كنحو حديث سليمان بن بلال.
غير أنه قال قلت: شأن المرأتين؟ قال: حفصة وأم سلمة.
وزاد فيه: وأتيت الحجر فإذا في كل بيت بكاء.
وزاد أيضا: وكان آلى منهن شهرا.
فلما كان تسعا وعشرين نزل إليهن