عنِ ابنِ عبَّاسٍ في قولِ اللهِ تعالى عزَّ وجلَّ الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ قالَ كانَ المشركون يحبُّونَ أن يظهرَ أهلُ فارسَ على الرُّومِ وإياهم لأنَّهم أَهلُ أوثانٍ وَكانَ المسلِمون يحبُّونَ يظهرُ الرُّومُ على فارسَ لأنَّهم أَهلُ كتاب فذكروه لأبي بَكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ فذَكرَه أبو بَكرٍ لرسول الله صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ لَه رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أما إنَّهم سيَغلبونَ فذكروه لَهم فقالوا اجعلوا بينَنا وبينَك أجلًا فإن ظهَرنا كانَ لنا كذا وَكذا وإن ظهرتُمْ كانَ لكم كذا وَكذا فجعلَ أجل خمسَ سنينَ فلم يظهَروا فذَكروا ذلِك للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ ألا جَعلتَ إلى دونِ العشرَ
أخرجه الترمذي (3193)، وأحمد (2495) باختلاف يسير
في قولِ اللَّهِ تعالى الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ قالَ غُلِبَت وغَلَبت كانَ المشرِكونَ يحبُّونَ أن يظْهرَ أَهلُ فارسَ على الرُّومِ لأنَّهم وإيَّاهم أَهلُ الأوثانٍ وَكانَ المسلمونَ يحبُّونَ أن يظْهرَ الرُّومُ على فارسَ لأنَّهم أَهلُ الكتابٍ فذَكروهُ لأبي بَكرٍ فذَكرَهُ أبو بَكرٍ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ أما إنَّهم سيَغلِبونَ فذَكرَهُ أبو بَكرٍ لَهم فقالوا اجعل بينَنا وبينَكَ أجلًا فإن ظَهرنا كانَ لنا كذا وَكذا وإن ظَهرتُم كانَ لَكم كذا وَكذا فجعلَ أجلًا خمسَ سنينَ فلم يظْهَروا فذَكروا ذلِكَ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ ألا جعلتَهُ إلى دونَ - قالَ أراهُ العشرَ قال قالَ سعيدٌ والبِضعُ ما دونَ العشرِ - قالَ ثمَّ ظَهرتِ الرُّومُ بعدُ.
قالَ فذلِكَ قولُهُ تعالى الم غُلِبَتِ الرُّومُ إلى قولِهِ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ قالَ سفيانُ سمعتُ أنَّهم ظَهروا عليْهم يومَ بدرٍ الراوي : عبدالله بن عباس المحدث : الألباني المصدر : صحيح الترمذي الصفحة أو الرقم: 3193 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه الترمذي (3193) واللفظ له، وأحمد (2495) باختلاف يسير كانتِ الفُرسُ والرُّومُ أكبرَ دولتينِ في زمانِهما، وكان بينهما من الصِّراعِ والحُروبِ الكثيرُ، وكان النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يحِبُّ النَّصرَ لأتْباعِ الرُّسلِ من أهلِ الكِتابِ وهم الرُّومِ على المُشرِكين وهم الفُرسُ؛ حتَّى يَطمئنَّ المُسلِمون ويثْبُتوا، وحتَّى يغتاظَ الكُفَّارُ، وقد أنزَلَ اللهُ في كتابِه آياتٍ تُعبِّرُ عن هذه الأحداثِ "في قولِ اللهِ تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 1 - 3] ، قال عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما في هذا الآياتِ: "غُلِبت وغَلَبت"، أي: غلَبَهم الفُرْسُ أوَّلًا، ثمَّ تغلَّبَ الرُّومُ على الفُرْسِ آخِرًا، "كان المُشرِكون يحِبُّون أنْ يظهَرَ أهلُ فارسَ على الرُّومِ؛ لأنَّهم أهلُ أوثانٍ" حيثُ كان الفُرْسُ يعبدونَ النَّارَ، والمُشرِكون من العربِ يَعبدونَ الأصنامَ والأحجارَ، "وكان المُسلِمون يحِبُّون أنْ يظهَرَ الرُّومُ على فارسَ؛ لأنَّهم أهلُ كتابٍ، "فذكَروه لأبي بَكرٍ"، أي: ذكَرَ المُشرِكون كفَّارُ مكَّةَ لأبى بكرٍ أنَّ كِسرى ملِكَ فارِسَ بعَثَ جيشًا إلى قَيصرَ ملِكِ الرُّومِ، فغلَبَت فارِسُ الرُّومَ، يُشيرون بذلك إلى أنَّهم لو قاتلوا المُسلِمين كقِتالِ فارِسَ للرُّومِ، سيَظْهرون عليهم ويَنتصِرون، "فذكَره أبو بكرٍ لرسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: أمَّا إنَّهم سيغْلِبون"، أي: ستغلِبُ الرُّومُ الفُرْسَ بعدَ هزيمتِهم، "فذكَره أبو بكرٍ لهم"، أي: أخبَرَهم أبو بكرٍ أنَّ الرُّومَ ستهزِمُ الفُرْسَ كما أخبَره به رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال المُشرِكون: "اجْعَلْ بيننا وبينك أجلًا"، أي: موعدًا مُحدَّدًا في المُستقبلِ يَنْتهي فيه قولُك بالنَّصرِ للرُّومِ، "فإنْ ظهَرْنا"، أي: غلبْنا، وقد جعَلَ المُشرِكون أنفُسَهم مع فريقِ الفُرْسِ، مع أنَّ المُشرِكين من أهلِ مكَّة لا يُقاتِلون الرُّومَ؛ لأنَّهم يُحِبُّونهم ويرجون لهم النَّصرَ كما تقدَّمَ، "كان لنا كذا وكذا"، أي: من المالِ، "وإنْ ظهَرْتُم"، أي: وإنِ انتصرْتُم أنتم وفريقُكم من أهلِ الكتابِ، "كان لكم كذا وكذا"، أي: من المالِ، قال ابنُ عبَّاسٍ: "فجعَلَ أجلًا خمْسَ سِنينَ"، أي: سمَّى أبو بكرٍ لهم مُدَّةَ خمْسِ سنينَ يأتي فيها خبَرُ نصْرِ الرُّومِ على الفُرْسِ، "فلم يظْهروا"، أي: لم تهزِمِ الرُّومُ الفُرْسَ في تلك المُدَّةِ، "فذكروا ذلك للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"، أي: أخبَرَه أبو بكرٍ رضِيَ اللهُ عنه بأجَلِه مع مُشْركي مكَّةَ، فقال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "ألَا جعلْتَه إلى دونَ؟"، وفي روايةٍ: "أفلا جَعَلتَه إلى دُونِ العَشْرِ" أيْ: ألَا جعَلْتَ الأجَلَ إلى آخِرِ البِضعِ، وهو تِسعُ سِنينَ؛ ليكونَ أمْكَنَ في تَحديدِ مَوْعِدِ وُقوعِ النَّصْرِ، واحْترازًا مِن تأخُّرِه إلى آخِرِ الوقتِ المحدَّدِ دُونِ العَشْرِ، "قال: أُراهُ العَشْرَ.
قال: قال سعيدٌ" وهو ابنُ جُبيرٍ الرَّاوي عنِ ابنِ عبَّاسٍ: "والبِضْعُ ما دونَ العَشْرِ"، أي: دونَ العَشْرِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: {فِي بِضْعِ سِنِينَ}، والبِضْعُ من الثَّلاثِ إلى التِّسعِ.
قال ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: "ثمَّ ظهرَتِ الرُّومُ بعدُ"، أي: انتصرَتْ بعدَ تلك الخمْسِ سِنينَ، قال: "فذلك قولُه تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 1 - 5] ، قال سُفيانُ الثَّوريُّ- من رُواةِ هذا الحديثِ-: "سمِعْتُ أنَّهم ظهَروا عليهم يومَ بدْرٍ"، أي: في غَزوةِ بدْرٍ، ففرِحَ المُسلِمون بنصرِ اللهِ لهم على المُشرِكين، وبنَصْرِه لأهلِ الكِتابِ على الفُرْسِ.
وفي الحديثِ: بَيانُ تأييدِ اللهِ لرَسولِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وتَسليتِه بالأحداثِ والعِبَرِ مع غيرِه من الأُمَمِ.
وفيه: دليلٌ من دلائلِ نُبوَّتِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وفيه: بيانُ مَنزلةِ أبي بكر رضِي اللهُ عنه في الإسلامِ.
سنن الترمذي (5/ 253) :
3193 - حدثنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا معاوية بن عمرو ، عن أبي إسحاق الفزاري ، عن سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قول الله تعالى: {الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض} قال: غلبت وغلبت، كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما إنهم سيغلبون.
فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: ألا جعلته إلى دون.
قال: أراه العشر، قال سعيد: والبضع ما دون العشر قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله تعالى: {الم * غلبت الروم} إلى قوله {يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء} قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر.
هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة.
[مسند أحمد] (4/ 296 ط الرسالة) :
2495 - حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {الم غلبت الروم} قال: غلبت وغلبت، قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، لأنهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إنهم سيغلبون " قال: فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا، كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم، كان لكم كذا وكذا.
فجعل أجلا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " ألا جعلتها إلى دون؛ قال: أراه قال: العشر؟ " - قال: قال سعيد بن جبير: البضع: ما دون العشر - ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله: {الم غلبت الروم} إلى قوله: {ويومئذ يفرح المؤمنون} [الروم: 4] قال: يفرحون {بنصر الله}.