وقعَتِ القِدرُ على يدي فاحترَقَت يدي فانطلقَ بي أبي إلى رسولِ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - وَكانَ يتفُلُ فيها ويقولُ : أذهِبِ البأسَ ربَّ النَّاسِ وأحسبُه قالَ : واشفِه إنَّكَ أنتَ الشَّافي
عن مُحمَّد بن حاطب قالَ:تَناوَلْتُ قِدْرًا لنا فاحْتَرَقَتْ يَدي، وانْطَلَقَتْ بي أُمِّي إلى رَجُلٍ جالِسٍ في الجَبَّانةِ، فقالَتْ له: يا رَسولَ اللهِ، قالَ: «لَبَّيْكِ وسَعْدَيكِ»، ثُمَّ أَدْنَتْني مِنه، فجَعَلَ يَنفُثُ ويَتَكلَّمُ بكَلامٍ، ما أَدْري ما هو، فسَألْتُ أُمِّي بَعْدَ ذلك: ما كانَ يقولُ؟ قالَتْ: كانَ يقولُ: «أَذهِبِ الباسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أنت الشَّافي، لا شافِيَ إلَّا أنت».
الراوي : محمد بن حاطب المحدث : الوادعي المصدر : الصحيح المسند الصفحة أو الرقم: 2/164 خلاصة حكم المحدث : حسن على شرط مُسلِم مِنَ الوسائِلِ الشَّرعيَّةِ في عِلاجِ المَريضِ استِعمالُ الرُّقيةِ الشَّرعيَّةِ بأن يَقرَأَ المَريضُ على نَفسِه بسُوَرِ القُرآنِ الكَريمِ، أو بالأدعيةِ والأذكارِ الوارِدةِ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا لم يَستَطِعْ شُرِع لبَعضِ النَّاسِ أن يَرقيَه مِن أهلِ الخَيرِ والصَّلاحِ؛ فقد رَقى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَفسَه ورَقى بَعضَ أصحابِه، وفي هذا الحَديثِ يَحكي مُحَمَّدُ بنُ حاطِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه فيَقولُ: تَناوَلتُ قِدرًا لنا.
والقِدْرُ: الوِعاءُ الذي يُطبَخُ فيه، فاحتَرَقَت يَدي، أي: أنَّ تلك القِدْرَ كانت حارَّةً ومِن شِدَّةِ حَرارَتِها أنَّه عِندَما أمسَكَ بها احتَرَقَت يَدُه، وفي رِوايةٍ: أنَّه انصَبَّ عليه مِنَ القِدْرِ وهو حارٌّ، فانطَلقَت بي أُمِّي إلى رَجُلٍ -والمَقصودُ به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقد جاءَ في رِوايةٍ أُخرى أنَّ مُحَمَّدَ بنَ حاطِبٍ كان صَغيرًا لا يَعرِفُ مَن هذا الرَّجُلُ- جالِسٍ في الجَبَّانةِ، أي: الصَّحراءِ، وهو المَكانُ الذي كان يُصَلَّى فيه العيدُ.
فقالت له: يا رَسولَ اللهِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لبَّيكِ، أي: قد أجَبتُكِ إجابةً بَعدَ إجابةٍ، وسَعْدَيكِ، أي: إسعادًا بَعدَ إسعادٍ، أو أنا مُسعِدُكِ، ثُمَّ أدنَتْني مِنه، أي: أنَّ أُمَّه قَرَّبَتِ ابنَها مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجَعَل يَنفُثُ.
والنَّفثُ بالفَمِ، هو شَبيهٌ بالنَّفخِ، وهو أقَلُّ مِنَ التَّفلِ؛ لأنَّ التَّفلَ لا يَكونُ إلَّا ومَعَه شَيءٌ مِنَ الرِّيقِ، وجاءَ في رِوايةٍ: أنَّه كان يَتفُلُ.
والمَعنى: أنَّه نَفثَ على مَكانِ الحَرقِ مِنَ اليَدِ، ويَتَكَلَّمُ بكَلامٍ، ما أدري ما هو، أي: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَكَلَّمَ بكَلماتٍ لم يَعرِفْ مُحَمَّدٌ ما هيَ؛ وذلك لصِغَرِ سِنِّه.
فسَألتُ أُمِّي بَعدَ ذلك: ما كان يَقولُ؟ أي: أنَّه سَأل أُمَّه بَعدَ تلك الحادِثةِ عن تلك الكَلماتِ التي كان يَقولها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّه سَألها في زَمَنِ خِلافةِ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه، فقالت له أُمُّه: كان يَقولُ: أذهِبِ الباسَ، أي: المَرَضَ والوجَعَ، رَبَّ النَّاسِ.
يا رَبَّ النَّاسِ جَميعًا، اشفِ أنتَ الشَّافي، أي: نَطلبُ مِنك يا اللهُ؛ فإنَّك أنتَ الذي تَشفي وتُعافي، ولم يَقُلْ: وأنتَ المُمْرِضُ أدَبًا، كَما قيل في قَولِه تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] ، لا شافيَ إلَّا أنتَ، أي: أنتَ وحدَك الذي يُنزِلُ الشِّفاءَ مِنَ الأسقامِ، ولا أحَدَ سِواك.
وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ كُلَّ ما يَقَعُ مِنَ الدَّواءِ والتَّداوي إن لم يُصادِفْ تَقديرَ اللهِ عَزَّ وجَل فلا يَنفعُ.
وفي الحَديثِ تَواضُعُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه مَشروعيَّةُ الرُّقيةِ بهذا الدُّعاءِ.
وفيه مَشروعيَّةُ النَّفثِ على مَكانِ الوجَعِ عِندَ الرُّقيةِ.
وفيه أنَّ مِن أسماءِ اللهِ تعالى الشَّافي.
وفيه بَيانُ أنَّ الشِّفاءَ كُلَّه بيَدِ اللهِ وَحدَه.
وفيه مَشروعيَّةُ الذَّهابِ إلى أهلِ الخَيرِ والصَّلاحِ، وطَلَبِ الرُّقيةِ مِنهم.
وفيه مَشروعيَّةُ السَّجعِ في الدُّعاءِ إذا لم يَكُنْ مَقصودًا ولا مُتَكَلَّفًا فيه .