أمَرَني أبي بِحَريرةٍ، فصُنِعَتْ، ثمَّ أمَرَني، فحَمَلْتُها إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فإذا هو في مَنزِلِه، فقالَ: ما هذا يا جابرُ، ألَحْمٌ هذا؟ قلتُ: لا، يا رسولَ اللهِ، ولكنَّها حَريرةٌ أمَرَني بها أبي، فصُنِعَتْ، ثمَّ أمَرَني، فحَمَلْتُها إليكَ، ثمَّ رَجَعْتُ إلى أبي، فقالَ: هلْ رَأيتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ قلْتُ: نعمْ.
قالَ: فما قال لكَ؟ قلْتُ: قالَ: ألَحْمٌ هذا يا جابِرُ؟ قال أبي: عَسَى أنْ يكونَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اشْتَهَى اللَّحْمَ، فقامَ إلى داجِنٍ له، فذَبَحها وشَوَاها، ثمَّ أمَرَني بحَمْلِها إليهِ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: جَزى اللهُ الأنصارَ عنَّا خيْرًا، ولا سِيَّما عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ حرامٍ، وسَعْدِ بنِ عُبادةَ.
أمرَ أبي بخزيرةٍ فصُنِعَتْ ثمَّ أمرَني فأتيتُ بِها النَّبيَّ – صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ – قالَ فأتيتُهُ وَهوَ في منزلِهِ قالَ فقال لي ماذا معَك يا جابرٌ ألَحمٌ ذي قالَ قلتُ لا قالَ فأتيتُ أبي فقالَ لي هل رأيتَ رسولَ اللَّهِ – صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ – قلتُ نعَم قال فهلَّا سمعتَهُ يقولُ شيئًا قال قلتُ نعَم قال لي ماذا معَكَ يا جابرُ ألَحمٌ ذي قالَ لعلَّ رسولَ اللَّهِ – صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ – أن يَكونَ اشتَهَى فأمرَ بشاةٍ لَنا داجنٍ فذُبِحَت ثمَّ أمرَ بِها فشُوِيَت ثمَّ أمرَني فأتيتُ بِها النَّبيَّ – صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ – فقالَ لي ماذا معَك يا جابرُ ؟ فأخبَرتُهُ فقالَ : جزيَ الأنصارَ عنَّا خيرًا ولا سيَّما عبدَ اللَّهِ بنِ حرامٍ وسعدَ بنَ عبادةٍ .
الراوي : جابر بن عبدالله المحدث : الوادعي المصدر : الصحيح المسند الصفحة أو الرقم: 217 خلاصة حكم المحدث : صحيح للأنصارِ رَضِيَ اللهُ عنهم مَكانةٌ عَظيمةٌ؛ لكَونِهم ناصَروا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واستَقبَلوه في ديارِهم، وآثَروا إخوانَهمُ المُهاجِرينَ في كُلِّ شَيءٍ؛ ولِهذا جَعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حُبَّ الأنصارِ مِنَ الإيمانِ، وبُغضَهم مِنَ النِّفاقِ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُحِبُّهم ويَدعو لَهم لمَواقِفِهمُ النَّبيلةِ.
وفي هذا الحَديثِ يَقولُ جابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عنهما: أمَرَ أبي، أي: والِدُه عَبدُ اللَّهِ بنُ حَرامٍ، بخَزيرةٍ، وهيَ عِبارةٌ عن لَحمٍ يُقطَّعُ صِغارًا ويُصَبُّ عليه ماءٌ كَثيرٌ، فإذا نَضِجَ ذُرَّ عليه الدَّقيقُ، فإن لَم يَكُنْ فيها لَحمٌ فهيَ عَصيدةٌ.
فصُنِعَت، أي: أمَرَ والِدُ جابِرٍ أهلَه أن يَصنَعوا هذه الخَزيرةَ ففعَلوا، ثُمَّ أمَرَني فأتَيتُ بها النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: أمَرَ عَبدُ اللَّهِ ابنَه جابِرًا أن يَذهَبَ بهذه الخَزيرةِ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَقولُ جابِرٌ: فأتَيتُه، أي: ذَهَبتُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو في مَنزِلِه، فقال لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ماذا مَعَك يا جابِرُ؟ ألحمٌ ذي؟ أي: هَل هذا الذي مَعَك هو لَحمٌ؟ فقال له جابِرٌ: لا.
فأخَذَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تلك الخَزيرةَ وقَبِلَها، ثُمَّ عاد جابِرٌ إلى والِدِه وقال له والِدُه: هَل رَأيتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ أي: هَل وجَدتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بَيتِه.
فقال جابِرٌ: نَعَم.
فقال له أبوه: فهَلَّا سَمِعتَه يَقولُ شَيئًا! أي: هَل قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيئًا عِندَما أعطَيتَه الخَزيرةَ، فلَعَلَّه كان يَشتَهي شَيئًا آخرَ؟ فقال جابِرٌ: نَعَم، قال لي: ماذا مَعَك يا جابِرُ؟ ألحمٌ ذي؟ فقال والِدُ جابِرٍ: لَعَلَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَكونَ اشتَهى لَحمًا! أي: فَهِم والِدُ جابِرٍ مَن قَولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لجابِرٍ: أمَعَك لَحمٌ؟ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَشتَهي أن يَأكُلَ لَحمًا.
ولِذلك أمَرَ والِدُ جابِرٍ بشاةٍ لَهم داجِنٍ، وهيَ الشَّاةُ التي يَعلِفُها النَّاسُ في مَنازِلِهم، فذُبِحَت ثُمَّ أمَرَ بها، أي: بالشَّاةِ فشُوِيَت، ثُمَّ أمَرَ جابِرًا أن يَذهَبَ بها إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا وصَلَ جابِرٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ماذا مَعَك يا جابِرُ؟ فأخبَرَه جابِرٌ بأنَّ الذي مَعَه شاةٌ مَشويَّةٌ.
فعِندَ ذلك قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: جُزِيَ الأنصارُ عنَّا خَيرًا، أي: جَزاهمُ اللهُ عنَّا كُلَّ خَيرٍ؛ لِما أحسَنوا إلينا وأكرَمونا وآثَرونا بأموالِهم، وهذا دُعاءٌ عامٌّ لَهم كُلِّهم، ثُمَّ خَصَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعضَهم، فقال: ولا سيَّما عَبدِ اللَّهِ بنِ حَرامٍ -وهو والِدُ جابِرٍ- وسَعدِ بنِ عُبادةَ، وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ.
وهما كانا دائِمًا يُهديانِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الطَّعامَ وفيه اللَّحمُ وغَيرُه.
وقدِ استُشهِدَ والِدُ جابِرٍ في غَزوةِ أُحُدٍ، وكَلَّمَه اللهُ تعالى في الجَنَّةِ كِفاحًا، ليس بَينَهما حِجابٌ ولا رَسولٌ! وفي الحَديثِ بَيانُ حُبِّ الأنصارِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحُبِّ النَّبيِّ لَهم.
وفيه مَنقَبةٌ لعَبدِ اللَّهِ بنِ حَرامٍ وسَعدِ بنِ عُبادةَ رَضِيَ اللهُ عنهما.
وفيه مَشروعيَّةُ مُكافأةِ مَن أُهديَ إليه شَيءٌ بأفضَلَ مِن هَديَّتِه، ومِن ذلك الدُّعاءُ له بقَولِ: جَزاك اللهُ خَيرًا.
وفيه مَشروعيَّةُ تَخصيصِ بَعضِ القَومِ بدَعوةٍ دونَ بَقيَّةِ القَومِ .