«مَنْ فَعَلَ كذا وكذا، أوْ أَتى مكانَ كذا وكذا فلهُ كذا وكذا».

فتَسارَعَ الشُّبَّانُ إلى ذلك، وثَبَتَ الشُّيوخُ تحتَ الرَّاياتِ، فلمَّا فَتَحَ اللهُ عليهم جاءَ الشُّبَّانُ يطلبونَ ما جُعِلَ لهم، وقالتِ الشُّيوخُ: إنَّا كنَّا رِدْأً لكم وكنَّا تحتَ الرَّاياتِ.

فأَنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1].

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# جهاد - الرايات والألوية# مغازي - غزوة بدر# صلح - فضل الصلح بين المسلمين# تفسير آيات - سورة الأنفال
المصدر: المستدرك على الصحيحين
الراوي: عبدالله بن عباس
المحدث: الحاكم
الحكم:صحيح الإسناد

الشرح والتوضيح

قالَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - يومَ بدرٍ : مَن فعلَ كذا وَكَذا ، فلَهُ منَ النَّفلِ كذا وَكَذا .

قالَ : فتقدَّمَ الفِتيانُ ولزمَ المشيخةُ الرَّاياتِ فلم يبرَحوها ، فلمَّا فتحَ اللَّهُ عليهم قالت المشيخةُ : كنَّا رِدءًا لَكُم لوِ انهزمتُمْ فِئتُمْ إلينا ، فلا تَذهبونَ بالمغنمِ ونبقى ، فأبى الفتيانُ وقالوا : جعلَهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ لَنا ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ إلى قولِهِ : كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يقولُ : فَكانَ ذلِكَ خيرًا لَهُم ، فَكَذلِكَ أيضًا فأطيعوني فإنِّي أعلمُ بِعاقبةِ هذا منكُم الراوي : عبدالله بن عباس المحدث : الوادعي المصدر : الصحيح المسند الصفحة أو الرقم: 598 خلاصة حكم المحدث : صحيح ، رجاله رجال الصحيح التخريج : أخرجه أبو داود (2737)، والحاكم (2594)، والبيهقي (13088) لمَّا هاجَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المَدينةِ واستَقَرَّ فيها بَنى دَولةَ الإسلامِ، وبَنى المَسجِدَ، وآخى بَينَ المُهاجِرينَ والأنصارِ، وبَدَأت حَياةُ الكِفاحِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، فكانت غَزوةُ بَدرٍ في السَّنةِ الثَّانيةِ للهجرةِ، وانتَصَرَ فيها المُسلِمونَ انتِصارًا عَظيمًا سَمَّاه اللهُ تعالى بيَومِ الفُرقانِ، وأذَلَّ اللهُ فيه كُفَّارَ قُرَيشٍ وقَتَل صَناديدَهم، وغَنِموا أموالَ المُشرِكينَ، وفي هذا الحَديثِ بَيانُ ما حَصَل مِنَ الصَّحابةِ مِنَ الاختِلافِ حَولَ هذه الغَنائِمِ؛ فقد قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَ بَدرٍ، أي: يَومَ غَزوةِ بَدرٍ: مَن فَعَل كَذا وكَذا فله مِنَ النَّفَلِ، أي: زيادةٌ يُزادها الغازي على نَصيبِه مِنَ الغَنيمةِ كَذا وكَذا، أي: أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خاطَبَ الصَّحابةَ الذينَ خَرَجوا مَعَه لغَزوةِ بَدرٍ يُشَجِّعُهم ويَستَحِثُّهم على القِتالِ أنَّه مَن فعَل كَذا وكَذا فله كَذا، وهو كِنايةٌ عنِ النِّكايةِ والقَتلِ في العَدوِّ، وقد جاءَ تَفسيرُه في رِوايةٍ أُخرى: مَن قَتَل قَتيلًا فله كَذا، ومَن أسَرَ أسيرًا فله كَذا وكَذا، أي: فله جائِزةٌ على ذلك فوقَ نَصيبِه مِنَ الغَنيمةِ، والنَّفَلُ: هو ما يُعطيه الإمامُ للمُقاتِلينَ قَبلَ قِسمةِ الغَنيمةِ زيادةً لهم.

فلمَّا سَمِعَ الصَّحابةُ هذا الخِطابَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تقدَّم الفِتيانُ، أي: تَقدَّمَ الشَّبابُ الصِّغارُ السِّنِّ للقِتالِ في الصُّفوفِ الأولى، وواجَهوا المُشرِكينَ بشَجاعةٍ وحَماسٍ، ولزِمَ المَشيَخةُ الرَّاياتِ، أي: كِبارُ السِّنِّ لَزِموا الرَّاياتِ، والرَّايةُ: العَلَمُ الذي في الحَربِ يُعرَفُ به مَوضِعُ صاحِبِ الجَيشِ.

فلم يَبرَحوها، أي: لم يَترُكوها، وظَلُّوا بجانِبِها ولم يُفارِقوها، فلمَّا فتَحَ اللهُ عليهم، أي: انتَصَرَ المُسلِمونَ على المُشرِكينَ وغَنِموا، قالتِ المَشيَخةُ، أي: كِبارُ السِّنِّ: كُنَّا رِدءًا لكُم، أي: عَونًا وناصِرًا لكُم ومَدَدًا مِن خَلفِكُم، لوِ انهَزَمتُم، أي: انكَشَفتُم عنِ القِتالِ، فِئتُم إلينا، أي: رَجَعتُم إلينا؛ فلذلك لا تَذهَبونَ بالمَغنَمِ ونَبقى، أي: لا تَستَأثِرونَ بالغَنيمةِ وَحدَكُم، ولا يَكونُ لنا مِنها شَيءٌ، فأبى الفِتيانُ، أي: امتَنَعَ ورَفضَ الشَّبابُ أن يُعطوهم مِنَ الغَنيمةِ، وقالوا: جَعَله رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لنا، أي: أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد جَعَلها مِن نَصيبِنا، فنحن أحَقُّ بها مِنكُم، فإنَّا طَلَبنا العَدوَّ وقاتَلناه، فلمَّا اختَلَفوا في هذا الأمرِ أنزَل اللهُ تعالى قَولَه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 1 - 5] .

قَولُه تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1] ، أي: سَألوك أيُّها النَّبيُّ عنِ الغَنائِمِ لمَن هيَ، فقُلْ لهم: إنَّ الغَنائِمَ للهِ ولرَسولِه، يَجعَلُها اللهُ حَيثُ شاءَ.

وقَولُه: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5] ، يَقولُ: فكان ذلك خَيرًا لهم، أي: كان الخُروجُ إلى بَدرٍ خَيرًا لهم؛ لِما تَرَتَّبَ عليه مِنَ النَّصرِ والظَّفَرِ والغَنيمةِ، فكذلك أيضًا، أي: فهذه الحالةُ التي هيَ قِسمةُ الغَنائِمِ على السَّويَّةِ بَينَ الشُّبَّانِ والمَشيَخةِ، وعَدَمُ مُخالفةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في إعطاءِ النَّفَلِ لمَن أرادَه: مِثلُ الخُروجِ في أنَّ الكُلَّ خَيرٌ لهم؛ فأطيعوني، أي: في كُلِّ ما أقولُ لكُم ولا تُخالِفوني؛ فإنِّي أعلَمُ بعاقِبةِ هذا، أي: أعلَمُ بمآلِ إعطاءِ النَّفَلِ مِنكُم، وأنتُم لا تَعلَمونَ.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ تَنفيلِ الإمامِ للمُقاتِلينَ.

وفيه تَشجيعُ الإمامِ وتَحريضُه بَعضَ الغُزاةِ المُقاتِلينَ الشِّجْعانِ، وحَثُّهم على القِتالِ.

وفيه مَشروعيَّةُ اتِّخاذِ الرَّاياتِ في الجِهادِ.

وفيه بَيانُ اختِلافِ الصَّحابةِ في غَنائِمِ غَزوةِ بَدرٍ.

وفيه بَيانُ سَبَبِ نُزولِ الآيةِ.

وفيه الأمرُ بطاعةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولو لم يوافِقْ أمرُه هَوى المَرءِ.

وفيه فَضلُ اتِّباعِ أوامِرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .

أحاديث ذات صلة