عن أبي بكرةَ قالَ أمَّا الدُّبَاءُ فإنْ أهلَ الطائفِ كانُوا يأخذُونَ القرعَ فيخرطُونَ فيهِ العنبَ ثُمَّ يدفنونَهُ حتَّى يهدرَ ثُمَّ يموتُ وأمَّا النقيرُ فإنَّ أهلَ اليمامةِ كانُوا ينقرُونَ أصلَ النخلةِ ثُمَّ ينتبذونُ الرُّطبَ والبُسْرَ ثُمَّ يدعونَهُ حتَّى يهدرَ ثُمَّ يموتُ وأمَّا الحَنْتَمُ فجِرارٌ كانَتْ تُحْمَلُ إلينا فيها الخمرُ وأمَّا المُزَفَتُ فهذه الأوعيةُ التِي فِيَهَا الزِّفْتُ
أخرجه أبو داود الطيالسي (923) بلفظه، والبزار (3689)، والبيهقي (17543) كلاهما بنحوه.
عن أبي بَكرةَ أنَّهُ كانَ يُنبَذُ لَه في جرٍّ أخضَرَ ، قالَ : فقدِمَ أبو برزةَ مِن غَيبةٍ غابَها فبدأ بمنزلِ أبي بَكرةَ فلم يصادِفْهُ في المنزلِ فَوقفَ علَى امرأتِهِ فسألَها عن أبي بَكرةَ فأخبرَتهُ ثمَّ أبصرَ الجَرَّ الَّتي كانَ فيها النَّبيذُ فقالَ ما في هذهِ الجرِّ قالت نبيذٌ لأبي بَكرةَ قالَ ودِدتُ أنَّكِ جعلتيهِ في سِقاءٍ فأمرتُ بذلِكَ النَّبيذِ فجُعِلَ في سِقاءٍ ثمَّ جاءَ أبو بَكرةَ فأخبرتُهُ عن أبي بَرزةَ فقالَ ما في هذا السِّقاءِ قالَت أمرَنا أبو بَرزةَ أن نجعلَ نبيذَكَ فيهِ قالَ ما أنا بشارِبٍ مِمَّا فيهِ لئن جُعِلَت الخمرُ في سقاءٍ ليحِلَّ لي ولئن جَعلتِ العَسلَ في جَرٍّ لِيحرُمَ عليَّ إنا قد عرَفنا الَّذي نُهينا عنهُ نُهينا عنِ الدُّبَّاءِ والحنتَمِ والنَّقيرِ والمُزفَّتِ فأمَّا الدُّبَّاءُ ، فإنَّا معشرَ ثقيفٍ ، كنَّا نأخذُ الدُّباءَ فنخرُطُ فيها عناقيدَ العِنبِ ثمَّ نَدفنُها حتَّى تُهدَرَ ثمَّ تموتَ وأمَّا النَّقيرُ فإنَّ أهلَ اليمامةِ كانوا ينقرونَ أصلَ النَّخلةِ ثمَّ يَشدَخونَ فيها الرُّطبَ والبُسرَ ، ثمَّ يدَعوه حتَّى يُهدَرَ ، ثمَّ يموتُ وأمَّا الحنتَمُ فجِرارٌ حمرٌ كانت تُحمَلُ إلينا فيها الخمرُ وأمَّا المُزفَّتُ فَهذهِ الأوعيةُ الَّتي فيها المُزفَّتُ الراوي : والد عيينة المحدث : الوادعي المصدر : الصحيح المسند الصفحة أو الرقم: 1163 خلاصة حكم المحدث : صحيح وضَعَ الإسلامُ الحُدودَ الواضِحةَ بَينَ الحَلالِ والحَرامِ، وقد أوْضَحَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ سَبَبَ تَحريمِه لِبَعضِ الأشياءِ قد يَكونُ بسَبَبِ مآلاتِ الأُمورِ معها، ولا يَكونُ التَّحريمُ لِذاتِ الشَّيءِ، وإنْ كانَ حَلالًا في بَعضِ الحالاتِ الأُخرى.
وفي هذا الحَديثِ يَروي التَّابِعيُّ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ جَوْشَنٍ، عن أبي بَكرةَ نُفَيعِ بنِ الحارِثِ الثَّقَفيِّ رَضيَ اللهُ عنه: "أنَّه كانَ يُنبَذُ له في جَرٍّ أخضَرَ"، والنبيذُ هو نَقْعُ التَّمْرِ والزَّبيبِ في الماءِ، والجَرُّ الأخضَرُ: نَوعٌ مِنَ الأواني المَصنوعةِ مِنَ الفَخَّارِ، وكانَ لَونُه أخضَرَ، ولَعَلَّه كانَ يُشتَهَرُ عِندَهم ويَشيعُ استِخدامُه، فيَشرَبُ منه قَبلَ أنْ يَشتَدَّ ويُصبِحَ مُسكِرًا، قال عَبدُ الرَّحمنِ: "فقَدِمَ أبو بَرزةَ مِن غَيبةٍ غابَها، فبَدَأَ بمَنزِلِ أبي بَكرةَ"، فذَهَبَ إليه بَعدَ عَودَتِه مِن غيابِه، "فلم يُصادِفْه" مَوجودًا "في المَنزِلِ، فوَقَفَ على امرَأتِه"، بمعنى أنَّه وَجَدَ زَوجةَ أبي بَكرةَ هي التي بالمَنزِلِ، "فسألَها عن أبي بَكرةَ، فأخبَرَتْه، ثم أبصَرَ الجَرَّ التي كانَ فيها النبيذُ"، أي: رَأى الإناءَ الذي فيه النبيذُ الخاصُّ بأبي بَكرةَ رَضيَ اللهُ عنه، "فقالَ: ما في هذه الجَرِّ؟ قالَتْ: نَبيذٌ لِأبي بَكرةَ.
قالَ: وَدِدتُ أنَّكِ جَعلتيه في سِقاءٍ"، والسِّقاءُ: إناءٌ مِن جِلدٍ؛ لِأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد نَهى عنِ النبيذِ إلَّا في سِقاءٍ، كما رَواهُ مُسلِمٌ، "فأمَرَتْ بذلك النبيذِ" فحُوِّلَ "فجُعِلَ في سِقاءٍ"، كما أمَرَ أبو بَرزةَ، "ثم جاءَ أبو بَكرةَ فأخبَرَتْه عن أبي بَرزةَ، فقالَ: ما في هذا السِّقاءِ؟ قالَتْ: أمَرَنا أبو بَرزةَ أنْ نَجعَلَ نَبيذَكَ فيه.
قالَ: ما أنا بشارِبٍ مِمَّا فيه"، لن أشرَبَ ما فيه مِنَ النبيذِ إذا أسكَرَ، ثم قالَ مُستَنكِرًا ومُتعَجِّبًا: "لَئِن جَعَلتُ الخَمرَ في سِقاءٍ لَيَحِلُّ لي، ولئن جَعَلتُ العَسَلَ في جَرٍّ لَيَحرُمُ علَيَّ"، والمعنى: أنَّه يُنكِرُ أنْ يَكونَ أمْرُ الحِلِّ والحُرمةِ مُرتَبِطًا بنَوعِ الوِعاءِ، فإنَّه لو جَعَلَ الخَمرَ المُحرَّمةَ في سِقاءٍ مِن جِلدٍ فإنَّه لا يَحِلُّ أيضًا، ولو جَعَلَ العَسَلَ الذي هو حَلالٌ في الوِعاءِ الفَخَّاريِّ فإنَّه لا يَحرُمُ.
ثم قالَ أبو بَكرةَ: "إنَّا قد عَرَفْنا الذي نُهينا عنه"، يعني: أنَّنا عَرَفْنا أنواعَ الأوعيةِ التي نُهينا عن الانتِباذِ والنَّقعِ فيها، وعَرَفْنا أسبابَ النَّهيِ؛ وتفسيرُ ذلك أنَّا "نُهينا عنِ الدُّبَّاءِ والحَنتَمِ والنَّقيرِ والمُزَفَّتِ، فأمَّا الدُّبَّاءُ، فإنَّا -مَعشَرَ ثَقيفٍ- كُنَّا نأخُذُ الدُّبَّاءَ" فقد اشتُهِرَ هذا النَّوعُ مِنَ الأواني عِندَ قَبيلةِ ثَقيفٍ، والمُرادُ بالدُّبَّاءِ: نَباتُ القَرْعِ إذا يَبِسَ اتُّخِذَ منه وِعاءٌ، وكانوا يَحفِرونَه ويَستَخدِمونَه كسِقاءٍ، ويَحتَفِظونَ فيه ببَعضِ الأشرِبةِ، وهو كما قال أبو بَكرةَ: "فنَخرُطُ فيها عناقيدَ العِنَبِ"، فنُقَطِّعُ فيها العِنَبَ ثم نُغَطِّيها، "ثم نَدفِنُها حتى تَهدِرَ" وتَغليَ "ثم تَموتَ" بالتَّبريدِ فتُصبِحَ خَمرًا.
"وأمَّا النَّقيرُ"، وهو ما يُنقَرُ ويُجوَّفُ مِن جُذوعِ النَّخلِ، وكان يُحفَرُ ثم يوضَعُ فيه التَّمرُ ونَحوُه، "فإنَّ أهلَ اليَمامةِ"، وهي بَلدةٌ مِن بِلادِ العَوالي، وهي بِلادُ بَني حَنيفةَ، قيلَ: مِن عُروضِ اليَمَنِ، وقيلَ: مِن باديةِ الحِجازِ، وتَتبَعُ مَدينةَ الرِّياضِ حاليًّا، "كانوا يُنَقِّرونَ أصلَ النَّخلةِ" يَحفِرونَ جِذعَ النَّخلةِ "ثم يَشدَخونَ" ، أي: يَخلِطونَ ويُقَطِّعونَ "فيها الرُّطَبَ والبُسرَ"، والبُسْرُ هو البَلَحُ غَيرُ النَّاضِجِ، والرُّطَبُ: ثَمَرُ النَّخلِ قَبلَ أنْ يُصبِحَ تَمْرًا، وهو أجوَدُ وأطعَمُ مِنَ التَّمْرِ، "ثم يَدَعونَه" يَترُكونَه "حتى يَهدِرَ، ثم يَموتَ" فتَتحَوَّلَ خَمرًا مُسكِرًا، والنَّهيُ عن خَلطِهما في الماءِ وتَركِهما حتى يَشتَدَّا ويَتخَمَّرا.
"وأمَّا الحَنتَمُ"، وهو إناءٌ مَصنوعٌ مِنَ الطِّينِ أو مِنَ الفَخَّارِ "فجِرارٌ حُمْرٌ"، آنيةٌ كَبيرةٌ حَمراءُ "كانَتْ تُحمَلُ إلينا فيها الخَمرُ".
"وأمَّا المُزَفَّتُ فهذه الأوعيةُ التي فيها المُزَفَّتُ"، وهو الإناءُ المَطلِيُّ بالقارِ أوِ الزِّفتِ مِنَ الدَّاخلِ أوِ الخارجِ، وهذه أوعيةٌ وأوانٍ وظُروفٌ نُهيَ عنها؛ لِمَا فيها مِن خاصِّيَّةِ الإسراعِ في تَحويلِ الأشرِبةِ إلى خَمرٍ، فنَهاهم عنها النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لذلك.
وكان النَّهيُ عن الانتِباذِ في هذه الظُّروفِ في صَدرِ الإسلامِ، ثم نُسِخَ، ولكنْ تَبقى العِلَّةُ؛ وهي الإسكارُ، فأيُّ شَرابٍ اشتَدَّ وأسكَرَ فهو حَرامٌ، دونَ النَّظرِ إلى الوِعاءِ الذي اشتَدَّ وتَخمَّرَ فيه.
وفي الحديثِ: النَّهيُ عن شُربِ كُلِّ مُسكِرٍ مهما تَعدَّدَتْ أسماؤُه أو صِفاتُه.
وفيه: أنَّ الحِيَلَ وتَغييرَ الأسماءِ لا تُغَيِّرُ الحُكمَ مِنَ الحِلِّ إلى الحُرمةِ، ولا مِنَ الحُرمةِ إلى الحِلِّ.
[مسند أبي داود الطيالسي] (2/ 207) :
923 - حدثنا أبو داود ، قال: حدثنا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن ، قال: حدثني أبي ، قال: كان أبو بكرة ينتبذ له في جر، فقدم أبو برزة من غيبة كان غابها فنزل بمنزل أبي بكرة قبل أن يأتي منزله فلم يجد أبا بكرة في منزله، فوقف على امرأة له يقال لها ميسة، فسألها عن أبي بكرة وعن حاله، ونظر فأبصر الجرة التي فيها النبيذ، فقال: ما في هذه الجرة؟ قالت: نبيذ لأبي بكرة، فقال: لوددت أنك جعلتيه في سقاء! ثم خرج، فأمرت بالنبيذ فحول في سقاء ثم علقته، فجاء أبو بكرة فأخبرته عن أبي برزة وعن قدومه، ثم أبصر السقاء فقال: ما هذا السقاء؟ فقالت: قال أبو برزة كذا وكذا، فحولت نبيذك في السقاء.
فقال: ما أنا بشارب منه شيئا، آلله إن جعلت العسل في جر ليحرمن علي، ولئن جعلت الخمر في سقاء ليحلن لي، إنا قد عرفنا الذي نهينا عنه، نهينا عن الدباء والنقير والحنتم والمزفت؛ فأما الدباء فإنا معشر ثقيف بالطائف كنا نأخذ الدباء فنخرط فيها عناقيد العنب ثم ندفنها، ثم نتركها حتى تهدر ثم تموت، وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة فيشدخون فيه الرطب والبسر، ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت، وأما الحنتم فجرار كان يحمل إلينا فيها الخمر، وأما المزفت فهي هذه الأوعية التي فيها هذا الزفت.
[مسند البزار = البحر الزخار] (9/ 135) :
3689 - حدثنا يحيى بن حكيم، قال: نا ابن أبي عدي، عن عيينة، عن أبيه، عن أبي بكرة ، أنه كان ينبذ له في جر أخضر، قال: فقدم أبو برزة من غيبة غابها فبدأ بمنزل أبي بكرة فلم يصادفه في المنزل فوقف على امرأته فسألها عن أبي بكرة فأخبرته ثم أبصر الجرة التي كان فيها النبيذ فقال: ما في هذه الجرة؟ قالت: نبيذ لأبي بكرة، قال: وددت أنك جعلتيه في سقاء ثم خرج، فأمرت بذلك النبيذ فجعل في سقاء، ثم جاء أبو بكرة فأخبرته عن أبي برزة الأسلمي، قال: ما في هذا السقاء؟ قالت: أمرنا أبو برزة أن نجعل نبيذك فيه، فقال: ما أنا بشارب مما فيه لئن جعلت الخمر في السقاء لتحلن لي، ولئن جعلت العسل في جر لتحرمن علي أنا قد عرفنا الذي نهينا عنه نهينا عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، فأما الدباء، فإنا معشر ثقيف كنا بالطائف نأخذ الدباءة فنخرط فيها عناقيد العنب، ثم ندفنها حتى تهدر، ثم تموت، وأما النقير، فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم يشدخون فيها الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت، وأما الحنتم فجرار حمر كانت تحمل إلينا فيها الخمر، وأما المزفت فهذه الأوعية التي فيها المزفت " وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه حدث به مفسرا كما حدث به أبو بكرة إلا من هذا الوجه
السنن الكبير للبيهقي (17/ 462 ت التركي) :
17543 - حدثنا أبو بكر ابن فورك، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، حدثنى أبى قال: كان أبو بكرة ينتبذ له في جرة، فقدم أبو برزة من غيبة كان غابها فنزل بمنزل أبى بكرة قبل أن يأتى منزله.
فذكر الحديث في إنكار ما نبذ له في جرة، وقوله لامرأته: وددت أنك جعلتيه في سقاء.
وأن أبا بكرة حين جاء قال: قد عرفنا الذى نهينا عنه؛ نهينا عن الدباء والنقير والحنتم والمزفت، فأما الدباء فإنا معشر ثقيف بالطائف كنا نأخذ الدباء فنخرط فيها عناقيد العنب ثم ندفنها ثم نتركها حتى تهدر ثم تموت، وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة فيشدخون فيه الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت، وأما الحنتم فجرار كان يحمل إلينا فيها الخمر، وأما المزفت فهى هذه الأوعية التي فيها هذا الزفت.
قال الشيخ: كذا روى عن أبي بكرة، وقد قال جماعة من أهل العلم: إن المعنى في النهى عن الانتباذ في هذه الأوعية أن النبيذ فيها يكون أسرع إلى الفساد والاشتداد حتى يصير مسكرا، وهو في الأسقية أبعد منه، ثم وردت الرخصة في الأوعية كلها إذا لم يشربوا مسكرا، والله أعلم.