[حديثُ الصورةِ التي تَقولُ للميِّتِ في قبرِه: أنا عمَلُك الصالِحُ أو السيِّئُ]

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - إخبار النبي عن المغيبات# إحسان - الحث على الأعمال الصالحة# دفن ومقابر - أحوال الميت في القبر# جنائز وموت - روح الكافر بعد الموت# جنائز وموت - روح المؤمن بعد الموت
المصدر: تخريج العواصم والقواصم
الراوي: -
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:حديث صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (18534)، وعبدالرزاق (6737)، وابن أبي شيبة (12185) مطولاً من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.

الشرح والتوضيح

خرَجْنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم في جِنازةِ رجُلٍ مِن الأنصارِ، فانتهَيْنا إلى القبرِ ولَمَّا يُلحَدْ، فجلَس رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم وجلَسْنا حولَه كأنَّما على رُؤوسِنا الطَّيرُ وفي يدِه عُودٌ ينكُتُ به، فرفَع رأسَه فقال: استعِيذوا باللهِ مِن عذابِ القبرِ ثلاثَ مرَّاتٍ أو مرَّتينِ، ثمَّ قال: إنَّ العبدَ المُؤمِنَ إذا كان في انقطاعٍ مِن الدُّنيا، وإقبالٍ مِن الآخرةِ، نزَل إليه مِن السَّماءِ ملائكةٌ بِيضُ الوجوهِ، كأنَّ وجوهَهم الشَّمسُ، حتَّى يجلِسوا منه مَدَّ البصَرِ، معهم كفَنٌ مِن أكفانِ الجنَّةِ، وحَنُوطٌ مِن حَنُوطِ الجنَّةِ، ثمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الموتِ، فيقعُدُ عندَ رأسِه فيقولُ: أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبةُ، اخرُجي إلى مغفرةٍ مِن اللهِ ورِضوانٍ، فتخرُجُ تَسيلُ كما تَسيلُ القَطْرةُ مِن فِي السِّقاءِ، فإذا أخَذوها لم يَدَعوها في يدِه طَرفةَ عَيْنٍ، حتَّى يأخُذوها فيجعَلوها في ذلك الكفَنِ وذلك الحَنُوطِ، فيخرُجُ منها كأطيبِ نَفحةِ مِسكٍ وُجِدَتْ على وجهِ الأرضِ، فيصعَدونَ بها، فلا يمُرُّون بها على مَلَأٍ مِن الملائكةِ إلَّا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الطَّيِّبُ ؟ فيقولونَ: هذا فلانُ بنُ فلانٍ، بأحسَنِ أسمائِه الَّتي يُسمَّى بها في الدُّنيا، حتَّى ينتَهوا بها إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيستفتِحون، فيُفتَحُ لهم، فيستقبِلُهم مِن كلِّ سماءٍ مُقرَّبوها إلى السَّماءِ الَّتي تليها، حتَّى يُنتَهى به إلى السَّماءِ السَّابعةِ، قال: فيقولُ اللهُ: اكتُبوا كتابَ عبدي في عِلِّيِّينَ في السَّماءِ الرَّابعةِ وأعِيدوه إلى الأرضِ؛ فإنِّي منها خلَقْتُهم وفيها أُعِيدُهم ومنها أُخرِجُهم تارةً أخرى، فتُعادُ رُوحُه في جسدِه، ويأتيه مَلَكانِ فيُجلِسانِه فيقولانِ له: مَن ربُّكَ؟ فيقولُ: ربِّيَ اللهُ، فيقولانِ له: ما دينُكَ؟ فيقولُ: دِيني الإسلامُ، فيقولانِ له: ما هذا الرَّجلُ الَّذي بُعِثَ فيكم؟ فيقولُ: هو رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم فيقولانِ: ما عمَلُكَ؟ فيقولُ: قرَأْتُ كتابَ اللهِ وآمَنْتُ به وصدَّقْتُ به، فيُنادي منادٍ مِن السَّماءِ: أنْ صدَق عَبْدي؛ فأَفْرِشوه مِن الجنَّةِ، وألبِسوه مِن الجنَّةِ، وافتحَوا له بابًا إلى الجنَّةِ، فيأتيه مِن طِيبِها ورَوْحِها، ويُفسَحُ له في قبرِه مَدَّ بصَرِه، ويأتيه رجُلٌ حسَنُ الوجهِ حسَنُ الثِّيابِ طيِّبُ الرِّيحِ فيقولُ: أبشِرْ بالَّذي يسُرُّكَ، هذا يومُكَ الَّذي كُنْتَ توعَدُ، فيقولُ: ومَن أنتَ ؟ فوجهُكَ الوجهُ الَّذي يجيءُ بالخيرِ، فيقولُ: أنا عمَلُكَ الصَّالحُ، فيقولُ: ربِّ، أقِمِ السَّاعةَ، ربِّ، أقِمِ السَّاعةَ؛ حتَّى أرجِعَ إلى أهلي ومالي، وإنَّ العبدَ الكافرَ إذا كان في انقطاعٍ مِن الدُّنيا وإقبالٍ مِن الآخرةِ، نزَل إليه مِن السَّماءِ ملائكةٌ سودُ الوجوهِ، معهم المُسُوحُ، حتَّى يجلِسوا منه مَدَّ البصَرِ، ثمَّ قال: ثمَّ يجيءُ مَلَكُ الموتِ حتَّى يجلِسَ عند رأسِه، فيقولُ: يا أيَّتُها النَّفْسُ الخبيثةُ، اخرُجي إلى سَخَطِ اللهِ وغضَبِه، قال: فتَفرَّقُ في جسدِه، قال: فتخرُجُ، فينقطِعُ معها العُروقُ والعصَبُ، كما يُنزَعُ السَّفُّودُ مِن الصُّوفِ المبلولِ، فيأخُذُها، فإذا أخَذها لم يَدَعوها في يدِه طَرْفةَ عينٍ حتَّى يأخُذوها ويجعَلوها في تلكَ المُسوحِ، فيخرُجُ منها كأنتَنِ ريحِ جِيفةٍ وُجِدَتْ على ظهرِ الأرضِ، فيصعَدون بها، فلا يمُرُّون بها على ملأٍ مِن الملائكةِ إلَّا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الخبيثُ ؟ فيقولونَ: فلانُ بنُ فلانٍ، بأقبَحِ أسمائِه الَّتي كان يُسمَّى بها في الدُّنيا، حتَّى يُنتَهى بها إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيستفتِحون فلا يُفتَحُ له، ثمَّ قرَأ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] ، قال: فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: اكتُبوا كتابَ عبدي في سِجِّينَ في الأرضِ السُّفْلى وأعِيدوه إلى الأرضِ؛ فإنِّي منها خلَقْتُهم، وفيها أُعيدُهم، ومنها أُخرِجُهم تارةً أخرى، قال: فتُطرَحُ رُوحُه طَرْحًا، قال: ثمَّ قرَأ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] ، قال: فتُعادُ رُوحُه في جسَدِه، ويأتيه الملَكانِ فيُجلِسانِه فيقولانِ له: مَن ربُّكَ؟ فيقولُ: ها ها لا أدري، فيقولانِ له: وما دِينُكَ؟ فيقولُ: ها ها لا أدري، قال: فيُنادي منُادٍ مِن السَّماءِ: أَفرِشوا له مِن النَّارِ، وألبِسوه مِن النَّارِ، وافتَحوا له بابًا إلى النَّارِ، قال: فيأتيه مِن حَرِّها وسَمومِها، ويُضيَّقُ عليه قبرُه حتَّى تختلِفَ فيه أضلاعُه، ويأتيه رجُلٌ قبيحُ الوجهِ وقبيحُ الثِّيابِ، فيقولُ: أبشِرْ بالَّذي يَسُوءُكَ، هذا يومُكَ الَّذي كُنْتَ توعَدُ؟ فيقولُ: مَن أنتَ؟ فوجهُكَ الوجهُ الَّذي يَجيءُ بالشَّرِّ، فيقولُ: أنا عمَلُكَ الخبيثُ، فيقولُ: ربِّ، لا تُقِمِ السَّاعةَ، ربِّ، لا تُقِمِ السَّاعةَ! الراوي : البراء بن عازب المحدث : الوادعي المصدر : الصحيح المسند الصفحة أو الرقم: 141 خلاصة حكم المحدث : حسن التخريج : أخرجه أبو داود (4753) واللفظ له، والنسائي (2001)، وابن ماجه (1549) مختصراً، وأحمد (18557) باختلاف يسير مِن أركانِ الإيمانِ الإيمانُ باليَومِ الآخِرِ، وذلك يَتَضَمَّنُ كُلَّ ما يَكونُ بَعدَ المَوتِ، ويَدخُلُ في ذلك الإيمانُ بنَعيمِ القَبرِ وعَذابِه وفِتنَتِه، أي: سُؤالِ المَلكَينِ؛ فقد جاءَتِ النُّصوصُ مِنَ القُرآنِ والسُّنَّةِ أنَّ الشَّخصَ إذا ماتَ فإنَّه إمَّا أن يُنعَّمَ في قَبرِه أو يُعَذَّبَ حتَّى تَقومَ السَّاعةُ، والإيمانُ بنَعيمِ القَبرِ وعَذابِه هو مِنَ الإيمانِ بالغَيبِ الذي لا نَعلَمُ كَيفيَّتَه إلَّا عن طَريقِ الوَحيِ، وقد جاءَ بَعضُ تَفاصيلِ نَعيمِ القَبرِ وعَذابِه في السُّنَّةِ في حَديثِ البَراءِ بنِ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو حَديثٌ طَويلٌ مَشهورٌ جاءَ فيه أنَّ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم خَرَجوا مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جِنازةِ رَجُلٍ مِنَ الأنصارِ، حتَّى انتَهَوا، أي: وصَلوا إلى القَبرِ ولمَّا يُلحَدْ، أي: قَبلَ إدخالِ المَيِّتِ في اللَّحدِ، وهو الشِّقُّ الذي يُعمَلُ في جانِبِ القَبرِ لمَوضِعِ المَيِّتِ، وأصلُ الإلحادِ: المَيلُ والعُدولُ عنِ الشَّيءِ.

وسُمِّي اللَّحدُ بذلك؛ لأنَّه قد أُميلَ عن وسَطِ القَبرِ، فعِندَ ذلك جَلَسَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجَلَسَ الصَّحابةُ حَولَه يَنتَظِرونَ أن يَتِمَّ عَمَلُ اللَّحدِ والدَّفنُ، وكانوا كَأنَّما على رُؤوسِهم الطَّيرُ، أي: جالِسينَ بسُكونٍ ووقارٍ كَأنَّما على رؤوسِهم الطَّيرُ؛ لأنَّ الطَّيرَ لا يكادُ يقَعُ إلَّا على شَيءٍ ساكِنٍ.

وهذا كِنايةٌ عن غايةِ السُّكونِ، أي: لا يَتَحَرَّكُ مِنَّا أحَدٌ تَوقيرًا لمَجلسِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفي يَدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عودٌ يَنكُتُ به، أي: يَضرِبُ الأرضَ بطَرَفِه ليُؤَثِّرَ فيه، وهو فِعلُ المُفكِّرِ في أمرٍ عَظيمٍ يُحَدِّثُ نَفسَه به، وناهيك بذِكرِ المَوتِ وعِظَمِ خَطَرِه والتَّفكُّرِ فيه! فرَفعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَأسَه فقال: استَعيذوا باللهِ مِن عَذابِ القَبرِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ أو مَرَّتَينِ، أي: اعتَصِموا باللهِ واطلُبوا مِنه أن يُجيرَكُم مِن عَذابِ القَبرِ.

ثُمَّ شَرَعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُحَدِّثُهم عن حالِ المُؤمِنِ وحالِ الكافِرِ إذا ماتَ وأُدخِلَ القَبرَ، فقال: إنَّ العَبدَ المُؤمِنَ إذا كان في انقِطاعٍ مِنَ الدُّنيا وإقبالٍ مِنَ الآخِرةِ، أي: إذا دَنا أجَلُه وصارَ في حالةِ الاحتِضارِ، نَزَلَ إليه مِنَ السَّماءِ مَلائِكةٌ بِيضُ الوُجوهِ، كَأنَّ وُجوهَهمُ الشَّمسُ، حتَّى يَجلِسوا مِنه، أي: مِنَ العَبدِ المُؤمِنِ، مَدَّ البَصَرِ، أي: مُنتَهى بَصَرِه، مَعَهم كَفَنٌ مِن أكفانِ الجَنَّةِ، وحَنوطٌ مِن حَنوطِ الجَنَّةِ.

وهو ما يُخلَطُ مِنَ الطِّيبِ لأكفانِ المَوتى وأجسامِهم خاصَّةً، ثُمَّ يَجيءُ مَلَكُ المَوتِ، فيَقعُدُ عِندَ رَأسِه، أي: عِندَ رَأسِ المُحتَضَرِ، فيَقولُ: أيَّتُها النَّفسُ الطَّيِّبةُ، اخرُجي إلى مَغفِرةٍ مِنَ اللهِ ورِضوانٍ، فتَخرُجُ تَسيلُ كما تَسيلُ القَطرةُ مِن في السِّقاءِ.

وهو ظَرفُ الماءِ يَكونُ مِنَ الجِلدِ.

والمَعنى: أنَّ رُوحَه تَخرُجُ بكُلِّ يُسرٍ وسُهولةٍ كسُهولةِ تَقطيرِ الماءِ مِن فَمِ القِربةِ، فإذا أخَذوها، أي: أخَذَ المَلائِكةُ الرُّوحَ لَم يَدَعوها في يَدِه، أي: يَدِ مَلَكِ المَوتِ، طَرْفةَ عَينٍ، أي: لَحظةً ولَمحةً، حتَّى يَأخُذوا هذه الرُّوحَ فيَجعَلوها في ذلك الكَفَنِ الذي هو مِنَ الجَنَّةِ وذلك الحَنوطِ أيضًا، فيَخرُجُ مِن هذه الرُّوحِ كَأطيَبِ نَفحةِ مِسكٍ وُجِدَت على وَجهِ الأرضِ، أي: يَفوحُ مِنها كَأطيَبِ رائِحةِ مِسكٍ وُجِدَت على وَجهِ الأرضِ، فيَصعَدونَ بروحِه إلى السَّماءِ، فلا يَمُرُّونَ بها على مَلَأٍ، أي: جَماعةٍ مِنَ المَلائِكةِ، إلَّا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ أي: سَألوا عن صاحِبِ هذه الرُّوحِ التي تَنبَعِثُ مِنها هذه الرَّائِحةُ الطَّيِّبةُ، فيَقولونَ: هذا فُلانُ بنُ فُلانٍ، بأحسَنِ أسمائِه التي يُسَمَّى بها في الدُّنيا، حتَّى يَنتَهوا بروحِه إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَستَفتِحونَ، أي: يَطلُبونَ ويَستَأذِنونَ أن يُفتَحَ لَهم بابُ السَّماءِ، فيُفتَحُ لَهم، فيَستَقبِلُهم مِن كُلِّ سَماءٍ مُقَرَّبوها إلى السَّماءِ التي تَليها، أي: يَتبَعُه ويَسيرُ مَعَه مِن كُلِّ سَماءٍ مُقَرَّبوها، وهم رُؤَساؤُها المُقَرَّبونَ عِندَ اللهِ مِنَ المَلائِكةِ، حتَّى يُنتَهى بروحِه إلى السَّماءِ السَّابعةِ؛ لتُعرَضَ على اللهِ رَبِّ العالَمينَ، وعِندَ ذلك يَقولُ اللهُ تعالى للمَلائِكةِ: اكتُبوا كِتابَ عَبدي في عِلِّيِّينَ في السَّماءِ الرَّابعةِ -أي: اكتُبوا كِتابَه في مَكانٍ عالٍ، وعِلِّيُّونَ: هو عُلوٌّ بَعدَ عُلوٍّ، وشَرَفٌ بَعدَ شَرَفٍ، وكُلَّما عَلا الشَّيءُ وارتَفعَ عَظُم واتَّسَعَ- وأعيدوه إلى الأرضِ؛ فإنِّي مِنها خَلَقتُهم وفيها أُعيدُهم ومِنها أخرِجُهم تارةً، أي: مَرَّةً أُخرى، كما قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55] .

فعِندَ ذلك تُعادُ روحُ المُؤمِنِ في جَسَدِه في القَبرِ، ويَأتيه مَلَكانِ فيُجلِسانِه فيَقولانِ له: مَن رَبُّك؟ فيَقولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فيَقولانِ له: ما دينُك؟ فيَقولُ: ديني الإسلامُ، فيَقولانِ له: ما هذا الرَّجُلُ الذي بُعِثَ فيكُم؟ أي: أُرسِلَ إليكم، فيَقولُ: هو رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

فيَقولانِ له: ما عَمَلُك؟ فيَقولُ: قَرَأتُ كِتابَ اللهِ، أي: القُرآنَ، وآمَنتُ به، أي: بالقُرآنِ أو بالنَّبيِّ أنَّه حَقٌّ، وصَدَّقتُ به، أي وصَدَّقتُه بما قال، أو صَدَّقتُ بما في القُرآنِ.

وإنَّما كان السُّؤالُ عن هذه الثَّلاثِ دونَ غَيرِها؛ لأنَّ مَن أتى بهذه الثَّلاثِ ورَضيَ بها فقد ذاقَ طَعمَ الإيمانِ، وتَحَقَّقَ كَمالُ إيمانِه؛ فعِندَ ذلك يُنادي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: أنْ صَدقَ عَبدي؛ فأَفرِشوه مِنَ الجَنَّةِ، أي: اجعَلوا فَرشَه في قَبرِه مِن فِراشِ الجَنَّةِ، وألبِسوه مِنَ الجَنَّةِ، أي: اجعَلوا مَلابِسَه مِن مَلابِسِ الجَنَّةِ، وافتَحوا له بابًا إلى الجَنَّةِ، أي: ليَرى مَنزِلَتَه فيها، فيَأتيه مِن طِيبِها، أي: طِيبِ رائِحَتِها العَطِرةِ ورَوحِها.

والرَّوحُ: هو الرَّاحةُ والنَّسيمُ، ويُفسَحُ، أي: يُوسَّعُ له في قَبرِه مَدَّ بَصَرِه، أي: مُنتَهى بَصَرِه، ثُمَّ يَأتيه رَجُلٌ حَسَنُ الوَجهِ حَسَنُ الثِّيابِ طَيِّبُ الرِّيحِ، فيَقولُ له: أبشِرْ بالذي يَسُرُّك، أي: لَك البُشرى بما يَسُرُّك، هذا يَومُك الذي كُنتَ تُوعَدُ، أي: بما وعَدَك اللَّهُ تعالى به في القُرآنِ أنَّ المُؤمِنَ الصَّادِقَ له البُشرى والسَّعادةُ، فهو قد تحَقَّق لَك، فيَقولُ المُؤمِنُ: ومَن أنتَ؟! فوجهُك الوَجهُ الذي يَجيءُ بالخَيرِ، أي: مَن تَكونُ أنتَ؛ فوَجهُك يَدُلُّ على الخَيرِ وفيه الخَيرُ، فيَقولُ الرَّجُلُ: أنا عَمَلُك الصَّالحُ، أي: يَتَمَثَّلُ له عَمَلُه الصَّالحُ في صورةِ رَجُلٍ حَسَنِ الوَجهِ حَسَنِ الثِّيابِ، فمِن شِدَّةِ فرَحِ المُؤمِنِ بذلك يَتَمَنَّى أن تَقومَ السَّاعةُ ذلك الوقتَ! فيَقولُ: رَبِّ أقِمِ السَّاعةَ، رَبِّ أقِمِ السَّاعةَ؛ حتَّى أرجِعَ إلى أهلي ومالي! وذلك لأنَّ النَّعيمَ بَعدَ قيامِ السَّاعةِ أعظَمُ وأعظَمُ.

ثُمَّ ذَكَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حالَ العَبدِ الكافِرِ، فقال: وإنَّ العَبدَ الكافِرَ إذا كان في انقِطاعٍ مِنَ الدُّنيا وإقبالٍ مِنَ الآخِرةِ، أي: وذلك عِند حُضورِ أجَلِه، فيَكونُ قدِ انتَهى أجَلُه ويَنتَظِرُ خُروجَ روحِه، نَزَلَ إليه مِنَ السَّماءِ مَلائِكةٌ سودُ الوُجوهِ، مَعَهمُ المُسوحُ، جَمعُ المِسْحِ، وهو اللِّباسُ الخَشِنُ المَمقوتُ، حتَّى يَجلِسوا مِنَ الكافِرِ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجيءُ مَلَكُ المَوتِ حتَّى يَجلِسَ عِندَ رَأسِه، فيَقولُ لَها: يا أيَّتُها النَّفسُ الخَبيثةُ، اخرُجي إلى سَخَطِ اللَّهِ وغَضَبِه، فتَفرَّقُ في جَسَدِه، أي: تَتَوزَّعُ روحُه في جَسَدِه، وهو كِنايةٌ عن شِدَّةِ الرُّعبِ والفزَعِ، وكَأنَّها تُريدُ الهَرَبَ عِندَ سَماعِ هذه الجُملةِ، ولَكِن لا مَناصَ، قال: فتَخرُجُ، فيَنقَطِعُ مَعَها العُروقُ والعَصَبُ، كما يُنزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ المَبلولِ بالماءِ.

والسَّفُّودُ: حَديدةٌ ذاتُ شُعَبٍ يُشوى بها اللَّحمُ، فكَما يَبقى مَعَها بَقيَّةٌ مِنَ المَحروقِ كذلك يَصحَبُها عِندَ الجَذبِ شَيءٌ مِنَ الصُّوفِ المَبلولِ، وهو كِنايةٌ عن تَمزيقِ جِسمِه وصُعوبةِ خُروجِ روحِه.

فيَأخُذُها مَلَكُ المَوتِ، فإذا أخَذَها لَم يَدَعوها -أي المَلائِكةُ الذينَ مَعَ مَلَكِ المَوتِ- في يَدِ مَلَكِ المَوتِ طَرْفةَ عَينٍ، أي: لَحظةً ولَمحةً، حتَّى يَأخُذوها ويَجعَلوها في تلك المُسوحِ التي مِنَ النَّارِ، فيَخرُجُ مِن رُوحِه كَأنتَنِ ريحِ جيفةٍ وُجِدَت على ظَهرِ الأرضِ، أي: تَكونُ رائِحةُ رُوحِه مُنتِنةً كرائِحةِ جيفةٍ قَذِرةٍ، فيَصعَدونَ برُوحِه إلى السَّماءِ، فلا يَمُرُّونَ بها على مَلَأٍ، أي: جَماعةٍ مِنَ المَلائِكةِ، إلَّا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الخَبيثُ؟! أي: لمَن هذه الرُّوحُ الخَبيثةُ التي تنبَعِثُ مِنها هذه الرَّائِحةُ النَّتِنةُ، فيَقولونَ: فلانُ بنُ فُلانٍ، بأقبَحِ أسمائِه التي كان يُسَمَّى بها في الدُّنيا، حتَّى يُنتَهى برُوحِه إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَستَفتِحونَ، أي: يَطلُبونَ ويَستَأذِنونَ أن يُفتَحَ لَهم بابُ السَّماءِ، فلا يُفتَحُ له، ثُمَّ قَرَأ رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِصداقًا لذلك قَولَه تعالى: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] ، أي: حتَّى يَدخُلَ البَعيرُ في خَرقِ الإبرةِ، ويَقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: اكتُبوا كِتابَ عَبدي في سِجِّينٍ في الأرضِ السُّفلى.

وسِجِّينٌ: هو الحَبسُ والضِّيقُ؛ فإنَّ المَخلوقاتِ كُلُّ ما تسافَل مِنها ضاقَ، وكُلُّ ما تعالى مِنها اتَّسَعَ، وأعيدوه إلى الأرضِ؛ فإنِّي مِنها خَلَقتُهم وفيها أُعيدُهم، ومِنها أُخرِجُهم تارةً، أي: مَرَّةً أُخرى، فتُطرَحُ رُوحُه طَرحًا، أي: تُلقى وتُرمى رَميًا، ثُمَّ قَرَأ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِصداقَ ذلك في كِتابِ اللهِ تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ} أي: سقَط من السَّماءِ، {فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} أي: تُقَطِّعُه الطُّيورُ في الهَواءِ {أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] ، أي: بَعيدٍ مُهلِكٍ، وهو يَنطَبقُ على ما يُفعَلُ بروحِ الكافِرِ؛ لأنَّها تُرمى مِنَ السَّماءِ إلى ما أعَدَّه اللهُ لَها مِنَ العَذابِ والشَّقاءِ؛ ولذلك استَشهَدَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالآيةِ، ثُمَّ تُعادُ روحُه في جَسَدِه، أي: في القَبرِ، ثُمَّ يَأتيه المَلكانِ فيُجلسانِه فيَقولانِ له: مَن رَبُّك؟ فيَقولُ: ها ها! وهيَ كَلِمةٌ يَقولُها المُتَحَيِّرُ الذي لا يَقدِرُ مِن حَيرَتِه للخَوفِ أو لعَدَمِ الفصاحةِ أن يَستَعمِلَ لسانَه في فيه، أو يَقولُها المُتَوجِّعُ الذي يَتَوجَّعُ لعَدَمِ مَعرِفةِ الجَوابِ ولِما حَصَلَ له مِنَ الارتِباكِ والخَوفِ وسوءِ العاقِبةِ، لا أدري، أي: شَيئًا ما أو ما أُجيبُ به، وهذا كَأنَّه بَيانٌ لقَولِه: ها ها، فيَقولانِ له: وما دينُك؟ فيَقولُ: ها ها! لا أدري، فعِندَ ذلك يُنادي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: أَفرِشوا له مِنَ النَّارِ، أي: اجعَلوا فَرْشَ قَبرِه مِنَ النَّارِ، وألبِسوه مِنَ النَّارِ، أي: اجعَلوا مَلابِسَه مِنَ النَّارِ، وافتَحوا له، أي: في قَبرِه بابًا إلى النَّارِ حتَّى يَرى مَقعَدَه فيها، فيَأتيه مِن حَرِّها، أي: لَهَبِ النَّارِ، وسَمومِها.

وهيَ الرِّيحُ الحارَّةُ، ويُضَيَّقُ -مِنَ التَّضييقِ- عليه قَبرُه حتَّى تَختَلِفَ أضلاعُه.

جَمعُ ضِلعٍ، وهو عَظمُ الجَنبِ، أي: حتَّى يَدخُلَ بَعضُها في بَعضٍ مِن شِدَّةِ التَّضييقِ والضَّغطةِ، ثُمَّ يَأتيه رَجُلٌ قَبيحُ الوجهِ وقَبيحُ الثِّيابِ، فيَقولُ له: أبشِرْ بالذي يَسوؤك، أي: لَك البُشرى بما يَسوؤك، فهذا يَومُك الذي كُنتَ توعَدُ، أي: الذي وعَدَك اللهُ به وذَكَرَه في القُرآنِ لمَن كَذَّبَ وعَصى، فيَقولُ: مَن أنتَ؟ فوَجهُك الوَجهُ الذي يَجيءُ بالشَّرِّ، فيَقولُ: أنا عَمَلُك الخَبيثُ، أي: تُمَثَّلُ له أعمالُه الخَبيثةُ بصورةِ رَجُلٍ خَبيثِ الوَجهِ خَبيثِ الرِّيحِ، فمِن شِدَّةِ خَوفِه يَتَمَنَّى ألَّا تَقومَ السَّاعةُ؛ لأنَّه يَعلَمُ أنَّ مَصيرَه إلى النَّارِ وبئسَ القَرارُ، فيَقولُ: رَبِّ لا تُقِمِ السَّاعةَ، رَبِّ لا تُقِمِ السَّاعةَ؛ وذلك لأنَّ العَذابَ فيها أشَدُّ وأشَدُّ.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ تَشييعِ الجِنازةِ.

وفيه خُروجُ كَبيرِ القَومِ مَعَ أصحابِه لتَشييعِ الجِنازةِ.

وفيه مَشروعيَّةُ المَوعِظةِ عِندَ القَبرِ.

وفيه شِدَّةُ تَوقيرِ الصَّحابةِ لمَجلِسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه مَشروعيَّةُ الضَّربِ بالعودِ في الأرضِ إذا كان الإنسانُ مُتَفكِّرًا بشَيءٍ أو مَهمومًا.

وفيه الإيمانُ بفِتنةِ القَبرِ.

وفيه الأمرُ بالاستِعاذةِ مِن عَذابِ القَبرِ.

وفيه تَكريرُ الاستِعاذةِ والدُّعاءِ مِمَّا يُخافُ منه.

وفيه إثباتُ نَعيمِ القَبرِ.

وفيه إثباتُ عَذابِ القَبرِ.

وفيه أنَّ مَلَكَ المَوتِ له أعوانٌ ومُساعِدونَ.

وفيه صِفةُ المَلائِكةِ الذينَ يَنزِلونَ لقَبضِ الرُّوحِ.

وفيه أنَّ الرُّوحَ لَها صِفاتٌ فتَخرُجُ وتَصعَدُ وتَذهَبُ وتَجيءُ.

وفيه سُهولةُ خُروجِ روحِ المُؤمِنِ.

وفيه أنَّ الرُّوحَ تُكَفَّنُ وتُحَنَّطُ مِثلَ الجَسَدِ.

وفيه مَحَبَّةُ المَلائِكةِ لرُوحِ المُؤمِنِ.

وفيه اهتِمامُ مَلائِكةِ السَّماءِ بروحِ المُؤمِنِ.

وفيه إثباتُ صِفةِ العُلوِّ للهِ تعالى.

وفيه إثباتُ صِفةِ الكَلامِ للهِ تعالى.

وفيه إثباتُ السُّؤالِ في القَبرِ.

وفيه أنَّ أحوالَ البَرزَخِ في القَبرِ تَختَلفُ عَمَّا نُشاهِدُه.

وفيه تَمَثُّلُ الأعمالِ وهيَ مَعنَويَّةٌ بأُمورٍ حِسِّيَّةٍ مُشاهَدةٍ.

وفيه فرَحُ المُؤمِنِ بما يُلاقيه في قَبرِه حتَّى يَتَمَنَّى قيامَ السَّاعةِ.

وفيه شِدَّةُ خُروجِ روحِ الكافِرِ.

وفيه بُغضُ المَلائِكةِ لروحِ الكافِرِ.

وفيه الدُّعاءُ على روحِ الكافِرِ بالسَّخَطِ والغَضَبِ.

وفيه خُبثُ ريحِ الكافِرِ.

وفيه مَشروعيَّةُ تَأييدِ الأحاديثِ والاستِشهادُ لَها مِنَ القُرآنِ.

وفيه شِدَّةُ عَذابِ الكافِرِ في قَبرِه حتَّى يَتَمَنَّى عَدَمَ قيامِ السَّاعةِ .

الأصول والأحكام

[مسند أحمد] (30/ 499) 18534- حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن منهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب ، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلسنا حوله، كأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، فرفع رأسه، فقال: (( استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين، أو ثلاثا،))، ثم قال: (( إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، عليه السلام، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان)).

قال: (( فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض)) قال: (( فيصعدون بها، فلا يمرون، يعني بها، على ملإ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى)).

قال: (( فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت، فينادي مناد في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة)).

قال: (( فيأتيه من روحها، وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره)).

قال: (( ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي، ومالي)).

قال: (( وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب)).

قال: (( فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له))، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40] فيقول الله عز وجل: (( اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا)).

ثم قرأ: {ومن يشرك بالله، فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج: 31] (( فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها، وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة))

مصنف عبد الرزاق (3/ 580) 6737- عبد الرزاق عن معمر عن يونس خباب عن المنهال بن عمر عن زاذان عن البراء قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى جنازة فجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم على القبر وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير وهو يلحد له فقال أعوذ بالله من عذاب القبر ثلاث مرات ثم قال إن المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت عليه الملائكة كأن وجوهها الشمس مع كل واحد كفن وحنوط فجلسوا منه مد البصر حتى إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وفتحت له أبواب السماء ليس من اهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه قبلهم فإذا عرج بروحه قبلهم قالوا أي رب عبدك فلان فيقول ارجعوه فإني عهدت إليهم أني منها خلقتهم وفيها نعيدهم ومنها نخرجهم تارة أخرى فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه فيأتيه آت فيقول من ربك ما دينك من نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد عليه السلام فينتهره فيقول من ربك وما دينك ومن نبيك وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فذلك حين يقول يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة فيقول ربي الله وديني الاسلام ونبيي محمد عليه السلام فيقول له صدقت ثم يأتيه آت حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب فيقول له أبشر بكرامة من الله ونعيم مقيم فيقول أنت بشرك الله بخير من أنت فيقول أنا عملك الصالح كنت والله سريعا في طاعة الله بطيئا في معصية الله فجزاك الله خيرا ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال هذا منزلك لو عصيت الله أنزلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي فيقال اسكن وإن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزلت إليه ملائكة غلاظ شداد ينتزعون روحه كما ينتزع السفود الكبير الشعب من الصوف المبتل وينتزع نفسه مع العروق فإذا خرج روحه لعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء ويغلق أبواب السماء ليس أهل باب إلا وهم يدعون أن لا يعرج بروحه قبلهم إذا عرج بروحه قالوا ربنا هذاعبدك فلان فيقول ارجعوه إني عهدت إليهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه فيأتيه آت فيقول من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه و سلم فينتهره انتهارا شديدا فيقول من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول لا أدري فيقول لا دريت ولا تلوت فيأتيه آت قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بهوان من الله وعذاب مقيم فيقول وأنت فبشرك الله بالشر من أنت فيقول أنا عملك الخبيث كنت بطيئا عن طاعة الله سريعا في معصية الله فجزاك الله شرا ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبلا كان ترابا فيضربه ضربة فيصير ترابا ثم يعيده الله كما كان فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين ثم يفتح له باب من النار ويمهد له فراش من النار قال معمر وسمعته عن معاذ أنه قال يسمعه كل شيء الا الثقلين

مصنف ابن أبي شيبة (3/ 380) 12185- حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان: عن البراء ، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار , فانتهينا إلى القبر ولما يلحد , فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير , وفي يده عود ينكت به , فرفع رأسه، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر ثلاث مرات، أو مرتين، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه , كأن وجوههم الشمس , حتى يجلسون منه مد البصر , معهم كفن من أكفان الجنة , وحنوط من حنوط الجنة، ثم يجيء ملك الموت فيقعد عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان , فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها , فإذا أخذوها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن , وذلك الحنوط , فيخرج منها كأطيب نفخة مسك وجدت على وجه الأرض , فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملك من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: هذا فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا , حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا , فيستفتح فيفتح لهم , فيستقبله من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها , حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، قال: فيقول الله تعالى اكتبوا كتاب عبدي في عليين في السماء الرابعة , وأعيدوه إلى الأرض , فإني منها خلقتهم , وفيها أعيدهم , ومنها أخرجهم تارة أخرى , فيعاد روحه في جسده , ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله فيقولان له: ما دينك؟ فيقول ديني الإسلام , فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيقولان: ما عملك به؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت به , فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة , وألبسوه من الجنة , وافتحوا له بابا إلى الجنة , فيأتيه من طيبها وروحها , ويفسح له في قبره مد بصره , ويأتيه رجل حسن الوجه , حسن الثياب , طيب الريح , فيقول: أبشر بالذي يسرك , هذا يومك الذي كنت توعد , فيقول: ومن أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير , فيقول: أنا عملك الصالح , فيقول: رب أقم الساعة , رب أقم الساعة , حتى أرجع إلى أهلي ومالي , وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا , وإقبال من الآخرة , نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه , معهم المسوح , حتى يجلسون منه مد البصر، قال: ثم يجيء ملك الموت , حتى يجلس عند رأسه , فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة , اخرجي إلى سخط الله وغضبه، قال: فتفرق في جسده، قال: فتخرج تقطع معها العروق والعصب , كما تنزع السفود من الصوف المبلول , فيأخذوها فإذا أخذوها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في تلك المسوح , فيخرج منها كأنتن جيفة وجدت على ظهر الأرض , فيصعدون بها , فلا يمرون بها على ملك من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان , بأقبح الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا , فيستفتحون فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} قال: فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى , وأعيدوه إلى الأرض , فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم , ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فيطرح روحه طرحا، قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} قال: فيعاد روحه في جسده , ويأتيه ملكان , فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاها لا أدري , ويقولان: له وما دينك , فيقول: هاها لا أدري، قال: فينادي مناد من السماء , أفرشوا له من النار , وألبسوه من النار , وافتحوا له بابا إلى النار، قال: فيأتيه من حرها وسمومها , ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه , ويأتيه رجل قبيح الوجه , وقبيح الثياب , منتن الريح , فيقول: أبشر بالذي يسوؤك , هذا يومك الذي كنت توعد , فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث , فيقول: رب لا تقم الساعة , رب لا تقم الساعة.

أحاديث ذات صلة