ثم ذَكَرَ بإسنادِه مِثلَه، وزادَ: فإذا أرادَ إنسانٌ فَتحَ شَيءٍ من تلك الأبوابِ، [يعني حديثَ: ضَرَبَ اللهُ عزَّ وجلَّ مَثَلًا صِراطًا مُستقيمًا، وعلى جَنَبتيِ الصِّراطِ سورٌ فيه أبوابٌ مُفتَّحةٌ، وعلى الأبوابِ السُّتورُ مُرْخاةٌ، وعلى بابِ الصِّراطِ داعٍ يقولُ: يا أيُّها الناسُ، ادخُلوا الصِّراطَ جميعًا، ولا تَعوَجُّوا، وداعٍ يَدْعو من فَوقِ الصِّراطِ.
فإذا أرادَ -كأنَّهم يَعْنونَ رَجُلًا- فَتحَ شَيءٍ من تلك الأبوابِ، قال: وَيحَكَ لا تَفتَحْه، فإنَّكَ إنْ تَفتَحْه تَلِجْهُ فالصِّراطُ: الإسلامُ، والسُّتورُ: حُدودُ اللهِ عزَّ وجلَّ، والأبوابُ المُفتَّحةُ: محارمُ اللهِ عزَّ وجلَّ، وذلك الداعي على رأسِ الصِّراطِ: كتابُ اللهِ تعالى، والداعي مِن فَوقِه -كأنَّه يعني الصِّراطَ- واعظُ اللهِ عزَّ وجلَّ في قَلبِ كُلِّ مُسلِمٍ.]
«ضَرَبَ اللهُ مَثلًا صِراطًا مُسْتَقيمًا، وعلى كَنفَيِ الصِّراطِ سُورانِ فيهِما أَبْوابٌ مُفَتَّحةٌ، وعلى الأَبْوابِ سُتورٌ مُرْخاةٌ، وعلى الصِّراطِ داعٍ يَدْعو يقولُ: يا أَيُّها النَّاسُ، اسْلُكوا الصِّراطَ جَميعًا، ولا تَعْوَجُّوا، وداعٍ يَدْعو على الصِّراطِ، فإذا أَرادَ أَحَدُهُمْ فَتْحَ شَيْءٍ مِنْ تلك الأَبْوابِ قالَ: وَيْلَكَ لا تَفْتَحْهُ؛ فإنَّكَ إنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، فالصِّراطُ: الإسْلامُ، والسُّتورُ: حُدودُ اللهِ، والأَبْوابُ الْمُفَتَّحةُ محارِمُ اللهِ، والدَّاعي الَّذي على رَأْس الصِّراطِ كتابُ اللهِ، والدَّاعي مِن فَوْقُ واعِظُ اللهِ في كُلِّ مُسْلِمٍ».
الراوي : النواس بن سمعان المحدث : الحاكم المصدر : المستدرك على الصحيحين الصفحة أو الرقم: 247 خلاصة حكم المحدث : صحيح على شرط مسلم لضَربِ الأمثالِ شَأنٌ عَظيمٌ في إبرازِ المَعقولِ في هَيئةِ المَحسوسِ، وإرادةِ المُتَخَيَّلِ مُتَحَقِّقًا، ومِنَ الأساليبِ التي امتازَ بها البَيانُ في القُرآنِ والسُّنَّةِ النَّبَويَّةِ ضَربُ الأمثالِ لتَقريبِ المَفاهيمِ للنَّاسِ عِندَ وعظِهم وتَعليمِهم.
وفي هذا الحَديثِ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا، أي: بَيَّن مَثَلًا لعِبادِه، صِراطًا مُستَقيمًا، وهو: الطَّريقُ المُمتَدُّ الذي لا اعوِجاجَ فيه، وعن كَنَفَي الصِّراطِ، أي: على طَرَفَي أو جانِبَي هذا الطَّريقِ، سورانِ، أي: جِدارانِ يُحيطانِ به مِن جِهَتَيه، فيهما، أي: يَتَخَلَّلُ هَذَين الجِدارَينِ أبوابٌ مُفتَّحةٌ، أي: مَردودةٌ غَيرُ مُغلقةٍ، وعلى الأبوابِ سُتورٌ، جَمعُ سِترٍ، مُرَخاةٌ، أي: مُرسَلةٌ، والمَعنى: أنَّه مُلقًى على تلك الأبوابِ سَتائِرُ لا تُظهِرُ للمارِّ على الصِّراطِ مَن بداخِلِها، وعِندَ رَأسِ الصِّراطِ داعٍ، أي: في أوَّلِه، والمُرادُ بالدَّاعي: هو مَن يُرشِدُ النَّاسَ إلى أمرِهم على هذا الطَّريقِ، وهذا الدَّاعي يَقولُ للنَّاسِ: يا أيُّها النَّاسُ، اسلُكوا الصِّراطَ جَميعًا ولا تَعْوَجُّوا، أي: سيروا عليه دونَ أن تَميلوا إلى الأطرافِ والجَوانِبِ، وداعٍ يَدعو على الصِّراطِ، أي: هناكَ داعٍ آخَرُ فوقَ الدَّاعي الذي يَدعو النَّاسَ على رَأسِ الصِّراطِ، فإذا أرادَ أحَدُهم فَتحَ شَيءٍ مِن تلك الأبوابِ، أي: كُلَّما همَّ عَبدٌ، وأرادَ أن يَفتَحَ شَيئًا مِن سُتورِها، قال له، أي: هذا الدَّاعي: وَيلَك! وهيَ كَلِمةُ تَرَحُّمٍ وتَوجُّعٍ تُقالُ لمَن وقَعَ في هَلَكةٍ لا يَستَحِقُّها، ثُمَّ استُعمِلَت لمُجَرَّدِ الزَّجرِ، لا تَفتَحْه، أي: زَجَرَه عن فتحِ هذه الأبوابِ، وحَذَّرَه مِن ذلك؛ فإنَّك إن تَفتَحْه تَلِجْه، أي: لو فَتَحتَ هذه الأبوابِ لن تَستَطيعَ أن تُمسِكَ نَفسَك عنِ الدُّخول، ثُمَّ فسَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذا المَثَلَ؛ فأخبَرَ أنَّ الصِّراطَ هو الإسلامُ، وهو طَريقٌ مُستَقيمٌ، والمَطلوبُ مِنَ العَبدِ الاستِقامةُ عليه، والسُّتورُ: حُدودُ اللهِ، أي: الحَدُّ الفاصِلُ بَينَ العَبدِ ومَحارِمِ اللهِ تعالى، أي: ما حَدَّ العِبادَ عنه ومَنَعَهم مِن إتيانِه، ولعَلَّ المُرادَ مِنَ السُّتورِ الأُمورُ المَستورةُ غَيرُ المُبيَّنةِ مِنَ الدِّينِ، المُسَمَّاةُ بالشُّبهةِ، والأبوابُ المُفتَّحةُ مَحارِمُ اللهِ، أي: الأُمورُ التي حَرَّمَها اللهُ ونَهى عنها العِبادَ؛ فإنَّها أبوابٌ للخُروجِ عن كَمالِ الإسلامِ والاستِقامةِ، والدُّخولِ في العَذابِ والمَلامةِ، فلا يَقَعُ أحَدٌ في حُدودِ اللهِ حتَّى يَكشِفَ السِّترَ الذي على تلك الأبوابِ، فمَنِ انتَهَكَ المَحارِمَ هَتَكَ السُّتورَ، والدَّاعي على رَأسِ الصِّراطِ هو كِتابُ اللهِ، فإنَّه رَأسُ الإسلامِ وأصلُه، فكَأنَّه واقِفٌ على رَأسِ الإسلامِ فإنَّه يَدعو النَّاسَ إلى الدُّخولِ في الإسلامِ، ويَنهاهم عنِ اتِّباعِ طُرُقِ الضَّلالِ، فيَدعو النَّاسَ إلى الاستِقامةِ على أمرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بما فيه مِن أوامِرَ ونَواهٍ، وإرشاداتٍ وآدابٍ، وغَيرِ ذلك مِمَّا به يَكونُ صَلاحُ النَّاسِ وهدايَتُهم، والدَّاعي مِن فَوقٍ، أي: مِن فوقِ الصِّراطِ، هو واعِظُ اللَّهِ في قَلبِ كُلِّ مُسلِمٍ.
جَعلَه فوقَ الصِّراطِ وهو الإسلامُ؛ لأنَّه أقرَبُ إلى العَبيدِ وأقدَمُ، وهو الدَّاعي إلى اتِّباعِ الإسلامِ، وبه يَجِدُ العاصي خَورًا في القَلبِ، وقيل: هيَ لَمَّةُ المَلَكِ في قَلبِ كُلِّ مُسلمٍ، واللَّمَّةُ الأُخرى هيَ لَمَّةُ الشَّيطانِ، وإنَّما جُعِلت لَمَّةُ المَلَكِ -التي هيَ واعِظُ اللَّهِ- فوقَ داعي القُرآنِ؛ لأنَّه إنَّما يَنتَفِعُ به إذا كان المَحَلُّ قابلًا.
وفي الحَديثِ لُزومُ اتِّباعِ الصِّراطِ المُستَقيمِ.
وفيه الأمرُ باتِّباعِ القُرآنِ وما جاءَ فيه مِن أوامِرَ ونَواهٍ، والنَّهيُ عنِ الوُقوعِ في مَحارِمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وفيه أنَّ اللَّهَ سُبحانَه جَعَل للعِبادِ حَواجِزَ تَمنَعُهم مِنَ الوُقوعِ في المَعاصي.
وفيه إشعارٌ بتَسارُعِ النُّفوسِ إلى المَعاصي وأنَّها بمُجَرَّدِ رُؤيَتِها تَلِجُ فيها.
وفيه مَشروعيَّةُ ضَربِ الأمثالِ الحِسِّيَّةِ لتَقريبِ الفَهمِ للسَّامِعينَ .