حديثُ خالِدِ بنِ عُمَيرٍ: خطَبَنا عُتْبةُ بنُ غَزْوانَ على المِنبرِ، فقالَ: لقدْ رأيتُني سابِعَ سَبعةٍ مع رسولِ اللهِ ما لنا طَعامٌ نَأكُلُه إلَّا ورَقُ الشَّجرِ، حتَّى قَرِحتْ أشداقُنا.
خطَبَنا عُتْبةُ بنُ غَزْوانَ، فحمِدَ اللهَ وأثْنى عليه، ثمَّ قالَ: «أمَّا بعدُ، فإنَّ الدُّنيا قد آذَنَتْ بصُرمٍ، وولَّتْ حذَّاءَ، وإنَّما بَقيَ منها صُبابةٌ كصُبابةِ الإناءِ يَصطَبُّها صاحِبُها، وإنَّكم مُنتَقِلونَ منها إلى دارٍ لا زَوالَ لها، فانتَقِلوا منها بخَيرِ ما بحَضرَتِكم، فإنَّه قد ذُكِرَ لنا أنَّ الحَجرَ يُلْقى من شَفيرِ جَهنَّمَ فيَهْوي بها سَبعينَ عامًا، وما يُدرِكُ لها قَعرًا، فواللهِ لتَمْلأنَّه، أفعَجِبْتم وقد ذُكِرَ لنا أنْ مِصْراعَينِ من مَصاريعِ الجنَّةِ بيْنَهما أربَعونَ سَنةً، ولَيأْتينَّ عليه يومٌ وهو كَظيظُ الزِّحامِ، ولقد رأيْتُني وإنِّي لسابِعُ سَبعةٍ معَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ما لنا طَعامٌ إلَّا ورَقُ الشَّجرِ حتَّى قَرِحَتْ أشْداقُنا، وإنِّي التقَطْتُ بُرْدةً فشَقَقْتُها بَيْني وبيْنَ سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ فارِسِ الإسْلامِ، فاتَّزرْتُ بنِصفِها، واتَّزَرَ سَعدٌ بنِصفِها، وما أصبَحَ منَّا اليومَ أحَدٌ حيٌّ إلَّا أصبَحَ أميرَ مِصرٍ منَ الأمْصارِ، وإنَّني أعوذُ باللهِ أنْ أكونَ في نَفْسي عَظيمًا، وعندَ اللهِ صَغيرًا، وإنَّها لم تَكنْ نُبوَّةٌ قطُّ إلَّا تَناقَصَتْ حتَّى يكونَ عاقِبتُها مُلكًا، وستُجرِّبونَ، أو تَبلُونَ الأُمَراءَ بَعْدي».
الراوي : خالد بن عمير العدوي المحدث : الحاكم المصدر : المستدرك على الصحيحين الصفحة أو الرقم: 5227 خلاصة حكم المحدث : صحيح على شرط مسلم لاقى الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بدايةِ أمرِهمُ الشِّدَّةَ والفقرَ والحاجةَ، فصَبَروا على ذلك ابتِغاءَ ما عِندَ اللهِ تعالى، فماتَ بَعضُهم ولم يُدرِكْ حَظًّا مِنَ الدُّنيا، ثُمَّ فتَحَ اللهُ على الصَّحابةِ وأكرَمَهم وجاءَ الخَيرُ والنَّعيمُ، وأصبَحَ بَعضُهم أُمَراءَ على بَعضِ البُلدانِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ التَّابعيُّ خالِدُ بنُ عُمَيرٍ العَدَويُّ، فيَقولُ: خَطَبَنا عُتبةُ بنُ غَزوانَ رَضِيَ اللهُ عنه، أي: قامَ فيهم يَخطُبُ ويَعِظُهم ويُذَكِّرُهم، فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه، أي: أثنى عليه بما هو أهلٌ له سُبحانَه مِنَ الثَّناءِ والحَمدِ، ثُمَّ قال: أمَّا بَعدُ.
أتى بها اقتِداءً بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقد كان يَأتي بها في الخُطَبِ، وهيَ كَلمةٌ يُفصَلُ بها بَينَ الكَلامَينِ عِندَ إرادةِ الانتِقالِ مِن كَلامٍ إلى غَيرِه، أي: مَهما يَكُنْ مِن شَيءٍ فهو بَعدُ كَذا، فإنَّ الدُّنيا قد آذَنَت، أي: أعلَمَت وأشعَرَت، بصُرمٍ، أي: بذَهابٍ وانقِطاعٍ، وولَّت حَذَّاءَ، أي: أدبَرَت وذَهَبَت مُسرِعةَ الانقِطاعِ، والمَعنى: إنَّ الدُّنيا أدبَرَت مُنقَطِعةً عنكُم سَريعةَ الانقِطاعِ، وإنَّما بَقيَ مِنها، أي: مِنَ الدُّنيا، صُبابةٌ كصُبابةِ الإناءِ.
الصُّبابةُ: البَقيَّةُ اليَسيرةُ مِنَ الشَّرابِ تَبقى في أسفَلِ الإناءِ، شَبَّه ما بَقيَ مِن عُمرِ الدُّنيا بالشَّيءِ القَليلِ الذي يَبقى في الإناءِ.
يَصطَبُّها صاحِبُها، أي: يَشرَبُها صاحِبُها، والمَقصودُ بذلك قِصَرُ عُمرِ الدُّنيا.
وإنَّكُم مُنتَقِلونَ مِنها -أي: مِنَ الحَياةِ الدُّنيا؛ فليسَت هيَ بدارِ بَقاءٍ- إلى دارٍ لا زَوالَ لها، أي: باقيةٌ لا تَحوُّلَ مِنها ولا انتِقالَ، وهيَ الدَّارُ الآخِرةُ.
فانتَقِلوا مِنها، أي: مِنَ الدُّنيا إلى الآخِرةِ، بخَيرِ ما بحَضرَتِكُم، أي: بالتَّزَوُّدِ مِنَ الأعمالِ الصَّالحةِ حتَّى تَنتَقِلوا مِنَ الدُّنيا بخَيرِ ما فيها؛ وذلك أنَّ الأهوالَ يَومَ القيامةِ شَديدةٌ، ولا يَنجو إلَّا أصحابُ الأعمالِ الصَّالحةِ؛ فإنَّه قد ذُكِرَ لنا، أي: مِمَّا أخبَرَهم به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أنَّ الحَجَرَ يُلقى، أي: يُرمى مِن شَفيرِ، أي: جانِبِ وحَرفِ، جَهَنَّم، فيَهوي، أي: يَظَلُّ يَنزِلُ ويَسقُطُ بها سَبعينَ عامًا، وما يُدرِكُ لها قَعرًا، أي: لا يَصِلُ إلى أصلِها وأسفَلِها! فواللهِ لتُملَأَنَّهْ، أي: أقسَمَ باللهِ أنَّ النَّارَ مَعَ بُعدِ قَعرِها فإنَّها سَوف تُملأُ مِنَ الإنسِ والجِنِّ، أفعَجِبتُم، أي: أتَتَعَجَّبونَ مِن هذا الأمرِ الدَّالِّ على عِظَمِ قُدرةِ اللهِ تعالى وقوَّةِ انتِقامِه، فلا تَعجَبوا مِن هذا؛ فإنَّه لا بُدَّ مِن وُقوعِه، ولمَّا حَصَل عِندَ الحاضِرينَ مِن مَزيدِ الرَّهبةِ وعَظيمِ الخَوفِ مِمَّا سَمِعوه حتَّى كادوا أن يَظُنُّوا عُمومَ العَذابِ لجَميعِهم، أرادَ رَفعَ ذلك عنهم وإدخالَهم في مَيدانِ الرَّجاءِ؛ إعلامًا بسَعةِ رَحمةِ اللهِ تعالى وكَمالِ فَضلِه، فقال: وقد ذُكِرَ لنا أنَّ مِصراعَينِ مِن مَصاريعِ الجَنَّةِ -أي: أبوابِها، والمِصراعُ: البابُ، ولا يُقالُ له: مِصراعٌ، حتَّى يَكونا اثنَينِ- بَينَهما أربَعونَ سَنةً، أي: المَسافةُ بَينَ بابَيِ الجَنَّةِ أربَعونَ سَنةً؛ دَلالةً على كِبَرِها، ومَعَ ذلك ليَأتينَّ عليه، أي: هذا البابِ، يَومٌ، وهو كظيظُ الزِّحامِ، أي: ممتلئٌ.
والكظيظُ: الزِّحامُ.
وهذا يَدُلُّ على كَثرةِ مَن سَيَدخُلُ الجَنَّةَ برَحمةِ اللَّهِ، ثُمَّ يُقسِمُ ويُخبرُ رَضِيَ اللهُ عنه عن حالِهم: كَيف كانوا مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن شِدَّةِ الفقرِ؟! فيَقولُ: ولقد رَأيتُني وإنِّي لسابعُ سَبعةٍ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: واحِدٌ مِن سَبعةٍ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ما لنا طَعامٌ إلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ، أي: ليسَ لنا طَعامٌ نَأكُلُه مِن شِدَّةِ الجوعِ والحاجةِ التي أصابَتهم إلَّا ورَقُ الأشجارِ، حتَّى قَرِحَت، أي: تَجَرَّحَت، أشداقُنا.
والأشداقُ: جَوانِبُ الفَمِ، والمَعنى: أكَلنا الشَّجَرَ حتَّى تَجَرَّحَت جَوانِبُ أفواهِنا؛ بسَبَب خُشونةِ الورَقِ الذي نَأكُلُه وحَرارَتِه، الذي لا يَستَطيعُ الإنسانُ أكلَه إلَّا بصُعوبةٍ ومَشَقَّةٍ.
ثُمَّ يَقولُ: وإنِّي التَقَطتُ بُردةً، أي: عَثَرَ ووجَدَ بُردةً، وهيَ كِساءٌ أسودُ مُرَبَّعٌ فيه صِغَرٌ تَلبَسُه الأعرابُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الكِساءَ الذي يُلتَحَفُ به بُردةً، فشَقَقْتُها بَيني وبَينَ سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ فارِسِ الإسلامِ، أي: قَسَمَ البُردةَ نِصفَينِ له ولسَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، وهو مِن فُرسانِ الإسلامِ، فاتَّزَرتُ بنِصفِها، واتَّزَرَ سَعدٌ بنِصفِها، أي: جَعَل كُلُّ واحِدٍ مِن هذه البُردةِ إزارًا، وهو ما يُغَطِّي أسفَلَ البَدَنِ.
والمَعنى: أنَّهم سَتَروا بها نِصفَ جَسَدِهم ومَكانَ عَورَتِهم.
وما أصبَحَ مِنَّا اليَومَ أحَدٌ حَيٌّ إلَّا أصبَحَ، أي: صارَ، أميرَ مِصرٍ مِنَ الأمصارِ، أي: أنَّ اللَّهَ فتَحَ عليهم بَعدَ ذلك وجاهَدوا في سَبيلِ اللهِ وأصبَحَ الواحِدُ مِنهم أميرًا على بَلدٍ مِنَ البُلدانِ! فكان عُتبةُ أميرًا على البَصرةِ، وسَعدٌ أميرًا على الكوفةِ.
وإنَّني أعوذُ باللهِ، أي: أعتَصِمُ وألتَجِئُ إلى اللهِ، أن أكونَ في نَفسي عَظيمًا، أي: بأن يوهمَني الشَّيطانُ بأنِّي رَفيعُ المَنزِلةِ بسَبَبِ ما أُعطِيتُ مِنَ الإمارةِ والمَكانةِ، وعِندَ اللهِ صَغيرًا، أي: حَقيرًا ذَليلًا بسَبَبِ عَدَمِ التَّقوى والأعمالِ الصَّالحةِ، فلا يُقبِلُ عليَّ بالفَضلِ والإحسانِ.
وإنَّها لم تَكُنْ نُبوَّةٌ قَطُّ، أي: في زَمَنٍ مِنَ الأزمانِ الماضيةِ، إلَّا تَناقَصَت، أي: ذَهَبَت مَعالِمُها ونورُها وامَّحَت، حتَّى يَكونَ عاقِبَتُها مُلكًا، أي: أنَّهم يَعدِلونَ عن سَنَنِ النَّبيِّينَ وخُلفائِهم إلى الإقبالِ على الدُّنيا واتِّباعِ الهَوى.
وهذه أحوالُ أكثَرِ المُلوكِ، وسَتُجَرِّبونَ، أو تَبْلُونَ الأُمَراءَ بَعدي، أي: سَتَرَونَ وتَبلُونَ كَيفيَّةَ حُكمِ الأُمَراءِ مِن بَعدي، وكَيف يَكونُ سَيرُهم فيكُم وحُكمُهم حتَّى تَرَوا مِصداقَ ما أخبَرَتكُم؟ والمَعنى: أنَّ زَمانَ النُّبوَّةِ يَكونُ النَّاسُ فيه يَعمَلونَ بالشَّرعِ، ويَقومونَ بالحَقِّ، ويَزهَدونَ في الدُّنيا، ويَرغَبونَ في الآخِرةِ، ثُمَّ إنَّه بَعدَ انقِراضِهم وانقِراضِ خُلفائِهم يَتَغَيَّرُ الحالُ، ويَنعَكِسُ الأمرُ، ثُمَّ لا يَزالُ الأمرُ في تَناقُصٍ وإدبارٍ إلى ألَّا يَبقى على الأرضِ مَن يَقولُ: اللهُ اللَّهُ! وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ خُطبةِ النَّاسِ وتَذكيرِهم.
وفيه مَشروعيَّةُ بَدءِ الخُطبةِ بالحَمدِ والثَّناءِ على اللهِ.
وفيه بَيانُ قِصَرِ عُمرِ الدُّنيا.
وفيه شِدَّةُ أهوالِ النَّارِ.
وفيه بَيانُ عَظيمِ أبوابِ الجَنَّةِ.
وفيه كَثرةُ أهلِ الجَنَّةِ.
وفيه فضلُ اللهِ تعالى ورَحمتِه بعِبادِه.
وفي بَيانُ شِدَّةِ الفقرِ والجوعِ الذي حَصَل للصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم.
وفيه تَقدُّمُ إسلامِ عُتبةَ بنِ غَزوانَ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه مَكانةُ سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ في الإسلامِ.
وفيه بَيانُ ما فتَحَ اللهُ للصَّحابةِ مِنَ النَّعيمِ.
وفيه الإخبارُ بأمرِ انقِضاءِ النُّبوَّةِ وقيامِ الحُكمِ المَلَكيِّ وما يَكونُ فيه مِنَ البَلاءِ .