عنْ أبي إدريسَ عائذِ اللهِ، قالَ: مَرَّ رجلٌ، فقُمْتُ إليهِ فقلْتُ: إنَّ هذا حدَّثَني بحَديثِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فهَلْ سَمِعْتَهُ؟ يعني مُعاذًا، قالَ: ما كانَ يُحدِّثُكَ إلَّا حَقًّا، فأخبَرْتُه، فقالَ: قدْ سَمِعْتُ هذَا مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يعني في المُتحابِّينَ في اللهِ، يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّ عرْشِهِ يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه، وما هو أفضَلُ منْه.

قلْتُ: إي، رَحِمَكَ اللهُ، وما هو أفضَلُ منْه؟ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَأثُرُ عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ، قالَ: حقَّتْ مَحبَّتي للمُتحابِّينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي للمُتَواصِلينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتي للمُتَزاوِرينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتي للمُتباذِلينَ فِيَّ.

ولا أدْري بأيَّتِهِما بدَأَ.

قُلْتُ: مَن أنتَ رَحِمَكَ اللهُ؟ قالَ: أنا عُبادةُ بنُ الصَّامتِ.

الدلالات الموضوعية:# رقائق وزهد - الحب في الله# إيمان - الحب في الله والبغض فيه من الإيمان# آداب عامة - الأخلاق الحميدة الحسنة# إيمان - الوعد# إيمان - اليوم الآخر
المصدر: المستدرك على الصحيحين
الراوي: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت
المحدث: الحاكم
الحكم:إسناده صحيح على شرط الشيخين

الشرح والتوضيح

عنْ أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، قالَ: جلَسْتُ مجلِسًا فيه عِشْرونَ مِن أصحابِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فإذا فيهِمْ شابٌّ حسَنُ الوَجْهِ، حسَنُ السِّنِّ، أدعَجُ العَيْنَينِ، أغرُّ الثَّنايا، فإذا اختَلَفوا في شَيءٍ، أو قالُوا قوْلًا انَتَهَوْا إلى قَولِه، فإذا هو مُعاذُ بنُ جَبلٍ رَضيَ اللهُ عنه، فلمَّا كانَ مِن الغَدِ جِئتُ، فإذا هُو يُصلِّي عندَ ساريةٍ، فحَذَفَ صَلاتَه، ثمَّ احتَبَى فسَكَتَ، فقُلْتُ: إنِّي لَأُحِبُّكَ مِن جَلالِ اللهِ، فقال: آللهِ، فقُلْتُ: آللهِ، فقال: فإنَّ المتحابِّينَ في اللهِ -قالَ: أحسَبُ أنَّه قالَ- في ظِلِّ اللهِ يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه -ثُمَّ ليْسَ في بقِيَّتِهِ شَكٌّ-: يُوضَعُ لهم كَراسِيُّ مِن نورٍ، يَغْبِطُهُم بمَجلِسِهم مِن الرَّبِّ تَباركَ وتَعالَى النَّبيُّونَ والصِّدِّيقونَ والشُّهداءُ.

قالَ: فحدَّثْتُ بهِ عُبادةَ بنَ الصَّامِتِ، فقال: لا أُحَدِّثُكَ إلَّا ما سَمِعْتُ على لِسانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أنَّه قالَ: حَقَّتْ مَحَبَّتي للمُتَحابِّينِ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي للمُتَباذِلينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي للمُتَصادِقِينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي للمُتزاورِينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي للمُتواصِلينَ فِيَّ.

الراوي : معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت المحدث : الحاكم المصدر : المستدرك على الصحيحين الصفحة أو الرقم: 7522 خلاصة حكم المحدث : صحيح على شرط الشيخين مِنَ الأُمورِ العَظيمةِ التي رَغَّبَ الإسلامُ فيها وحَثَّ عليها: الحُبُّ في اللهِ؛ فالمَحَبَّةُ مَنزِلةٌ عاليةٌ رَفيعةٌ، فبها تَتَآلفُ الأرواحُ وتَتَقارَبُ القُلوبُ؛ ولهذا جَعَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الحُبَّ في اللهِ مِن أوثَقِ عُرى الإيمانِ، وجاءَ في فَضلِ المَحَبَّةِ في اللهِ نُصوصٌ كَثيرةٌ، وفي هذا الحَديثِ يَحكي أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، فيَقولُ: جَلستُ مَجلسًا فيه عِشرونَ مِن أصحابِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: أنَّه جَلسَ في مَجلسٍ فيه جَماعةٌ مِنَ الصَّحابةِ عَدَدُهم عِشرونَ صَحابيًّا، فإذا فيهم شابٌّ حَسَنُ الوَجهِ، أي: مُشرِقٌ، حَسَنُ السِّنَّ، أي: سِنُّه صَغيرٌ، أدعَجُ العَينَينِ، والدَّعَجُ: السَّوادُ في العَينِ وغَيرِها، ويُريدُ أنَّ سَوادَ عَينَيه كان شَديدًا، وقيل: مَعناه واسِعُ العَينَينِ.

أغَرُّ الثَّنايا.

أصلُ الغُرَّةِ: البَياضُ الذي يَكونُ في وَجهِ الفرَسِ، والمَقصودُ أنَّ ثَناياه -وهيَ مُقدَّمُ أسنانِه- كانت بَيضاءَ، وهو كِنايةٌ عن وصفِه بأنَّه كان مُتَبَسِّمًا، فإذا اختَلفوا في شَيءٍ أو قالوا قَولًا انتَهَوا إلى قَولِه، أي: أنَّ هؤلاء الصَّحابةَ كان إذا حَصَل بَينَهم خِلافٌ في مَسألةٍ أو قَولٍ مِنَ الأقوالِ رَجَعوا إلى هذا الشَّابِّ يَستَشيرونَه ويَنظُرونَ قَولَه، فإذا قال لهم قَولًا أخَذوا به، فإذا هو مُعاذُ بنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أي: أنَّ ذلك الشَّابَّ كان هو مُعاذَ بنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنه.

يَقولُ أبو إدريسَ: فلمَّا كان مِنَ الغَدِ جِئتُ، أي: في اليَومِ الثَّاني جِئتُ وبَكَّرتُ في الحُضورِ لذلك المَجلسِ، فإذا هو يُصَلِّي، أي: وجَدَ مُعاذًا يُصَلِّي عِندَ ساريةٍ، وهيَ الأُسطوانةُ، والمَقصودُ عَمودٌ في المَسجِدِ يُصَلِّي إليه المُصَلِّي، فحَذَف مُعاذٌ صَلاتَه، أي: تَرَكَ تَطويلَها، والحَذفُ: هو التَّخفيفُ وتَركُ الإطالةِ، ثُمَّ احتَبى، أي: جَلس في مَكانِه مُحتَبيًا، والاحتِباءُ: هو أن يَضُمَّ الإنسانُ رِجلَيه إلى بَطنِه بثَوبٍ يَجمَعُهما به مَعَ ظَهرِه، ويَشُدُّه عليها.

وقد يَكونُ الاحتِباءُ باليَدَينِ عِوَضَ الثَّوبِ، فسَكَتَ، فقال له أبو إدريسَ: إنِّي لأحِبُّك مِن جَلالِ اللهِ، أي: لأجلِ جَلالِه سُبحانَه وتَعظيمِه.

فقال له مُعاذٌ: آللهِ، أي: أحَقًّا ذلك؟ أو أتُقسِمُ باللهِ على ذلك.

فقال أبو إدريسَ: آللهِ، أي: حَقًّا ذلك، أو أُقسِمُ على ذلك.

فقال مُعاذٌ: فإنَّ المُتَحابِّينَ في اللهِ -قال: أحسَبُ أنَّه قال، وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوي- في ظِلِّ اللهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه، أي: أنَّ المُتَحابِّينَ لأجلِ اللهِ وليسَ لأيِّ غَرَضٍ مِن أغراضِ الدُّنيا يَكونونَ في ظِلِّ عَرشِ اللهِ تعالى يَومَ القيامةِ عِندَما تَدنو الشَّمسُ مِنَ الخَلقِ.

ثُمَّ ليسَ في بَقيَّتِه شَكٌّ.

وهذا مِن قَولِ الرَّاوي أنَّ الشَّكَّ إنَّما كان في عِبارةِ في ظِلِّ اللهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه، وأمَّا بَقيَّةُ الحَديثِ فليسَ فيه شَكٌّ، يوضَعُ لهم كَراسيُّ مِن نورٍ، أي: يوضَعُ لهؤلاء القَومِ المُتَحابِّينَ كَراسيُّ يَجلِسونَ عليها، وهيَ مِن نورٍ، يَغبِطُهم، أي: يَحسُدُهم ويَشتَهي ويَتَمَنَّى، بمَجلِسِهم، أي: بقُربِهم مِنَ الرَّبِّ تَبارَكَ وتعالى.

النَّبيُّونَ والصِّدِّيقونَ والشُّهَداءُ.

والمَعنى: أنَّهم لمَّا نالوا هذه المَكانةَ العَظيمةَ بسَبَبِ مَحَبَّتِهم في اللهِ فإنَّ الأنبياءَ والصِّدِّيقينَ والشُّهَداءَ -وهم خيارُ الخَلقِ- يَغبطونَ هؤلاء المُتَحابِّينَ في اللهِ.

وقيل: ليسَ المُرادُ أنَّ الأنبياءَ ومَن مَعَهم يَغبطونَ المُتَحابِّينَ حَقيقةً، بَل القَصدُ بَيانُ فَضلِهم وعُلوُّ قَدرِهم عِندَ رَبِّهم على آكَدِ وَجهٍ وأبلَغِه.

يَقولُ أبو إدريسَ: فحَدَّثتُ به، أي: بهذا الحَديثِ، عُبادةَ بنَ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عنه، فقال لي: لا أُحَدِّثُك إلَّا ما سَمِعتُ على لسانِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: إنِّي لن أُحَدِّثَك إلَّا بشَيءٍ سَمِعتُه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُشافَهةً أنَّه قال: حَقَّت، أي: وجَبَت، مَحَبَّتي للمُتَحابِّينَ فيَّ، أي: أنَّ اللهَ عَزَّ وجَل أوجَبَ على نَفسِه مَحَبَّةَ المُتَحابِّينَ لأجلِه وليسَ لأيِّ غَرَضٍ مِن أغراضِ الدُّنيا.

وحَقَّت مَحَبَّتي للمُتَباذِلينَ فيَّ، أي: الذينَ يَبذُلونَ أموالَهم ويَتَصَدَّقونَ بها ابتِغاءَ مَرضاةِ اللهِ، وقيل: أن يَبذُلَ كُلٌّ مِنهما مالَه لأخيه مَتَّى احتاجَه لا لغَرَضٍ دُنيَويٍّ.

وحَقَّت مَحَبَّتي للمُتَصادِقينَ فيَّ، أي: مَن بَينَه وبَينَ أخيه صَداقةٌ للهِ تعالى، وحَقَّت مَحَبَّتي للمُتَزاوِرينَ فيَّ، أي: الذينَ يَزورُ بَعضُهم بَعضًا للهِ لا لغَرَضٍ دُنيَويٍّ.

وحَقَّت مَحَبَّتي للمُتَواصِلينَ فيَّ، أي: وصَل بَعضُهم بَعضًا، ولم يَنقَطِعْ عن أخيه في اللهِ، ولم يَهجُرْه، وهذا يَصدُقُ إذا أحسَنَ إليه، ومَنَحَه صِلتَه وبِرَّه، واستَمَرَّ على مواصَلتِه قاصِدًا بذلك وَجهَ اللهِ سُبحانَه وتعالى، أو وصَله بمَودَّتِه ومَحَبَّتِه، والتَّقَرُّبِ إليه بمَحاسِنِ كَلامِه.

وفي الحَديثِ بَيانُ صِفةِ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنه.

وفيه فضيلةُ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رَضيَ اللهُ عنه ومَكانتُه في العِلمِ.

وفيه حِرصُ الطَّالِبِ على التَّبكيرِ لحَلَقاتِ العِلمِ.

وفيه مَشروعيَّةُ إخبارِ الأخِ بمَحَبَّتِه في اللهِ.

وفيه التَّبشيرُ بالخَيرِ وفضائِلِ الأعمالِ.

وفيه فَضلُ الحُبِّ في اللهِ.

وفيه إثباتُ صِفةِ المَحَبَّةِ للهِ.

وفيه فَضلُ البَذلِ في اللهِ.

وفيه فَضلُ الزِّيارةِ في اللهِ وفيه فَضلُ الصَّداقةِ في اللهِ.

وفيه فَضلُ التَّواصُلِ في اللهِ .

أحاديث ذات صلة