- عن أبي إدريسَ قال : كنتُ في حلقةٍ فيها عشرون من أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فيهم رجلٌ أدعجُ العينيْنِ أغرُّ الثنايا حَدِثُ السِّنِّ فإذا اختلفوا في شيٍء فقال قولًا انتهوْا إلى قولِه، فإذا به معاذُ بنُ جبلٍ
أخرجه أحمد (22002)، والطيالسي في ((المسند)) (572)، وابن عبدالبر في ((التمهيد)) (21/126) واللفظ له
عنْ أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، قالَ: جلَسْتُ مجلِسًا فيه عِشْرونَ مِن أصحابِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فإذا فيهِمْ شابٌّ حسَنُ الوَجْهِ، حسَنُ السِّنِّ، أدعَجُ العَيْنَينِ، أغرُّ الثَّنايا، فإذا اختَلَفوا في شَيءٍ، أو قالُوا قوْلًا انَتَهَوْا إلى قَولِه، فإذا هو مُعاذُ بنُ جَبلٍ رَضيَ اللهُ عنه، فلمَّا كانَ مِن الغَدِ جِئتُ، فإذا هُو يُصلِّي عندَ ساريةٍ، فحَذَفَ صَلاتَه، ثمَّ احتَبَى فسَكَتَ، فقُلْتُ: إنِّي لَأُحِبُّكَ مِن جَلالِ اللهِ، فقال: آللهِ، فقُلْتُ: آللهِ، فقال: فإنَّ المتحابِّينَ في اللهِ -قالَ: أحسَبُ أنَّه قالَ- في ظِلِّ اللهِ يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه -ثُمَّ ليْسَ في بقِيَّتِهِ شَكٌّ-: يُوضَعُ لهم كَراسِيُّ مِن نورٍ، يَغْبِطُهُم بمَجلِسِهم مِن الرَّبِّ تَباركَ وتَعالَى النَّبيُّونَ والصِّدِّيقونَ والشُّهداءُ.
قالَ: فحدَّثْتُ بهِ عُبادةَ بنَ الصَّامِتِ، فقال: لا أُحَدِّثُكَ إلَّا ما سَمِعْتُ على لِسانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أنَّه قالَ: حَقَّتْ مَحَبَّتي للمُتَحابِّينِ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي للمُتَباذِلينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي للمُتَصادِقِينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي للمُتزاورِينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي للمُتواصِلينَ فِيَّ.
الراوي : معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت المحدث : الحاكم المصدر : المستدرك على الصحيحين الصفحة أو الرقم: 7522 خلاصة حكم المحدث : صحيح على شرط الشيخين مِنَ الأُمورِ العَظيمةِ التي رَغَّبَ الإسلامُ فيها وحَثَّ عليها: الحُبُّ في اللهِ؛ فالمَحَبَّةُ مَنزِلةٌ عاليةٌ رَفيعةٌ، فبها تَتَآلفُ الأرواحُ وتَتَقارَبُ القُلوبُ؛ ولهذا جَعَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الحُبَّ في اللهِ مِن أوثَقِ عُرى الإيمانِ، وجاءَ في فَضلِ المَحَبَّةِ في اللهِ نُصوصٌ كَثيرةٌ، وفي هذا الحَديثِ يَحكي أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، فيَقولُ: جَلستُ مَجلسًا فيه عِشرونَ مِن أصحابِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: أنَّه جَلسَ في مَجلسٍ فيه جَماعةٌ مِنَ الصَّحابةِ عَدَدُهم عِشرونَ صَحابيًّا، فإذا فيهم شابٌّ حَسَنُ الوَجهِ، أي: مُشرِقٌ، حَسَنُ السِّنَّ، أي: سِنُّه صَغيرٌ، أدعَجُ العَينَينِ، والدَّعَجُ: السَّوادُ في العَينِ وغَيرِها، ويُريدُ أنَّ سَوادَ عَينَيه كان شَديدًا، وقيل: مَعناه واسِعُ العَينَينِ.
أغَرُّ الثَّنايا.
أصلُ الغُرَّةِ: البَياضُ الذي يَكونُ في وَجهِ الفرَسِ، والمَقصودُ أنَّ ثَناياه -وهيَ مُقدَّمُ أسنانِه- كانت بَيضاءَ، وهو كِنايةٌ عن وصفِه بأنَّه كان مُتَبَسِّمًا، فإذا اختَلفوا في شَيءٍ أو قالوا قَولًا انتَهَوا إلى قَولِه، أي: أنَّ هؤلاء الصَّحابةَ كان إذا حَصَل بَينَهم خِلافٌ في مَسألةٍ أو قَولٍ مِنَ الأقوالِ رَجَعوا إلى هذا الشَّابِّ يَستَشيرونَه ويَنظُرونَ قَولَه، فإذا قال لهم قَولًا أخَذوا به، فإذا هو مُعاذُ بنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أي: أنَّ ذلك الشَّابَّ كان هو مُعاذَ بنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
يَقولُ أبو إدريسَ: فلمَّا كان مِنَ الغَدِ جِئتُ، أي: في اليَومِ الثَّاني جِئتُ وبَكَّرتُ في الحُضورِ لذلك المَجلسِ، فإذا هو يُصَلِّي، أي: وجَدَ مُعاذًا يُصَلِّي عِندَ ساريةٍ، وهيَ الأُسطوانةُ، والمَقصودُ عَمودٌ في المَسجِدِ يُصَلِّي إليه المُصَلِّي، فحَذَف مُعاذٌ صَلاتَه، أي: تَرَكَ تَطويلَها، والحَذفُ: هو التَّخفيفُ وتَركُ الإطالةِ، ثُمَّ احتَبى، أي: جَلس في مَكانِه مُحتَبيًا، والاحتِباءُ: هو أن يَضُمَّ الإنسانُ رِجلَيه إلى بَطنِه بثَوبٍ يَجمَعُهما به مَعَ ظَهرِه، ويَشُدُّه عليها.
وقد يَكونُ الاحتِباءُ باليَدَينِ عِوَضَ الثَّوبِ، فسَكَتَ، فقال له أبو إدريسَ: إنِّي لأحِبُّك مِن جَلالِ اللهِ، أي: لأجلِ جَلالِه سُبحانَه وتَعظيمِه.
فقال له مُعاذٌ: آللهِ، أي: أحَقًّا ذلك؟ أو أتُقسِمُ باللهِ على ذلك.
فقال أبو إدريسَ: آللهِ، أي: حَقًّا ذلك، أو أُقسِمُ على ذلك.
فقال مُعاذٌ: فإنَّ المُتَحابِّينَ في اللهِ -قال: أحسَبُ أنَّه قال، وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوي- في ظِلِّ اللهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه، أي: أنَّ المُتَحابِّينَ لأجلِ اللهِ وليسَ لأيِّ غَرَضٍ مِن أغراضِ الدُّنيا يَكونونَ في ظِلِّ عَرشِ اللهِ تعالى يَومَ القيامةِ عِندَما تَدنو الشَّمسُ مِنَ الخَلقِ.
ثُمَّ ليسَ في بَقيَّتِه شَكٌّ.
وهذا مِن قَولِ الرَّاوي أنَّ الشَّكَّ إنَّما كان في عِبارةِ في ظِلِّ اللهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه، وأمَّا بَقيَّةُ الحَديثِ فليسَ فيه شَكٌّ، يوضَعُ لهم كَراسيُّ مِن نورٍ، أي: يوضَعُ لهؤلاء القَومِ المُتَحابِّينَ كَراسيُّ يَجلِسونَ عليها، وهيَ مِن نورٍ، يَغبِطُهم، أي: يَحسُدُهم ويَشتَهي ويَتَمَنَّى، بمَجلِسِهم، أي: بقُربِهم مِنَ الرَّبِّ تَبارَكَ وتعالى.
النَّبيُّونَ والصِّدِّيقونَ والشُّهَداءُ.
والمَعنى: أنَّهم لمَّا نالوا هذه المَكانةَ العَظيمةَ بسَبَبِ مَحَبَّتِهم في اللهِ فإنَّ الأنبياءَ والصِّدِّيقينَ والشُّهَداءَ -وهم خيارُ الخَلقِ- يَغبطونَ هؤلاء المُتَحابِّينَ في اللهِ.
وقيل: ليسَ المُرادُ أنَّ الأنبياءَ ومَن مَعَهم يَغبطونَ المُتَحابِّينَ حَقيقةً، بَل القَصدُ بَيانُ فَضلِهم وعُلوُّ قَدرِهم عِندَ رَبِّهم على آكَدِ وَجهٍ وأبلَغِه.
يَقولُ أبو إدريسَ: فحَدَّثتُ به، أي: بهذا الحَديثِ، عُبادةَ بنَ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عنه، فقال لي: لا أُحَدِّثُك إلَّا ما سَمِعتُ على لسانِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: إنِّي لن أُحَدِّثَك إلَّا بشَيءٍ سَمِعتُه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُشافَهةً أنَّه قال: حَقَّت، أي: وجَبَت، مَحَبَّتي للمُتَحابِّينَ فيَّ، أي: أنَّ اللهَ عَزَّ وجَل أوجَبَ على نَفسِه مَحَبَّةَ المُتَحابِّينَ لأجلِه وليسَ لأيِّ غَرَضٍ مِن أغراضِ الدُّنيا.
وحَقَّت مَحَبَّتي للمُتَباذِلينَ فيَّ، أي: الذينَ يَبذُلونَ أموالَهم ويَتَصَدَّقونَ بها ابتِغاءَ مَرضاةِ اللهِ، وقيل: أن يَبذُلَ كُلٌّ مِنهما مالَه لأخيه مَتَّى احتاجَه لا لغَرَضٍ دُنيَويٍّ.
وحَقَّت مَحَبَّتي للمُتَصادِقينَ فيَّ، أي: مَن بَينَه وبَينَ أخيه صَداقةٌ للهِ تعالى، وحَقَّت مَحَبَّتي للمُتَزاوِرينَ فيَّ، أي: الذينَ يَزورُ بَعضُهم بَعضًا للهِ لا لغَرَضٍ دُنيَويٍّ.
وحَقَّت مَحَبَّتي للمُتَواصِلينَ فيَّ، أي: وصَل بَعضُهم بَعضًا، ولم يَنقَطِعْ عن أخيه في اللهِ، ولم يَهجُرْه، وهذا يَصدُقُ إذا أحسَنَ إليه، ومَنَحَه صِلتَه وبِرَّه، واستَمَرَّ على مواصَلتِه قاصِدًا بذلك وَجهَ اللهِ سُبحانَه وتعالى، أو وصَله بمَودَّتِه ومَحَبَّتِه، والتَّقَرُّبِ إليه بمَحاسِنِ كَلامِه.
وفي الحَديثِ بَيانُ صِفةِ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه فضيلةُ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رَضيَ اللهُ عنه ومَكانتُه في العِلمِ.
وفيه حِرصُ الطَّالِبِ على التَّبكيرِ لحَلَقاتِ العِلمِ.
وفيه مَشروعيَّةُ إخبارِ الأخِ بمَحَبَّتِه في اللهِ.
وفيه التَّبشيرُ بالخَيرِ وفضائِلِ الأعمالِ.
وفيه فَضلُ الحُبِّ في اللهِ.
وفيه إثباتُ صِفةِ المَحَبَّةِ للهِ.
وفيه فَضلُ البَذلِ في اللهِ.
وفيه فَضلُ الزِّيارةِ في اللهِ وفيه فَضلُ الصَّداقةِ في اللهِ.
وفيه فَضلُ التَّواصُلِ في اللهِ .
[مسند أحمد] (36/ 326 ط الرسالة) ((22002- حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن، عن أبي إدريس العيذي أو الخولاني قال: جلست مجلسا فيه عشرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا فيهم شاب حديث السن، حسن الوجه، أدعج العينين، أغر الثنايا، فإذا اختلفوا في شيء، فقال قولا انتهوا إلى قوله، فإذا هو معاذ بن جبل، فلما كان من الغد، جئت فإذا هو يصلي إلى سارية، قال: فحذف من صلاته، ثم احتبى، فسكت، قال: فقلت: والله إني لأحبك من جلال الله، قال: (( ألله؟)) قال: قلت: ألله.
قال: (( فإن من المتحابين في الله، فيما أحسب أنه قال، في ظل الله يوم لا ظل، إلا ظله، ثم ليس في بقيته شك يعني: في بقية الحديث، يوضع لهم كراسي من نور يغبطهم بمجلسهم من الرب عز وجل النبيون والصديقون والشهداء))
قال: فحدثته عبادة بن الصامت، فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في، وحقت محبتي للمتصافين في المتواصلين)) شك شعبة: في المتواصلين، أو المتزاورين))
[مسند أبي داود الطيالسي] (1/ 464) 572- حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن أبي إدريس العائذي ، قال: ((دخلت المسجد وفيه نحو من عشرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا فيهم رجل أدعج العين، أغر الثنايا، إذا اختلفوا في شيء قال قولا انتهوا إلى قوله، فسألت عنه، فإذا هو معاذ بن جبل، فلما كان الغد دخلت المسجد فإذا هو قائم يصلي إلى سارية، فجلست إليه، فلما فعلت ذلك حذف من صلاته، فقلت: والله إني لأحبك من جلال الله، قال: آلله؟ قلت: آلله، قال: فإن المتحابين من جلال الله في ظل الله عز وجل قال: أحسبه يوم القيامة))- يوم لا ظل إلا ظله، يغبطهم بقربهم من الله النبيون والشهداء والصالحون.
[التمهيد] لابن عبد البر (21/ 126) ((حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا عمرو بن مرزوق قال أخبرنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمان عن أبي إدريس قال كنت في حلقة فيها عشرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم رجل أدعج العينين أغر الثنايا حدث السن فإذا اختلفوا في شيء فقال قولا انتهوا إلى قوله فإذا به معاذ بن جبل))