- قالت : دخلت عليَّ زينبُ بنتُ جحشٍ فسبَّتني فردَعها النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فأبت، فقال لي : سُبِّيها، فسبَبتها حتى جَفَّ ريقُها في فمِها، فرأيت وجهَه يتهلَّلُ
أخرجه أبو داود (4898)، وابن ماجه (1981)، باختلاف يسير، وأصله في البخاري (2597)، ومسلم (2442)، بمعناه.
ما علِمتُ حتَّى دخَلَت عليَّ زينبُ بغيرِ إذنٍ وَهيَ غضبَى ثمَّ قالَت يا رسولَ اللَّهِ أحسِبُكَ إذا قلَبَت بنَيَّةُ أبي بكرٍ ذُرَيعَتَيها ثمَّ أقبلَت عليَّ فأعرضتُ عنْها حتَّى قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ دونَكِ فانتصِري فأقبَلتُ علَيها حتَّى رأيتُها وقد يبِسَ ريقُها في فيها ما تردُّ عليَّ شيئًا فرأيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ يتَهلَّلُ وجهُهُ الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : الألباني المصدر : صحيح ابن ماجه الصفحة أو الرقم: 1624 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه ابن ماجه (1981) بلفظه، وأحمد (24620)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11412) كلاهما باختلاف يسير.
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم نِعمَ المربِّي والمعلِّم، وكانَ خيرَ الناسِ لأهلِه، وأحسنَهم عِشرةً لأزواجِه، وكان زَوجًا لعديدٍ مِن النِّساءِ، وكان يقَعُ بينَهنَّ ما يقَعُ بينَ الضَّرائرِ مِن الغَيرةِ وسُوءِ الفَهْمِ، فكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يَعدِلُ بينَهنَّ ولا يسمَحُ لواحدةٍ أن تتَعدَّى على صاحبتِها، كما تُخبِرُ عائشةُ رَضِي اللهُ عنها ببعضِ ذلك في هذا الحديثِ، فتَقولُ: "مَا عَلِمتُ حتَّى دخَلَت عليَّ زَينبُ بغيرِ إذنٍ وهي غَضْبَى"، أي: إنَّ زَينبَ زوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم قد دخَلَتْ على عائشةَ غاضِبةً، بغيرِ استِئْذانٍ، وعِندَها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، ثمَّ قالتْ زينبُ لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم: "يا رسولَ اللهِ، أَحَسْبُكَ إذا قَلَبَتْ بُنيَّةُ أبي بكرٍ ذُرَيعتَيْها"، أَي: يَكْفِيكَ مِن عائشةَ أن تُحرِّكَ ذِراعَيها فلا تلْتَفِتَ إلى النِّسَاءِ الأُخرَياتِ مِن زَوجاتِك! وهذا كِنايةٌ عَن غَيرتِها مِن عائشةَ وما كان مِن حُبِّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لها، وقولُها: "بُنيَّةُ أبي بكرٍ"، تَصغيرٌ لبِنتٍ، و"ذُرَيعتَيْها" تَصغيرُ ذراعٍ، قالت عائشةُ رَضِي اللهُ عنها: "ثمَّ أقبَلَتْ إليَّ فأَعرَضْتُ عَنْها"، أي: لَمَّا تَوجَّهَتْ إليَّ زينبُ بالكلامِ حوَّلتُ وجْهي عنها ولم أُجِبْها بشيءٍ، "حتَّى قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم: دُونَكِ فانتَصِري"، والمعنى: خُذي حقَّك مِنها، ورُدِّي عن نَفسِك الإساءةَ مِن زينبَ الَّتي دخَلَت بغيرِ إذنِكِ وهي غَضْبى، وتكَلَّمَت بكلامٍ أوجَعَ عائشةَ، وهذا الإذنُ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لقَوْلِه تعالى: {لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148] ؛ فدلَّ على أنَّ مَن ظُلِمَ له الحقُّ في أن يَنتصِرَ لنَفسِه، قالت عائشةُ رَضِي اللهُ عنها: "فأَقبَلْتُ عَلَيها، حتَّى رَأيتُها قد يَبِس رِيقُها في فَمِها، ما تَرُدُّ علَيَّ شيئًا"، أي: جَفَّ فَمُها ولم تَستَطِعِ الكلامَ؛ لشدَّةِ الخَجَلِ؛ حيْثُ لم تَجِدْ إلى الجَوابِ سَبيلًا، وهذا كنايةٌ عن شدَّةِ ما أوجَعَتْها به عائشةُ رَضِي اللهُ عنهما، "فرَأيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم يَتهَلَّلُ وَجهُه"، أي: تَنفرِجُ أساريرُه وتَنبسِطُ سُرورًا، أو رِضًا، وهُنا يُبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أنَّه يُباحُ للإنسانِ أن ينتَصِرَ ممَّن ظلَمَه، كما فعَلَت أمُّ المؤمِنين عائشةُ رَضِي اللهُ عنها مع أمِّ المؤمنينَ زينبَ رَضِي اللهُ عنها حينَما نالَتْ منها، ولكنَّ العفوَ والصَّفحَ أفضلُ إذا لم يَكُنْ في الانتصارِ مَصلحةٌ أكبرُ، كما قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى: 39- 41] ، والانتصارُ مشروطٌ بشرطَينِ؛ الأوَّلُ: القُدرةُ على ذلك، فإذا كان عاجزًا، أو كان الانتصارُ يُفْضي إلى عُدوانٍ زائدٍ أو مَفسَدةٍ أكبرَ تُرِك، وهو أصلُ النَّهيِ عن الفتنةِ، والثَّاني: ألَّا يَعتَدي، وفي صحيحِ مسلمٍ: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "المُسْتَبَّانِ ما قالَا فعَلى البادِئِ ما لَم يَعتَدِ المَظْلومُ"؛ فالمباحُ في الانتصارِ أن يَرُدَّ المجنيُّ عليه مِثلَ ما قال الجاني أو ما يُقارِبُه؛ لأنَّه قِصاصٌ، فلا يتَجاوَزُ المنتَصِرُ في السِّبابِ وغيرِه.
وفي الحديثِ: العَدلُ بينَ الزَّوجاتِ في المعامَلاتِ الظَّاهرةِ خِلافًا لِتَعلُّقِ القلبِ بإحداهُنَّ؛ فإنَّ ذلك بيَدِ اللهِ لا بيَدِ البشَرِ.
وفيه: مَشروعيَّةُ انتصارِ المظلومِ مِن ظالِمِه بقَدرِ مَظلَمتِه دونَ اعتداءٍ.
سنن أبي داود (4/ 274) :
4898 - حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي ح وحدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، حدثنا معاذ بن معاذ المعنى واحد قال: حدثنا ابن عون، قال: كنت أسأل عن الانتصار {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} [الشورى: 41] فحدثني علي بن زيد بن جدعان، عن أم محمد، امرأة أبيه قال ابن عون: وزعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين، قالت: قالت أم المؤمنين : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا زينب بنت جحش، فجعل يصنع شيئا بيده، فقلت بيده، حتى فطنته لها، فأمسك، وأقبلت زينب تقحم لعائشة رضي الله عنها فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة: سبيها فسبتها، فغلبتها، فانطلقت زينب إلى علي رضي الله عنه فقالت: إن عائشة رضي الله عنها وقعت بكم، وفعلت، فجاءت فاطمة فقال لها: إنها حبة أبيك ورب الكعبة فانصرفت، فقالت لهم: أني قلت له كذا وكذا، فقال لي كذا وكذا، قال: وجاء علي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه في ذلك.
[سنن ابن ماجه] (1/ 637 ) :
1981 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن خالد بن سلمة، عن البهي، عن عروة بن الزبير، قال: قالت عائشة : ما علمت حتى دخلت علي زينب بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت: يا رسول الله، أحسبك إذا قلبت بنية أبي بكر ذريعتيها، ثم أقبلت علي، فأعرضت عنها، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: دونك، فانتصري ، فأقبلت عليها، حتى رأيتها وقد يبس ريقها في فيها، ما ترد علي شيئا، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه.
[صحيح البخاري] (3/ 461) :
• [2597] حدثنا إسماعيل، قال: حدثني أخي، عن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كن حزبين؛ فحزب فيه: عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر: أم سلمة وسائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرها، حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة بعث صاحب الهدية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، فكلم حزب أم سلمة، فقلن لها: كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس، فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فليهده إليه حيث كان من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئا، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها: فكلميه، قالت: فكلمته حين دار إليها أيضا، فلم يقل لها شيئا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها، فكلمته فقال لها: "لا تؤذيني في عائشة؛ فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة"، قالت: فقالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله! ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: "يا بنية، ألا تحبين ما أحب؟ " قالت: بلى، فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع، فأرسلن زينب بنت جحش فأتته، فأغلظت وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت ابن أبي قحافة، فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينظر إلى عائشة هل تكلم؟ قال: فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، قالت: فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة، وقال: "إنها بنت أبي بكر".
قال البخاري: الكلام الأخير - قصة فاطمة - يذكر عن هشام بن عروة، عن رجل، عن الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن.
وقال أبو مروان، عن هشام، عن عروة: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة
[صحيح مسلم] (4/ 1891 ) :
83 - (2442) حدثني الحسن بن علي الحلواني وأبو بكر بن النضر وعبد بن حميد (قال عبد: حدثني.
وقال الآخران: حدثنا) يعقوب بن إبراهيم بن سعد.
حدثني أبي عن صالح، عن ابن شهاب.
أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:
أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي.
فأذن لها.
فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة.
وأنا ساكتة.
قالت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "أي بنية! ألست تحبين ما أحب؟ " فقالت: بلى.
قال "فأحبي هذه" قالت، فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فرجعت إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتهن بالذي قالت.
وبالذي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء.
فارجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة.
فقالت فاطمة: والله! لا أكلمه فيها أبدا.
قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب
بنت جحش، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب.
وأتقى لله.
وأصدق حديثا.
وأوصل للرحم.
وأعظم صدقة.
وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله تعالى.
ما عدا سورة من حد كانت فيها.
تسرع منها الفيئة.
قالت، فاستأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع عائشة في مرطها.
على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها.
فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة.
قالت ثم وقعت بي.
فاستطالت علي.
وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرقب طرفه، هل يأذن لي فيها.
قالت فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر.
قالت فلما وقعت بها لم أنشبها حين أنحيت عليها.
قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسم "إنها ابنة أبي بكر"