مرَّ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ على قبرٍ ، فقالَ: ائتوني بجريدَتينِ ، فجعلَ إحداهما عندَ رأسِهِ ، والأخرى عندَ رِجليهِ ، فقيلَ: يا نبيَّ اللَّهِ ، أينفعُهُ ذلِكَ ؟ قالَ: لَن يزالَ أن يخفَّفَ عنهُ بعضُ عذابِ القبرِ ، ما كانَ فيهما نُدوٌّ .
أخرجه أحمد (9686) واللفظ له، وإسحق بن راهويه في ((المسند)) (207)، وابن أبي شيبة (12168)
كنَّا نمشي معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ ، فمَرَرنا على قَبرينِ ، فقامَ ، فقمنا معَهُ ، فجعلَ لونُهُ يتغيَّرُ حتَّى رعدَ كُمُّ قميصِهِ ، فقُلنا: ما لَكَ يا نبيَّ اللَّهِ ؟ ، قالَ: ما تَسمَعونَ ما أسمعُ ؟ قُلنا: وما ذاكَ يا نبيَّ اللَّهِ ؟ ، قالَ: هذانِ رجُلانِ يعذَّبانِ في قبورِهِما عذابًا شديدًا ذي ذَنبٍ هيِّنٍ ، قُلنا: ممَّ ذاكَ يا نبيَّ اللَّهِ ؟ ، قالَ: كانَ أحدُهُما لا يستنزِهُ منَ البولِ ، وَكانَ الآخرُ يُؤذي النَّاسَ بلسانِهِ ، ويمشي بينَهُم بالنَّميمةِ فدَعا بجَريدتينِ مِن جرائدِ النَّخلِ ، فجعلَ في كلِّ قبرٍ واحدةً ، قُلنا: وَهَل ينفعُهُما ذلِكَ يا رسولَ اللَّهِ ؟ ، قالَ : نعَم ، يخفِّفُ عنهُما ما داما رَطبتينِ .
الراوي : أبو هريرة المحدث : الوادعي المصدر : الصحيح المسند الصفحة أو الرقم: 2/375 خلاصة حكم المحدث : حسن التخريج : أخرجه أحمد (9686)، وإسحق بن راهويه في ((المسند)) (207) مختصراً بنحوه، وابن حبان (824) واللفظ له مِن أركانِ الإيمانِ: الإيمانُ باليَومِ الآخِرِ، وذلك يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بنَعيمِ القَبرِ وعَذابِه؛ فقد جاءَتِ النُّصوصُ مِنَ القُرآنِ والسُّنَّةِ أنَّ الشَّخصَ إذا ماتَ فإنَّه إمَّا أن يُنَعَّمَ في قَبرِه، أو يُعَذَّبَ حتَّى تَقومَ السَّاعةُ، والإيمانُ بنَعيمِ القَبرِ وعَذابِه هو مِنَ الإيمانِ بالغَيبِ الذي لا نَعلمُ كَيفيَّتَه إلَّا عَن طَريقِ الوَحيِ، وقد جاءَ في السُّنَّةِ ذِكرُ بَعضِ الأعمالِ الموجِبةِ لعَذابِ القَبرِ؛ ففي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: كُنَّا، أي: الصَّحابةُ، نَمشي مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فمَرَرنا على قَبرَينِ، أي: مَرُّوا بجِوارِ قَبرَينِ، فقامَ، أي: وقَف، رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمامَ القَبرِ، فقُمنا مَعَه، أي: وقَفنا مَعَه.
فجَعَل لونُه يَتَغَيَّرُ، أي: أصبَحَ وَجهُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَغَيَّرُ، حتَّى رَعَد كُمَّ قَميصِه.
الكُمُّ هو مَدخَلُ اليَدِ ومَخرَجُها مِنَ الثَّوبِ، أي: حتَّى إنَّ كُمَّ قَميصِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَتَحَرَّكُ مِنَ الخَوفِ الذي أصابَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فقال الصَّحابةُ: ما لك يا نَبيَّ اللهِ؟ أي: ماذا حَصَل لك؟ فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما تَسمَعونَ ما أسمَعُ؟ أي: أما تَسمَعونَ الذي أسمَعُه مِن هَذَينِ القَبرَينِ؟ فقالوا: وما ذاكَ يا نَبيَّ اللهِ؟ أي: ماذا تَسمَعُ أنتَ يا رَسولَ اللهِ؟ فقال لهم: هذانِ رَجُلانِ، أي: صاحِبا القَبرِ، يُعَذَّبانِ في قُبورِهما عَذابًا شَديدًا، أي: عَذابًا عَظيمًا، في ذَنبٍ هَيِّنٍ، أي: بسَبَبِ ذَنبٍ يَسيرٍ كان لا يَشُقُّ عليهما الاحتِرازُ مِنهما.
فقال الصَّحابةُ: مِمَّ ذاكَ يا نَبيَّ اللهِ؟ أي: ما ذلك الذَّنبُ يا رَسولَ اللهِ.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كان أحَدُهما لا يَستَنزِهُ مِنَ البَولِ، أي: لا يَحتَرِزُ ويَبتَعِدُ عَمَّا يُصيبُه مِن بَقايا بَولِه، فتُصيبُه النَّجاسةُ فتُلوِّثُ بَدَنَه وثيابَه.
وكان الآخَرُ يُؤذي النَّاسَ بلِسانِه، أي: يَسُبُّهم ويَشتُمُهم ونَحوَ ذلك، ويَمشي بَينَهم بالنَّميمةِ، أي: كان أيضًا يَسعى بَينَ النَّاسِ بالنَّميمةِ، وهيَ نَقلُ كَلامِ النَّاسِ بَعضِهم إلى بَعضٍ على جِهةِ الإفسادِ.
ثُمَّ دَعا بجَريدَتَينِ مِن جَرائِدِ النَّخلِ.
الجَريدُ هو الغُصنُ، أي: طَلبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الصَّحابةِ أن يُحضِروا له غُصنَينِ مِن أغصانِ النَّخلِ، فجَعَل في كُلِّ قَبرٍ واحِدةً، أي: جَعَل في كُلِّ قَبرٍ مِنَ القَبرَينِ جريدةً واحِدةً.
فقال الصَّحابةُ: وهَل يَنفعُهما ذلك يا رَسولَ اللهِ؟ أي: هَل وَضعُ الغُصنِ على القَبرِ يَنفعُ المَيِّتَ؟ فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم، يُخَفَّفُ عَنهما ما داما رَطبَتَينِ، أي: أنَّ اللَّهَ تعالى يُخَفِّفُ عَنهما بَعضَ عَذابِ القَبرِ مُدَّةَ بَقاءِ الرُّطوبةِ في الغُصنَينِ.
وفِعلُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَحمولٌ على أنَّه سَأل الشَّفاعةَ لهما، فأُجيبَت شَفاعَتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالتَّخفيفِ عَنهما إلى أن يَيبَسا، وقيل: يَحتَمِلُ أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَدعو لهما تلك المُدَّةَ، وقيل: لكَونِهما يُسَبِّحانَ ما داما رَطبَينِ، وليسَ لليابسِ تَسبيحٌ.
وهذا الفِعلُ خاصٌّ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فليسَ لغَيرِه فِعلُ ذلك؛ وذلك لكَونِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَلِم حالَ صاحِبَيِ القَبرَينِ، ولم يَرِدْ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فعَل ذلك مَعَ غَيرِ صاحِبَي هَذَين القَبرَينِ، وقيل: إنَّ هذا مَشروعٌ مَعَ كُلِّ القُبورِ عُمومًا، والمَسألةُ خِلافيَّةٌ مَحَلُّها كُتُبُ الفِقهِ والحَديثِ.
وفي الحَديثِ ما كان عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الخَوفِ الشَّديدِ.
وفيه بَيانُ ما اختَصَّ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن سَماعِ عَذابِ القَبرِ دونَ بَقيَّةِ أصحابِه.
وفيه إثباتُ عَذابِ القَبرِ.
وفيه بَيانُ بَعضِ أسبابِ عَذابِ القَبرِ.
وفيه رَحمةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأصحابِه وحِرصُه على إبعادِ الشَّرِّ عَنهم.
وفيه السَّترُ على الذُّنوبِ والعُيوبِ؛ فإنَّه لم يُصَرِّحْ باسمَي صاحِبَي القَبرَينِ.
وفيه بَيانُ نَجاسةِ البَولِ.
وفيه غِلَظُ تَحريمِ إيذاءِ النَّاسِ باللِّسانِ والنَّميمةِ.
وفيه التَّحذيرُ مِن مُلابَسةِ البَولِ، ويَلتَحِقُ به غَيرُه مِنَ النَّجاساتِ في البَدَنِ والثَّوبِ .
[مسند أحمد] (15/ 429 ط الرسالة) ((9686- حدثنا محمد بن عبيد، عن يزيد- يعني ابن كيسان-، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر فقال: (( ائتوني بجريدتين)) فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، فقيل: يا نبي الله، أينفعه ذلك؟ قال: (( لن يزال يخفف عنه بعض عذاب القبر ما كان فيهما ندو)).
[مسند إسحاق بن راهويه] (1/ 246) 207- أخبرنا محمد بن عبيد، نا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر فوقف عليه فدعا بجريدتين فجعل إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه، ثم قال: ((لعل الله أن يخفف عنه بعض عذاب القبر ما كانت فيه نداوة)).
مصنف ابن أبي شيبة- ترقيم عوامة (3/ 376) 12168- حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر فوقف عليه، فقال: ائتوني بجريدتين , فجعل إحداهما عند رأسه , والأخرى عند رجليه , فقيل له: يا رسول الله أينفعه ذلك؟ فقال: لعله يخفف عنه بعض عذاب القبر ما فيه ندوة.