بَيْنَما رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ يَخطُبُ إذ قالَ القائِلُ: يا رَسولَ اللهِ، واللهِ ما قالَ الَّذي قالَ إلَّا تَعَوُّذًا مِن القَتْلِ، فذَكَرَ قِصَّتَه، فأَقبَلَ عليه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ تُعرَفُ المَساءةُ في وَجْهِه، ثُمَّ قالَ: «إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أبى علَيَّ مَن قَتَلَ مُؤمِنًا»، قالَها ثَلاثَ مَرَّاتٍ.

الدلالات الموضوعية:# إسلام - فضل الإسلام# جهاد - النهي عن قتال المسلم# جنة - الخصال التي تدخل الجنة وتحقن الدم# إسلام - فضل الشهادتين# ديات وقصاص - تحريم القتل
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: عقبة بن مالك
المحدث: الوادعي
الحكم:صحيح

الشرح والتوضيح

بعثَ النَّبيُّ - صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - سَريَّةً فأغارت على القومِ .

فَشذَّ رجلٌ منَ القومِ واتَّبعَهُ رجلٌ منَ السَّريَّةِ ومعَهُ سيفٌ شاهرٌ فقالَ : الشَّاذُّ منَ القومِ: إنِّي مُسلمٌ ، فلم ينظُر فيما قالَ : فضربَهُ فقتلَهُ ، فنُمِيَ الحديثُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ قولًا شَديدًا فبلغَ القاتلَ ، فبينَما النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ يخطبُ إذ قالَ القاتلُ: واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ ، ما قالَ الَّذي قالَ إلَّا تعوُّذًا منَ القَتلِ ، فأعرضَ عنهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ وعمَّن يليهِ منَ النَّاسِ ، فعلَ ذلِكَ مرَّتينِ ، كلُّ ذلِكَ يُعرِضُ عنهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ ، فلم يصبِرْ أن قالَ الثَّالثةَ مثلَ ذلِكَ ، فأقبلَ عليهِ النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ بوجهِهِ تُعرَفُ المساءةُ في وجهِهِ ، فقالُ: إنَّ اللَّهَ أبى عليَّ فيمن قتلَ مُؤمنًا ثلاثَ مرَّاتٍ يقولُ ذلِكَ الراوي : عقبة بن مالك المحدث : الوادعي المصدر : الصحيح المسند الصفحة أو الرقم: 948 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أحمد (22543)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (8593).

بَعَثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم برِسالةِ التَّوحيدِ والدَّعوةِ إلى عِبادةِ اللهِ وحدَه، فمَن قال لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ، فقد دَخَلَ في الإسلامِ وعَصَمَ بذلك دَمَه ومالَه، وحَرُمَ قَتلُه، وجاءَتِ النُّصوصُ بشِدَّةِ عُقوبةِ مَن قَتَلَ مُؤمِنًا بَعدَ إسلامِه، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عُقبةُ بنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعَثَ، أي: أرسَلَ سَريَّةً.

والسَّريَّةُ: طائِفةٌ مِنَ الجَيشِ يَبلُغُ أقصاها أربَعَمِائة شَخصٍ تُبعَثُ إلى العَدوِّ.

فأغارَت على القَومِ.

الإغارةُ: هيَ الهجومُ على العَدوِّ، أي: أنَّ هذه السَّريَّةَ هَجَمَت على قَومٍ تَقتُلُ فيهم، فشَذَّ رَجُلٌ مِنَ القَومِ، أي: انفرَدَ رَجُلٌ مِن أولئك القَومِ وهَرَبَ حتَّى لا يُقتَلَ، واتَّبَعَه رَجُلٌ مِنَ السَّريَّةِ، أي: لحِقَه رَجُلٌ مِن أصحابِ السَّريَّةِ ومَعَه سَيفٌ شاهِرٌ، أي: وهو مُبرِزٌ لسَيفِه مِن غِمدِه، يُريدُ قَتلَ ذلك الرَّجُلِ الذي هَرَبَ.

فلَمَّا أدرَكَه وقارَبَ أن يَقتُلَه، قال الشَّاذُّ مِنَ القَومِ، أي: قال الرَّجُلُ الذي انفرَدَ مِنَ القَومِ: إنِّي مُسلِمٌ، أي: أسلَمَ وأعلَنَ إسلامَه حتَّى يَعصِمَ دَمَه مِنَ القَتلِ، ولكِنَّ الرَّجُلَ الذي تَبِعَه مِن أصحابِ السَّريَّةِ لم يَنظُرْ فيما قال، أي: لم يَلتَفِتْ لقَولِ الرَّجُلِ الشَّاذِّ: إنِّي مُسلِمٌ، وظَنَّ أنَّه قالها خَوفًا مِنَ القَتلِ، فضَرَبَه فقَتَلَه، أي: قَتَلَ الرَّجُلُ الذي مِن أصحابِ السَّريَّةِ الرَّجُلَ الشَّاذَّ مِنَ القَومِ.

فنُمِيَ، أي: وصلَ أو رُفِع، الحَديثُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: أُعلِم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقِصَّةِ قَتلِ الرَّجُلِ بَعدَ نُطقِه بالإسلامِ.

فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَولًا شَديدًا، أي: غَلَّظ على الذي قَتَلَ بالقَولِ والذَّمِّ والوعيدِ.

فبَلَغَ القاتِلَ، أي: وصلَ للقاتِلِ، ما قال فيه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

فبَينَما النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَخطُبُ، أي: في وقتٍ كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَخطُبُ، إذ قال القاتِلُ: واللهِ يا نَبيَّ اللهِ ما قال الذي قال إلَّا تَعَوُّذًا، أي: إلَّا مُعتَصِمًا بالنُّطقِ بالإسلامِ خَوفًا مِنَ القَتلِ، أي: ما أرادَ بها الإسلامَ، وإنَّما أرادَ بها التَّحَصُّنَ مِنَ القَتلِ، ومَقصودُه أن يُبَيِّنَ عُذرَه في قَتلِ الرَّجُلِ، فأعرَض عَنه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعَمَّن يَليه مِنَ النَّاسِ، أي: تَنَحَّى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِ الجِهةِ التي فيها الرَّجُلُ ومَن كان في جِهَتِه مِنَ النَّاسِ.

فعَلَ ذلك مَرَّتَينِ، أي: أعادَ الرَّجُلُ الكَلامَ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَرَّتَينِ، وفي كُلِّ ذلك يُعرِضُ عَنه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا يُجيبُه، ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ لم يَصبِرْ على ذلك فأعادَ الكَلامَ للمَرَّةِ الثَّالِثةِ، فعِندَ ذلك أقبَلَ عليه النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه بوَجهِه، أي: التَفَتَ إليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بوَجهِه، تُعرَفُ المَساءةُ في وَجهِه، أي: الغَضَبُ ظاهِرٌ على وَجهِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَما جاءَ موضَّحًا في رِوايةٍ أخرى، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ اللَّهَ أبى، أي: مَنَعَ، عليَّ فيمَن قَتَلَ مُؤمِنًا، أي: أبى عليَّ أن يَغفِرَ لمَن قَتَلَ مُؤمِنًا، وكَأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استَغفرَ للقاتِلِ إلَّا أنَّه ما استُجيبَ له، أو أنَّه سَأَلَ اللَّهَ أن يَقبَلَ تَوبةَ القاتِلِ فامتَنَعَ سُبحانَه مِن قَبولِها، ثَلاثَ مَرَّاتٍ يَقولُ ذلك، أي: كَرَّرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليه الكَلامَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ! وهذا الوعيدُ خَرَجَ مَخرَجَ الزَّجرِ والتَّهويلِ، كَأنَّه عَلِمَ أنَّ ذلك القاتِلَ ليسَ مِمَّن أنابَ حَقَّ الإنابةِ أوِ المُرادُ مَنِ استَحَلَّ القَتلَ ظُلمًا؛ وذلك لأنَّ اللَّهَ تعالى يَغفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا لمَن تابَ مِنها وصَدَقَ في إنابَتِه.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ بَعثِ الإمامِ للسَّرايا.

وفيه أنَّ الإسلامَ يَعصِمُ صاحِبَه مِنَ القَتلِ.

وفيه بَيانُ الوعيدِ الشَّديدِ فيمَن قَتَلَ مُؤمِنًا.

وفيه بَيانُ شِدَّةِ إنكارِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَن قَتَلَ مُؤمِنًا .

أحاديث ذات صلة