أمرَنَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ ننطلِقَ إلى أرضِ النجاشِيِّ – فذكَرَ القِصَّةَ وفيها – وقال النجاشيُّ : أشهدُ أنَّهُ رسولُ اللهِ ، وأنَّهُ الذي بشرَ بِهِ عيسى ابنُ مرْيَمَ ، ولَوْلَا مَا أنا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لأتَيْتُهُ حتى أحمِلَ نعْلَيْهِ .
أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (2/ 338)، وابن أبي شيبة (14/ 346)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/ 114).
أمرَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ أن ننطلقَ معَ جعفرَ بنَ أبي طالبٍ إلى أرضِ النَّجاشيِّ ، قالَ فبلغَ ذلِكَ قومَنا فبعثوا عَمرو بنَ العاصِ وعمارةَ بنَ الوليدِ وجمَعوا للنَّجاشيِّ هديةً ، فقَدِمنا وقَدِما علَى النَّجاشيِّ ، فأتَوهُ بِهَديَّتِهِ فقبِلَها وسجدوا ثمَّ قالَ لَهُ عَمرو بنُ العاصِ : إنَّ قومًا منَّا رغِبوا عن دينِنا وَهُم في أرضِكَ .
فقالَ لَهُمُ النَّجاشيُّ : في أرضي ؟ قالوا : نعم .
فبعثَ إلينا فقالَ لَنا جعفرٌ : لا يتَكَلَّمُ منكُم أحدٌ أَنا خطيبُكُمُ اليومَ .
قال فانتَهَينا إلى النَّجاشيِّ وَهوَ جالسٌ في مَجلسِهِ وعَمرو بنُ العاصِ عن يمينِهِ وعمارةُ عن يسارِه ، والقسِّيسونَ والرُّهبانُ جلوسٌ سماطينِ ، وقد قال لهُ عمرو بنُ العاصِ وعمارةُ : إنَّهم لا يسجدونَ لَكَ .
قال فلمَّا انتَهَينا زَبَرَنا قالَ مَن عندَهُ منَ القسِّيسينَ والرُّهبانُ : اسجدوا للملِكِ .
فقالَ جعفرٌ : لا نسجدُ إلَّا للَّهِ فلمَّا انتَهَينا إلى النَّجاشيِّ قالَ : ما يمنعُكَ أن تسجُدَ ؟ قالَ : لا نسجُدَ إلَّا للَّهِ قالَ لَهُ النَّجاشيُّ : وما ذاكَ ؟ قالَ : إنَّ اللَّهَ بعثَ فينا رسولَهُ ، وَهوَ الرسولُ الَّذي بشرَ بهِ عيسَى ابنُ مريمَ برسولٍ يأتي من بعدي اسمُهُ أحمدُ فأمرَنا أن نعبدَ اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شيئًا ، ونقيمَ الصَّلاةَ ، ونُؤْتيَ الزَّكاةَ ، وأمرَنا بالمعروفِ ، ونَهانا عنِ المنكرِ .
قالَ : فأعجبَ النَّجاشيَّ قولُهُ ، فلمَّا رأى ذلِكَ عَمرو بنُ العاصِ قال : أصلحَ اللَّهُ الملِكَ ، إنَّهم يخالفونَ في ابنِ مريمَ .
فقالَ النَّجاشيُّ لجعفرٍ : ما يقولُ صاحبُكَ في ابنِ مريمَ ؟ قالَ : يقولُ فيهِ قَولَ اللَّهِ هوَ روحُ اللَّهِ وَكَلمتُهُ أخرجَهُ منَ البتولِ العذراءِ الَّتي لم يَقربَها بشرٌ قالَ : فتَناولَ النَّجاشيُّ عودًا منَ الأرضِ ، فقالَ : يا معشرَ القسِّيسينَ والرُّهبانَ ، ما يزيدُ ما يقولُ هؤلاءُ علَى ما تقولونَ في ابنِ مريمَ ما يزنُ هذِهِ ، مرحبًا بِكُم وبمَن جئتُمْ من عندِهِ ، فأَنا أشهدُ أنَّهُ رسولُ اللَّهِ والَّذي بشرَ بهِ عيسَى ابنُ مريمَ ، لَولا ما أَنا فيهِ منَ المُلكِ لأتَيتُهُ حتَّى أحملَ نعلَيهِ ، امكثوا في أرضي ما شئتُمْ وأمرَ لَنا بطعامٍ وَكِسوةٍ ، وقالَ : ردُّوا علَى هذَينِ هديَّتَهما .
قالَ : وَكانَ عَمرو بنُ العاصِ ، رجلًا قصيرًا ، وَكانَ عمارةُ بنُ الوليدِ رجلًا جميلًا ، قالَ : فأقبلا في البحرِ إلى النَّجاشيِّ ، قال فشرِبوا ، قال ومعَ عَمرو بنِ العاصِ امرأتُهُ ، فلمَّا شرِبوا الخمرَ ، قالَ عمارةُ لعمرٍو : مُرْ امرأتَكَ فلتقَبِّلْني .
فقال لهُ عَمرو ألا تستحي فأخذَهُ عمارةُ فرمَى بِهِ في البحرِ ، فجعلَ عَمرو يُناشدُهُ حتَّى أدخلَهُ السَّفينةَ ، فحقدَ عليهِ عمرٌو ذلِكَ ، فقالَ عمرٌو للنَّجاشيِّ : إنَّكَ إذا خرجتَ خَلَفَ عمارةُ في أَهْلِكَ .
قالَ : فدعا النَّجاشيُّ بعمارةَ فنفخَ في إحليلِهِ فصارَ معَ الوحشِ الراوي : أبو موسى الأشعري المحدث : الوادعي المصدر : صحيح دلائل النبوة الصفحة أو الرقم: 104 خلاصة حكم المحدث : صحيح .
ورجاله رجال الشيخين التخريج : أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (2/ 338)، وابن أبي شيبة (14/ 346) واللفظ له، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/ 114).
باختلاف يسير لمَّا بَعَثَ اللهُ رَسولَه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لدَعوةِ النَّاسِ لتَوحيدِ اللهِ تعالى، كَذَّبه قَومُه وآذَوه أشَدَّ الأذى، ولم يُؤمِنْ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا قِلَّةٌ قَليلةٌ مِنَ الضُّعَفاءِ، فتَسَلَّط كُفَّارُ قُرَيشٍ على مَن آمَنَ وآذَوهم وضَرَبوهم وضَيَّقوا عليهم، فلمَّا رَأى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شِدَّةَ أذى المُشرِكينَ للمُؤمِنينَ، أذِنَ لهم بالهجرةِ إلى الحَبَشةِ، وأخبَرَهم أنَّ بها مَلِكًا لا يُظلَمُ عِندَه أحَدٌ، فهاجَرَ جَماعةٌ مِنَ الصَّحابةِ إلى الحَبَشةِ، فأرسَلت قُرَيشٌ في طَلَبِهم حتَّى يَرجِعوا إلى مَكَّةَ، وفي هذا الحَديثِ يَحكي أبو موسى الأشعَريُّ رَضِيَ اللهُ عنه ما حَصَل لهم عِندَما هاجَروا إلى الحَبَشةِ، فيَقولُ: أمَرَنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن نَنطَلقَ مَعَ جَعفَرِ بنِ أبي طالِبٍ إلى أرضِ النَّجاشيِّ، أي: أن نُسافِرَ ونُهاجِرَ مَعَ جَعفَرِ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
ولعَلَّه وقَعَ هنا وَهمٌ مِنَ الرَّاوي؛ فظاهِرُه يَدُلُّ على أنَّ أبا موسى كان بمَكَّةَ، وأنَّه خَرَجَ مَعَ جَعفَرِ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه إلى أرضِ الحَبَشةِ، والصَّحيحُ عن أبي موسى أنَّه بَلغَهم مَخرَجُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهم باليَمَنِ فخَرَجوا مُهاجِرينَ في بِضعٍ وخَمسينَ رَجُلًا في سَفينةٍ، فألقَتهم سَفينَتُهم إلى النَّجاشيِّ بالحَبَشةِ، فوافقوا جَعفَرَ بنَ أبي طالِبٍ وأصحابَه عِندَه، فأمَرَهم جَعفَرٌ بالإقامةِ، فأقاموا حتَّى قَدِموا على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زَمَنَ خَيبَرَ، فأبو موسى شَهدَ ما جَرى بَينَ جَعفَرٍ وبَينَ النَّجاشيِّ، فأخبَرَ عنه.
فبَلغَ ذلك قَومَنا، أي: بَلغَ قَومَهم مِنَ الكُفَّارِ أنَّهم قد هاجَروا إلى الحَبَشةِ، فبَعَثوا، أي: أرسَلوا عَمرَو بنَ العاصِ، وكان ذلك قَبلَ إسلامِه، وعُمارةَ بنَ الوَليدِ، وجَمَعوا للنَّجاشيِّ -وهو لقَبُ مَلِكِ الحَبَشةِ- هَديَّةً، أي: أنَّهم كانوا قد جَهَّزوا هَدايا للنَّجاشيِّ ولأعوانِه يَستَلطِفونَه في أن يَرُدَّ عليهمُ الذينَ هاجَروا إلى عِندِه، يَقولُ أبو موسى: فقَدِمْنا، وقَدِما على النَّجاشيِّ، أي: وصَلْنا إلى الحَبَشةِ، ووصَل عَمرُو بنُ العاصِ وعُمارةُ بنُ الوليدِ إلى النَّجاشيِّ، فأتَوه بهَديَّتِه فقَبِلَها، أي: أعطَوا للنَّجاشيِّ الهَديَّةَ فقَبِلَها، وسَجَدوا، أي: سَجَدوا له تَعظيمًا له وتَحيَّةً، كَما هو شَأنُ الرَّعيَّةِ مَعَ المُلوكِ، ثُمَّ قال عَمرُو بنُ العاصِ للنَّجاشيِّ: إنَّ قَومًا مِنَّا، أي: مِن جَماعَتِنا مِن قُرَيشٍ رَغِبوا عن دينِنا، أي: تَرَكوا دينَنا وما نَحنُ عليه، وانتَقَلوا إلى دينٍ آخَرَ، وهم في أرضِك، أي: همُ الآنَ عِندَك في بَلدِك.
فقال لهمُ النَّجاشيُّ: في أرضي؟ أي -واللهُ أعلمُ- تَعَجَّب لماذا قدِموا إلى أرضِه واختاروها على غَيرِها مِنَ البُلدانِ.
قالوا: نَعَم، أي: أجَلْ هم في أرضِك.
يَقولُ أبو موسى: فبَعَثَ إلينا، أي: أرسَل النَّجاشيُّ إلى المُهاجِرينَ يَطلُبُ لُقياهم وحُضورَهم.
فقال لنا جَعفَرٌ: لا يَتَكَلَّمْ مِنكُم أحَدٌ، أنا خَطيبكُمُ اليَومَ، أي: إذا حَضَرنا عِندَ النَّجاشيِّ فلا يَتَكَلَّمْ كُلُّ واحِدٍ، وإنَّما نَكِلُ الكَلامَ لشَخصٍ واحِدٍ يَكونُ هو المُتَحَدِّثَ، وسَوف أكونُ أنا المُتَحَدِّثَ عنكُم؛ لأنَّه آنَسَ مِن نَفسِه رُشدًا.
فانتَهَينا إلى النَّجاشيِّ، أي: وصَلْنا إليه وهو جالسٌ في مَجلسِه، أي: مَجلِسِ مُلكِه، وعَمرُو بنُ العاصِ عن يَمينِه، وعُمارةُ بنُ الوَليدِ عن يَسارِه، والقِسِّيسونَ -جَمعُ قَسٍّ، وهو رَئيسٌ مِن رُؤَساءِ النَّصارى في الدِّينِ- والرُّهبانُ -جَمعُ راهبٍ، وهو المُتَعَبِّدُ في صَومَعةٍ مِنَ النَّصارى يَتَخَلَّى عن أشغالِ الدُّنيا ومَلاذِّها زاهدًا فيها مُعتَزِلًا أهلَها- جُلوسٌ سِماطَينِ أي: صَفَّينِ مُنتَظِمَينِ، كُلُّ صَفٍّ في جانِبٍ.
والمَعنى: أنَّ عَمرَو بنَ العاصِ كان عن يَمينِ النَّجاشيِّ، وعُمارةُ بنُ الوليدِ كان عن يَسارِ النَّجاشيِّ، وأمَّا القَساوِسةُ والرُّهبانُ فقد كانوا صَفَّينِ، كُلُّ صَفٍّ في جانِبٍ مِن جَوانِبِ النَّجاشيِّ.
وقد كان عَمرُو بنُ العاصِ وعُمارةُ قالا للنَّجاشيِّ: إنَّهم لا يَسجُدونَ لك، أي: إنَّ هؤلاء القَومَ الذينَ تَرَكوا دينَنا لا يَسجُدونَ لك كَما يَفعَلُ بَقيَّةُ الرَّعيَّةِ.
وأرادَ بذلك أن يوغِرَ صَدرَ النَّجاشيِّ عليهم.
فلمَّا انتَهَينا، أي: وصَلنا إلى قَصرِ النَّجاشيِّ ومَكانِه، زَبَرَنا، أي: انتَهَرَنا مَن عِندَ النَّجاشيِّ مِنَ القِسِّيسينَ والرُّهبانِ، وقالوا: اسجُدوا للمَلِكِ، أي: إذا دَخَلتُم على النَّجاشيِّ فاسجُدوا له.
فقال جَعفَرٌ رَضِيَ اللهُ عنه: لا نَسجُدُ إلَّا للهِ، أي: نَحنُ لا نَسجُدُ إلَّا للهِ وَحدَه؛ فهو المُستَحِقُّ للعِبادةِ كُلِّها، ومِنها السُّجودُ، فلمَّا انتَهَينا، أي: وصَلنا إلى النَّجاشيِّ، ولم يَسجُدوا، قال النَّجاشيُّ لجَعفَرٍ: ما يَمنَعُك أن تَسجُدَ؟ أي: ما الذي حَمَلك على عَدَمِ السُّجودِ لي.
فقال جَعفَرٌ: لا نَسجُدُ إلَّا للهِ! فقال له النَّجاشيُّ: وما ذاكَ؟ أي: فسِّرْ لي مَعنى قَولِك، وماذا تَقصِدُ أنَّكُم لا تَسجُدونَ إلَّا للهِ فقَط؟ فقال جَعفَرٌ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ فينا رَسولَه، أي: أرسَله لنا، وهو الرَّسولُ الذي بَشَّرَ به عيسى ابنُ مَريَمَ {برَسولٍ يَأتي مِن بَعدي اسمَه أحمَدُ}، أي: رَسولُنا هو الرَّسولُ الذي أخبَرَ به عيسى ابنُ مَريَمَ، فأمَرَنا نَبيُّنا أن نَعبُدَ اللَّهَ، أي: أن نُخلِصَ له العِبادةَ ولا نُشرِكَ به شَيئًا، أي: لا نَجعَلَ مَعَ اللهِ شَريكًا آخَرَ في العِبادةِ، ونُقيمَ الصَّلاةَ، أي: أمَرَنا بإقامةِ الصَّلاةِ، ونُؤتيَ الزَّكاةَ، أي: نُخرِجَ زَكاةَ أموالِنا، وإن كان تَفاصيلُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ لم تَكُنْ شُرِعَت حينَ ذلك.
وأمَرَنا بالمَعروفِ، أي: بكُلِّ ما هو خَيرٌ وحَسَنٌ، ونَهانا عنِ المُنكَرِ، أي: بكُلِّ ما هو قَبيحٌ وسَيِّئٌ، ومِن ذلك ما كانت عليه الجاهليَّةُ مِنَ القَبائِحِ.
فلمَّا سَمِعَ النَّجاشيُّ كَلامَ جَعفَرٍ أُعجِبَ بقَولِه.
فلمَّا رَأى ذلك عَمرُو بنُ العاصِ، أي: رَأى أنَّ النَّجاشيَّ أُعجِبَ بكَلامِ جَعفَرٍ وظَنَّ أنَّ النَّجاشيَّ لن يُرجِعَهم مَعَهم، أرادَ أن يوغِرَ صَدرَ النَّجاشيِّ بشَيءٍ عليهم، فقال: أصلحَ اللهُ المَلِكَ، إنَّهم -أي: جَعفَرًا وأصحابَه- يُخالفونَ في ابنِ مَريَمَ! أي: يُخالفونَك فيما تَعتَقِدُه أنتَ في نَبيِّكُم عيسى ابنِ مَريَمَ! فقال النَّجاشيُّ لجَعفَرٍ: ما يَقولُ صاحِبُك في ابنِ مَريَمَ؟ أي: ما يَقولُ نَبيُّكُم في عيسى ابنِ مَريَمَ؟ فقال جَعفَرٌ: يَقولُ فيه قَولَ اللهِ: هو رُوحُ اللهِ وكَلِمَتُه، أي: كان بكَلِمةِ اللهِ، أخرَجَه مِنَ البَتولِ.
والبَتولُ: هيَ المُنقَطِعةُ عنِ الأزواجِ للعِبادةِ، العَذراءِ، أي: البكرِ التي لم يَقرَبْها بَشَرٌ، أي: لم يَمسَّها بشَرٌ.
فلمَّا سَمِعَ النَّجاشيُّ كَلامَ جَعفَرٍ تَناول عودًا مِنَ الأرضِ، وقال: يا مَعشَرَ القِسِّيسينَ والرُّهبانِ، ما يَزيدُ ما يَقولُ هؤلاء على ما تَقولونَ في ابنِ مَريَمَ ما يَزِنُ هذه! أي: أنَّ ما تَعتَقِدونَه أيُّها القِسِّيسونَ والرُّهبانُ لا يَختَلفُ عَمَّا يَعتَقِدُه جَعفرٌ وأصحابُه، فلا يَزيدُ اعتِقادُكُم على اعتِقادِهم بمِثقالِ هذا العودِ، بَل هو سَواءٌ.
ثُمَّ قال النَّجاشيُّ لجَعفَرٍ ومَن مَعَه: مَرحَبًا بكُم، أي: أهلًا وسَهلًا بكُم في أرضي، وبمَن جِئتُم مِن عِندِه، أي: النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأنا أشهَدُ أنَّه رَسولُ اللهِ، أي: أُقِرُّ بأنَّ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو رَسولُ اللهِ، وهو الذي بَشَّرَ به عيسى ابنُ مَريَمَ، لولا ما أنا فيه مِنَ المُلكِ لأتَيتُه حتَّى أحمِلَ نَعلَيه! أي: إنَّ مُلكي يَمنَعُني مِنَ الذَّهابِ إليه ولُقياه، فأخافُ إن تَرَكتُ البَلَدَ والمُلكَ أن يَستَوليَ عليه غَيري، ولولا المُلكُ لأتَيتُه حتَّى أحمِلَ نَعلَيْ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
امكُثوا، أي: ابقَوا في أرضي ما شِئتُم، وأمَرَ لهمُ النَّجاشيُّ بطَعامٍ وكِسوةٍ.
وقال لجَماعَتِه أو للقَساوِسةِ والرُّهبانِ: رُدُّوا على هذينِ -أي: عَمرِو بنِ العاصِ، وعُمارةَ بنِ الوَليدِ- هَديَّتَهما، أي: أرجِعوا لهم هَداياهم فلا نُريدُها.
يَقولُ أبو موسى: وكان عَمرُو بنُ العاصِ رَجُلًا قَصيرًا، وكان عُمارةُ بنُ الوليدِ رَجُلًا جَميلًا، فأقبَلا في البَحرِ إلى النَّجاشيِّ، أي: عِندَ ذَهابِهم إلى النَّجاشيِّ لمَّا رَكِبوا البَحرَ مُسافِرينَ إلى الحَبَشةِ، فشَرِبوا، أي: شَرِبوا الخَمرَ حتَّى سَكِروا، ومَعَ عَمرِو بنِ العاصِ امرَأتُه، أي: كانت مَعَهم في السَّفرِ، فلمَّا شَرِبوا الخَمرَ، قال عُمارةُ لعَمرٍو: مُرِ امرَأتَك فلتُقَبِّلْني، أي: اجعَلْها تُقَبِّلُني! فقال عَمرٌو لعُمارةَ: ألَا تَستَحي؟! أي: ألَا تَستَحي مِن هذا الطَّلَبِ حَيثُ تُريدُني أن أجعَلَ زَوجَتي تُقَبِّلُك؟! فعِندَ ذلك أخَذَ عُمارةُ عَمرًا ورَمى به في البَحرِ؛ وذلك لأنَّ عَمرًا كان قَصيرًا وعُمارةُ كان طَويلًا، فجَعَل عَمرٌو يُناشِدُه، أي: يَصيحُ ويَطلُبُ مِنه أن يُخرِجَه مِنَ البَحرِ، فاستَجابَ عُمارةُ حتَّى أدخَل عَمرًا السَّفينةَ، فلهذا الفِعلِ حَقَد عَمرٌو على عُمارةَ؛ ولذلك قال عَمرٌو للنَّجاشيِّ: إنَّك إذا خَرَجتَ، أي: خَرَجتَ مِن قَصرِك أو مِن مَكانِك، خَلَفَ عُمارةُ في أهلِك، أي: أنَّ عُمارةَ يَذهَبُ إلى أهلِك ويواقِعُهم! ويُريدُ عَمرٌو بذلك أن يوغِرَ صَدرَ النَّجاشيِّ على عُمارةَ، فدَعا النَّجاشيُّ بعُمارةَ فنَفخَ في إحليلِه، أي: ذَكَرِه، فصارَ مَعَ الوَحشِ، أي: فعَلوا به سِحرًا حتَّى جُنَّ واستَوحَشَ، فصارَ يَعدو مَعَ الوَحشِ في البَرِّيَّةِ حتَّى ماتَ! والوَحشُ هو حَيَوانُ البَرِّ، الواحِدُ وَحشيٌّ، وأرضٌ مُوحِشةٌ، أي: خاليةٌ لا أنيسَ بها.
ثُمَّ رَجَعَ عَمرٌو إلى مَكَّةَ، وقد أهلكَ اللهُ صاحِبَه، وخَيَّبَ مَسيرَه ومَنَعَه حاجَتَه.
وفي الحَديثِ إذنُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للصَّحابةِ بالهجرةِ إلى الحَبَشةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الهِجرةِ عِندَ عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِن إظهارِ الدِّينِ وخَوفِ الفِتنةِ.
وفيه شِدَّةُ إيذاءِ قُرَيشٍ للمُسلمينَ.
وفيه دَهاءُ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه فِطنةُ جَعفَرٍ وحُنكَتُه في مُخاطَبةِ النَّجاشيِّ.
وفيه فَضلُ جَعفَرِ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه تَوكيلُ الجَماعةِ شَخصًا يَكونُ هو المُتَحَدِّثَ عنهم.
وفيه بَيانُ ما كان عليه الكُفَّارُ مِنَ السُّجودِ لمُلوكِهم.
وفيه بَيانُ تَبشيرِ عيسى عليه السَّلامُ بالنَّبيِّ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه بَيانُ أنَّ ما جاءَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يَختَلفُ عَمَّا جاءَ به عيسى عليه السَّلامُ.
وفيه إسلامُ النَّجاشيِّ.
وفيه أنَّ المُلْكَ قد يَمنَعُ كَثيرًا مِنَ الخَيرِ.
وفيه كَرَمُ النَّجاشيِّ وحُسنُ ضيافتِه للصَّحابةِ المُهاجِرينَ عِندَه.
وفيه بَيانُ بَعضِ مَفاسِدِ وأضرارِ الخَمرِ .
[المستدرك على الصحيحين] (2/ 338) :
3208 - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد الأصبهاني، ثنا أحمد بن مهران بن خالد الأصبهاني، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأ إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق إلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشا فبعثوا إلى عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد وجمعوا للنجاشي هدايا فقدمنا، وقدموا على النجاشي فأتوه بهدية فقبلها، وسجدوا له، ثم قال عمرو بن العاص: إن قوما منا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك.
فقال لهم النجاشي: في أرضي؟ قال: نعم، قال: فبعث إلينا فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد أنا خطيبكم اليوم فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه، وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون من الرهبان جلوس سماطين، فقال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك فلما انتهينا إليه زبرنا من عنده من القسيسين والرهبان اسجدوا للملك، فقال جعفر: لا نسجد إلا لله فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إن " الله بعث فينا رسوله، وهو الرسول الذي بشر به عيسى برسول يأتي من بعده اسمه أحمد فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر قال: فأعجب الناس قوله فلما رأى ذلك عمرو قال له: أصلح الله الملك، إنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله: هو روح الله، وكلمته، أخرجه من البتول العذراء، لم يقربها بشر، قال: فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه، مرحبا بكم، وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم ولولا ما أنا فيه من الملك، لأتيته حتى أحمل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لهم بطعام وكسوة، وقال: ردوا على هذين هديتهم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وإنما خرجته في هذا الموضع اقتداء بشيخنا أبي يحيى الخفاف فإنه خرجه في قوله عز وجل {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله} [[النساء: 172]] ".
مصنف ابن أبي شيبة - ترقيم عوامة (14/ 346) 37795- حدثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي ، قال : فبلغ ذلك قومنا ، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد ، وجمعوا للنجاشي هدية ، فقدمنا وقدما على النجاشي ، فأتوه بهديته فقبلها ، وسجدوا له ، ثم قال له عمرو بن العاص : إن قوما منا رغبوا عن ديننا ، وهم في أرضك ، فقال لهم النجاشي : في أرضي ؟ قالوا : نعم ، فبعث إلينا.
فقال لنا جعفر : لا يتكلم منكم أحد ، أنا خطيبكم اليوم ، قال : فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه ، وعمرو بن العاص عن يمينه ، وعمارة عن يساره والقسيسون والرهبان جلوس سماطين ، وقد قال له عمرو بن العاص وعمارة : إنهم لا يسجدون لك.
قال : فلما انتهينا إليه ، زبرنا من عنده من القسيسين والرهبان : اسجدوا للملك ، فقال جعفر : لا نسجد إلا لله ، فلما انتهينا إلى النجاشي ، قال ، ما يمنعك أن تسجد ؟ قال : لا نسجد إلا لله ، قال له النجاشي : وما ذاك ؟ قال : إن الله بعث فينا رسوله ، وهو الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم عليهما السلام : {برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} ، فأمرنا أن نعبد الله ، ولا نشرك به شيئا ، ونقيم الصلاة ، ونؤتي الزكاة ، وأمرنا بالمعروف ، ونهانا عن المنكر ، قال : فأعجب النجاشي قوله.
فلما رأى ذلك عمرو بن العاص ، قال : أصلح الله الملك ، إنهم يخالفونك في ابن مريم عليه السلام ، فقال النجاشي لجعفر : ما يقول صاحبك في ابن مريم ؟ قال : يقول فيه قول الله : هو روح الله وكلمته ، أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر ، قال : فتناول النجاشي عودا من الأرض ، فقال : يا معشر القسيسين والرهبان ، ما يزيد ما يقول هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه ، مرحبا بكم ، وبمن جئتم من عنده ، فأنا أشهد أنه رسول الله ، والذي بشر به عيسى ابن مريم ، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه ، امكثوا في أرضي ما شئتم ، وأمر لنا بطعام وكسوة ، وقال : ردوا على هذين هديتهما.
قال : وكان عمرو بن العاص رجلا قصيرا ، وكان عمارة بن الوليد رجلا جميلا ، قال : فأقبلا في البحر إلى النجاشي ، قال : فشربوا ، قال : ومع عمرو بن العاص امرأته ، فلما شربوا الخمر ، قال عمارة لعمرو : مر امرأتك فلتقبلني ، فقال له عمرو : ألا تستحي ، فأخذه عمارة فرمى به في البحر ، فجعل عمرو يناشده حتى أدخله السفينة ، فحقد عليه عمرو ذلك ، فقال عمرو للنجاشي : إنك إذا خرجت خلف عمارة في أهلك ، قال : فدعا النجاشي بعمارة فنفخ في إحليله فصار مع الوحش.
[حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - ط السعادة] (1/ 114) :
حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن زكريا الغلابي ثنا عبد الله بن رجاء ثنا إسرائيل عن أبي اسحاق عن بردة عن أبيه .
قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشا فبعثوا عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد.
فجمعوا للنجاشي هدية، فقدمنا وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية فقبلها، وسجدا له.
ثم قال له عمرو ابن العاص: إن أناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك.
قال لهم النجاشي في أرضي؟ قالوا نعم؟ فبعث إلينا.
فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد، أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس فى مجلس وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون والرهبان جلوس سماطين سماطين.
وقد قال لهم عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان اسجدوا للملك.
فقال جعفر: لا نسجد إلا لله عز وجل.
قال له النجاشى: وما ذاك؟ قال إن الله تعالى بعث فينا رسولا وهو الرسول الذي بشر به عيسى عليه السلام.
قال: من بعدي اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة.
وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر.
فأعجب النجاشي قوله.
فلما رأى ذلك عمرو بن العاص.
قال: أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في ابن مريم.
فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال يقول فيه قول الله عز وجل: هو روح الله وكلمته أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر، ولم يفترضها ولد.
فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه.
فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه.
مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده.
وأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى عليه السلام، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعله.
امكثوا في أرضي ما شئتم.
وأمر لنا بطعام وكسوة.
وقال: ردوا على هذين هديتهما.
رواه إسماعيل بن جعفر ويحيى بن أبي زائدة في آخرين عن إسرائيل.