عن شَقيقِ بنِ سَلَمةَ قالَ: كَثيرًا ما كُنْتُ آتي الصَّبيَّ بنَ مَعبَدٍ أنا ومَسْروقٌ نَسأَلُه عن هذا الحَديثِ، قالَ: كُنْتُ امْرَأً نَصْرانيًّا، فأَسلَمْتُ، فأَهْلَلْتُ بالحَجِّ والعُمْرةِ، فسَمِعَني سَلْمانُ بنُ رَبيعةَ وزَيدُ بنُ صَوْحانَ، وأنا أُهِلُّ بِهما بالقادِسيَّةِ، فقالا: لَهذا أَضَلُّ مِن بَعيرِ أهْلِه، فكأنَّما حُمِلَ علَيَّ بكَلِمتِهما جَبَلٌ حتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ، فأَتَيْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ وهو بمِنًى، فذَكَرْتُ ذلك له، فأَقبَلَ عليهما فلامَهما، وأَقبَلَ علَيَّ فقالَ: هُديْتَ لسُنَّةِ نَبيِّك صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ مَرَّتَينِ.

الدلالات الموضوعية:# حج - الإهلال بالنسك# اعتصام بالسنة - لزوم السنة# علم - الحث على الأخذ بالسنة
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: عمر بن الخطاب
المحدث: الوادعي
الحكم:صحيح

الشرح والتوضيح

[عنِ] الصُّبَيِّ بنِ مَعبَدٍ، وكانَ رَجُلًا نَصرانيًّا مِن بَني تَغلِبَ، قال: كُنتُ نَصرانيًّا فأسلَمتُ، فاجتَهَدتُ فلم آلُ، فأهلَلتُ بحَجَّةٍ وعُمرةٍ، فمَرَرتُ بالعُذَيبِ على سَلمانَ بنِ رَبيعةَ وزَيدِ بنِ صُوحانَ، فقال أحَدُهما: أبِهما جَميعًا؟ فقال له صاحِبُه: دَعْه، فلَهو أضَلُّ مِن بَعيرِه.

قال: فكَأنَّما بَعيري على عُنُقي.

فأتَيتُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه فذَكَرتُ ذلك له، فقال لي عُمَرُ: إنَّهما لم يَقولا شَيئًا، هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبيِّكَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

الراوي : عمر بن الخطاب المحدث : ابن كثير المصدر : مسند الفاروق الصفحة أو الرقم: 1/302 خلاصة حكم المحدث : محفوظ بل متواتر إلى أبي وائل ، وقد صرح فيه بالتحديث عن الصبي بن معبد فهو على شرط البخاري ومسلم التخريج : أخرجه أبو داود (1799)، والنسائي (2719)، وابن ماجه (2970)، وأحمد (169) واللفظ لهم.

الحَجُّ فريضةٌ مِن فرائِضِ الدِّينِ شَرَعَها اللهُ لحِكَمٍ عَظيمةٍ، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفةَ الحَجِّ بيانًا كاملًا بقَولِه وفِعلِه، وقال: خُذوا عَنِّي مَناسِكَكُم، وبَيَّن صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه أنواعَ مَناسِكِ الحَجِّ، وهيَ ثَلاثةٌ: التَّمَتُّعُ، وهو: أن يُحرِمَ بعُمرةٍ مُفرَدةٍ في أشهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ يَتَحَلَّلَ مِنها تَحَلُّلًا كاملًا، ثُمَّ يُحرِمَ بالحَجِّ في نَفسِ العامِ.

والقِرانُ، وهو أن يُحرِمَ بالعُمرةِ والحَجِّ جميعًا في أشهُرِ الحَجِّ، والإفرادُ بأن يُحرِمَ بالحَجِّ فقَط، والمُحرِمُ مُخَيَّرٌ في فِعلِ أيِّ واحِدٍ مِنها، ومِمَّا جاءَ في قَرنِ الحَجِّ مَعَ العُمرةِ أنَّ الصُّبَيَّ بنَ مَعبَدٍ -وكان رَجُلًا نَصرانيًّا مِن قَبيلةِ بَني تَغلِبَ، وهيَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ- أسلَم، ثُمَّ إنَّه أرادَ الحَجَّ، وأحَبَّ أن يَجمَعَ بَينَ الحَجِّ والعُمرةِ في سَفرةٍ واحِدةٍ، يَقولُ: فاجتَهَدتُ فلَم آلُ، أي: اجتَهَدتُ في ذلك ولَم أُقَصِّرْ ولَم أُفرِّطْ، فأهلَلْتُ بحَجَّةٍ وعُمرةٍ، أي: قارِنًا بَينَهما.

ثُمَّ إنَّه مَرَّ وهو مُسافِرٌ إلى الحَجِّ بالعُذَيبِ، وهو اسمُ ماءٍ لبني تَميمٍ، قُربَ الكوفةِ.

فلَقيَ سَلمانَ بنَ رَبيعةَ وزَيدَ بنَ صُوحانَ.

وقد رَأياه أهلَّ بالحَجِّ والعُمرةِ مَعًا.

فقال أحَدُهما: أبهِما جَميعًا؟ أي: أأهلَلْتَ بالحَجِّ والعُمرةِ مَعًا، مُتَعَجِّبَينِ ومُنكِرَينِ فِعلَه ذلك، وكانا يَظُنَّانِ أنَّه لا يُشرَعُ أن يَجمَعَ المُحرِمُ بَينَ الحَجِّ والعُمرةِ، فقال له صاحِبُه، أي: الرَّجُلُ الآخَرُ: دَعْه.

ويَقصِدُ الصُّبَيَّ بنَ مَعبَدٍ، أي: اترُكْه ولا تُكَلِّمْه فلَهو أضَلُّ مِن بَعيرِه! أي: هو جاهلٌ وليس عِندَه مَعرِفةٌ بكَيفيَّةِ النُّسُكِ، فهو أجهَلُ مَن جَمَلِه! يَقولُ الصَّبيّ: فكَأنَّما بَعيري على عُنُقي! أي: أنَّه تَأثَّرَ مِن إنكارِهما عليه واهتَمَّ لذلك وخاف ألَّا يَكونَ حَجُّه صَحيحًا، ومِن شِدَّةِ تَأثُّرِه أنَّه قال: كَأنَّ جَمَلَه أصبَحَ فوقَه! وفي رِواية: كَأنَّما أُلقِيَ عَلَيَّ جَبَلٌ! ثُمَّ إنَّه قَدِمَ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه وذَكَرَ ذلك له، فقال له عُمَرُ: إنَّهما، أي: سَلمانَ بنَ رَبيعةَ وزَيدَ بنَ صُوحانَ، لَم يَقولا شَيئًا، أي: أنَّ كَلامَهما وقَولَهما بعَدَمِ صِحَّةِ فِعلِك غَيرُ صَحيحٍ.

وأنتَ قد وفَّقَك اللَّهُ وهَداك لسُنَّةِ نَبيِّك صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: أنَّ الجَمعَ بَينَ الحَجِّ والعُمرةِ مِن هَديِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وسُنَّتِه.

والمَعنى: أنَّك لَستَ أضَلَّ مِن بَعيرِك، بَل أنتَ أعلَمُ مِنهما؛ حَيثُ هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبيِّك صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وجَهِلاها.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الجَمعِ بَينَ الحَجِّ والعُمرةِ في الإحرامِ.

وفيه الرُّجوعُ إلى أهلِ العِلمِ وسُؤالُهم عَمَّا قد يُشكِلُ على الإنسانِ.

وفيه خُطورةُ التَّعَجُّلِ والكَلامِ في الدِّينِ بدونِ عِلمٍ.

وفيه حِرصُ الصُّبَيِّ بنِ مَعبَدٍ على التَّفقُّهِ ومَعرِفةِ الأحكامِ .

أحاديث ذات صلة