عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: جاءَ تأويلُ هذه الآيةِ على رَأسِ سِتِّينَ سنةً: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا} [الأحزاب: 14] يَعْني: إدْخالَ بَني حارثةَ أهْلَ الشَّامِ على أهْلِ المدينةِ في وَقْعةِ الحَرَّةِ.
عن ابنِ عباسٍ قال جاء تأويلُ هذه الآيةِ على رأسِ ستين سنةً { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا } يعني إدخالَ بني حارثةَ أهلَ الشامِ على أهلِ المدينةِ في وقعةِ الحَرَّةِ الراوي : [عكرمة مولى ابن عباس] المحدث : ابن حجر العسقلاني المصدر : فتح الباري لابن حجر الصفحة أو الرقم: 13/76 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) (6/ 473) واللفظ له، والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (3/ 327) بنحوه.
كان عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما مِمَّن أُوتيَ عِلمَ التَّأويلِ؛ فقد دَعا له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُعَلِّمَه اللهُ التَّأويلَ، فرُزِقَ مِن ذلك عِلمًا كَثيرًا، ولذا سُمِّيَ بحَبرِ القُرآنِ وتَرجُمانِ القُرآنِ، وقد فسَّرَ كثيرًا مِن آياتِ القُرآنِ، ومِن ذلك تَفسيرُه لقَولِه تعالى: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا} [الأحزاب: 14] وأنَّ تَأويلَ هذه الآيةِ -والمَقصودُ بالتَّأويلِ هنا تَحَقُّقُ الشَّيءِ ووُقوعُه، وأنَّ هذه الآيةَ قد تَحَقَّقَ ما فيها- كان على رَأسِ سَنةِ سِتِّينَ مِنَ الهجرةِ عِندَما وقَعَتِ الفِتَنُ، وأنَّ بني حارِثةَ، وهم مِنَ المَدينةِ أدخَلوا أهلَ الشَّامِ على أهلِ المَدينةِ في وَقعةِ الحَرَّةِ.
والحَرَّةُ هيَ الحِجارةُ السَّوداءُ، والمَدينةُ النَّبَويَّةُ تَقَعُ بَينَ حَرَّتَينِ، وبَنو حارِثةَ يَسكُنونَ آخِرَ حَرَّةِ المَدينةِ الشَّرقيَّةِ.
ووَقعةُ الحَرَّةِ كانت في سَنةِ ثَلاثٍ وسِتِّينَ مِنَ الهجرةِ، وسَبَبُها أنَّ أهلَ المَدينةِ خَلَعوا بَيعةَ يَزيدَ بنِ مُعاويةَ وكان بالشَّامِ، وبايَعوا عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ وكان في مَكَّةَ، وخَلَعوا واليَ يَزيدَ في المَدينةِ وحاصَروا بَني أُميَّةَ في دارِ مَروانَ، فأرسَلَ إليهم يَزيدُ جَيشًا بقيادةِ مُسلِمِ بنِ عُقبةَ، فلَمَّا وصَلَ المَدينةَ استَقبَلَهم أهلُ المَدينةِ بجُموعٍ كَثيرةٍ، فهابَهم أهلُ الشَّامِ وكَرِهوا قِتالَهم، فلَمَّا نَشِبَ القِتالُ سَمِعوا في جَوفِ المَدينةِ التَّكبيرَ؛ وذلك أنَّ بني حارِثةَ أدخَلوا قَومًا مِنَ الشَّاميِّينَ مِن جانِبِ الخَندَقِ، فتَرَكَ أهلُ المَدينةِ القِتالَ ودَخَلوا المَدينةَ خَوفًا على أهلِهم، فحاصَرَهم مُسلِمُ بنُ عُقبةَ، وأمهَلَهم ثَلاثةَ أيَّامٍ ليَخلَعوا بَيعةَ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ ويَعودوا لبَيعةِ يَزيدَ بنِ مُعاويةَ، فأبَوا وخَرَجوا إلى الحَرَّةِ مَعَ أميرِهم عبدِ اللهِ بنِ حَنظَلةَ الغَسيلِ، وجَرى في الحَرَّةِ قِتالٌ شَديدٌ، وسُمِّيَت وَقعةَ الحَرَّةِ لذلك، فقُتِلَ فيها الكَثيرُ مِن أبناءِ الصَّحابةِ وغَيرِهم، وكان مُسلِمُ بنُ عُقبةَ قد أباحَ لجَيشِه المَدينةَ مُدَّةَ ثَلاثةِ أيَّامٍ، سَلَبوا فيها ما شاؤوا، وكانت وقعةً شَديدةً عَظيمةً، وفاجِعةً مُسيئةً، وأُكرِهَ أهلُ المَدينةِ ثانيةً على مُبايَعةِ يَزيدَ.
وفي الحَديثِ بَيانُ ابنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما لمَعنى الفِتنةِ في الآيةِ، وأنَّها قد تَحَقَّقَت .