قَدِمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأربَعٍ خَلَوْنَ من ذي الحِجَّةِ، فلمَّا طافوا بالبَيتِ وبين الصَّفا والمَروةِ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اجعَلوها عُمْرةً، فلمَّا كان يومُ التَّرويةِ لَبَّوْا، فلمَّا كان يومُ النَحرِ قَدِموا فطَافوا بالبَيتِ، ولم يَطوفوا بين الصَّفا والمروةِ.
أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (4157)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (3879)، كلاهما بلفظه، وأصل الحديث في صحيح البخاري (1568)، ومسلم (1216)
انْطَلَقَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ ما تَرَجَّلَ، وادَّهَنَ، ولَبِسَ إزَارَهُ ورِدَاءَهُ هو وأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عن شَيءٍ مِنَ الأرْدِيَةِ والأُزُرِ تُلْبَسُ إلَّا المُزَعْفَرَةَ الَّتي تَرْدَعُ علَى الجِلْدِ، فأصْبَحَ بذِي الحُلَيْفَةِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حتَّى اسْتَوَى علَى البَيْدَاءِ، أَهَلَّ هو وأَصْحَابُهُ وقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وذلكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِن ذِي القَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لأرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِن ذِي الحِجَّةِ، فَطَافَ بالبَيْتِ، وسَعَى بيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ولَمْ يَحِلَّ مِن أَجْلِ بُدْنِهِ؛ لأنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ وهو مُهِلٌّ بالحَجِّ، ولَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بهَا حتَّى رَجَعَ مِن عَرَفَةَ، وأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ وبيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِن رُؤُوسِهِمْ، ثُمَّ يَحِلُّوا، وذلكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ معهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، ومَن كَانَتْ معهُ امْرَأَتُهُ فَهي له حَلَالٌ، والطِّيبُ والثِّيَابُ.
الراوي : عبدالله بن عباس المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 1545 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : من أفراد البخاري على مسلم بَيَّن النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحكامَ الحَجِّ والعُمرةِ وسُننَهما وآدابَهما، بالقولِ والفِعلِ، ونقَلَ الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم ما سَمِعوه وما رَأَوه مِنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في ذلك.
وفي هذا الحديثِ يَرْوي عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَرَج مِن المدينةِ مُتوجِّهًا إلى مكَّةَ في حَجَّةِ الوَداعِ لخَمسِ لَيالٍ بَقِينَ مِن ذي القَعْدةِ بعْدَ ما سَرَّح شَعرَه، وتَطيَّبَ بالمِسكِ والرَّوائحِ الطَّيِّبةِ، ولَبِسَ ثِيابَهُ، فلم يَنْهَ عن شَيءٍ مِن الأَرْديةِ -جمْعُ رِداءٍ، وهو للنِّصفِ الأعلى مِن الجَسدِ- والأُزُرِ -جمْعُ إِزارٍ، وهو للنِّصفِ الأسفلِ مِن الجسَدِ- أنْ تُلْبَسُ إلَّا الملابسَ المَصْبوغةَ بالزَّعفَرانِ التَّي تُؤثِّر في بَدَنِ لابِسها بِلَونِها أو رِيحِها.
فأصبَح بذي الْحُلَيْفَةِ، وهي قَريةٌ بيْنها وبيْن المدينةِ سِتَّةُ أميالٍ أو سبعَةٌ (10 كم)، وهي مِيقاتُ أهلِ المدينةِ ومَن مرَّ بها مِن غيرِ أهْلِها، وركِبَ راحِلتَه -وهي ناقتُه، وتُسمَّى راحلةً؛ لأنَّه يَرتحِلُ عليها- حتَّى اعْتَدَلَ بها على البَيداءِ، وهي مَكانٌ بالقُربِ مِن ذي الحُلَيفةِ مِن جِهةِ مكَّةَ، وسُمِّيتْ بَيداءَ؛ لعدَمِ وُجودِ مَعالِمَ فيها مِن أبْنيةٍ ونحوِها، و«أهلَّ» مِن الإهلالِ، وهو رفْعُ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ، وصِيغتُها: «لَبَّيكَ اللَّهمَّ لَبَّيك، لَبَّيك لا شَريكَ لك لَبَّيك، إنَّ الحمْدَ والنِّعمةَ لك والمُلكَ، لا شَريكَ لك».
ولم يكُنْ هذا الإهلالُ بِدايةَ إحْرامِه؛ فإنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحرَمَ مِن مَسجِد ذي الحُلَيْفةِ، وأهَلَّ إهلالَه الأوَّلَ مِن هناكَ، ثمَّ أهَلَّ إهلالَه الثَّانيَ حينَ استَقلَّت به ناقتُه -أي: قامتْ وارْتَفَعَت-، ثمَّ أهَلَّ للمرَّةِ الثَّالثةِ حينَ عَلا شَرَفَ البَيْدَاءِ.
فقَدِمَ مَكَّةَ لأربعِ لَيالٍ خَلَونَ مِن ذي الحِجَّة، أي: أنَّه قَدِمَ صَبيحةَ اليومِ الرَّابعِ منه، فطافَ بالبَيتِ طَوافَ القُدومِ، وسَعى بيْن الصَّفا والمَروةِ، فأتمَّ بذلك العُمرةَ، ولم يَتحلَّلْ مِن إحرامِه بسَببِ أنَّه قدْ ساقَ الهَدْيَ وقَلَّدَه -وتقليدُ البَدنةِ أنْ يُعلَّقَ في عُنقِها شيءٌ ليُعلَمَ أنها هَدْيٌ-، فاستَمرَّ في نُسكِه، ثمَّ نَزَلَ بأعلى مَكَّةَ عند الحَجونِ، وهو جَبَلٌ مُشرِفٌ على المُحَصَّبِ على بُعدِ مِيلٍ ونِصفٍ مِن البَيتِ، ولم يَقرَبِ الكَعبةَ بعْدَ طَوافِه بها حتَّى رَجَعَ مِن عَرَفَةَ.
وأمَرَ أصحابَه الذين لم يكُنْ معهم هَدْيٌ أنْ يَطَّوَّفوا بِالبَيتِ وبيْن الصَّفا والمَروةِ، ثمَّ يُقَصِّروا مِن رُؤوسِهم، فيَفسَخوا الحجَّ إلى العُمرةِ، ويتَحلَّلوا بالطَّوافِ والسَّعيِ، وذلكَ لمَن لَم يكُن معه بَدنةٌ، فأمْرُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِفَسْخِ الحجِّ إلى العُمرةِ خاصٌّ بمَن لم يَسُقِ الهَدْيَ.
ثُمَّ أوضَحَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِمَن تَحلَّلَ أنْ مَن كانتْ معهُ امْرَأَتُه فَهي له حَلالٌ بالمُعاشَرةِ والجِماعِ، ويَحِلُّ له الطِّيبُ والثِّيَابُ، ومِن هُنا سُمِّيَ هذا النُّسُكُ بالتَّمتُّعِ، ويَستمِرُّ على ذلك حتَّى يومِ الثامنِ مِن ذي الحجَّةِ، فيُحرِمُ للحَجِّ ويُكمِلُ مَناسِكَه.
وفي الحديثِ: مَشروعيَّةُ التَّطيُّبِ قبْلَ الإحرامِ.
وفيه: مَشروعيَّةُ التَّمتُّعِ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحجِّ.
السنن الكبرى - النسائي - ط الرسالة (4/ 218) :
4157 - أخبرني هلال بن العلاء، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن جابر ، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربع خلون من ذي الحجة، فلما طاف بالبيت وبالصفا والمروة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها عمرة، فلما كان يوم التروية لبوا بالحج فلما كان يوم النحر قدموا فطافوا بالبيت ولم يطوفوا بين الصفا والمروة .
شرح معاني الآثار (2/ 191) :
3879 - حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا حجاج ، قال: ثنا حماد ، عن قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن جابر رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لأربع خلون من ذي الحجة.
فلما طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها عمرة فلما كان يوم التروية لبوا ، فلما كان يوم النحر ، قدموا فطافوا بالبيت ، ولم يطوفوا بين الصفا والمروة .
[صحيح البخاري] (2/ 143) :
1568 - حدثنا أبو نعيم : حدثنا أبو شهاب: قال: قدمت متمتعا مكة بعمرة، فدخلنا قبل التروية بثلاثة أيام، فقال لي أناس من أهل مكة: تصير الآن حجتك مكية، فدخلت على عطاء أستفتيه، فقال: حدثني جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفردا، فقال لهم: أحلوا من إحرامكم، بطواف البيت وبين الصفا والمروة، وقصروا، ثم أقيموا حلالا، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمينا الحج.
فقال: افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله.
ففعلوا.
[صحيح مسلم] (2/ 884 ) :
143 - (1216) وحدثنا ابن نمير.
حدثنا أبو نعيم.
حدثنا موسى بن نافع.
قال:
قدمت مكة متمتعا بعمرة.
قبل التروية بأربعة أيام.
فقال الناس: تصير حجتك الآن مكية.
فدخلت على عطاء بن أبي رباح فاستفتيته.
فقال عطاء: حدثني جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهم؛ أنه حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ساق الهدي معه.
وقد أهلوا بالحج مفردا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحلوا من إحرامكم.
فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة.
وقصروا.
وأقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج.
واجعلوا التي قدمتم بها متعة".
قالوا: كيف جعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: "افعلوا ما آمركم به.
فإني لولا أني سقت الهدي، لفعلت مثل الذي أمرتكم به.
ولكن لا يحل مني حرام.
حتى يبلغ الهدي محله" ففعلوا .