قَدِمَ نَبَطيٌّ من الشَّامِ بثلاثينَ حِمْلَ شَعيرٍ وتَمْرٍ في زَمَنِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَعَّرَ، يَعني هذا بدِرهَمٍ بمُدِّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وليس في النَّاسِ يَومَئذٍ طَعامٌ غَيرُه، فشَكا النَّاسُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَلاءَ السِّعْرِ، فخَطَبَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ألَا لَألْقَيَنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قبْلَ أنْ أُعطيَ أحَدًا من مالِ أحَدٍ بغَيرِ طِيبِ نَفْسِه.
أخرجه ابن ماجه (2201) مختصرا بنحوه، وأحمد (11809) بنحوه، وأبو يعلى (1354) واللفظ له
أنَّ يهودِيًّا قدِم زمنَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بثلاثينَ حِملِ شعيرٍ وبُرٍّ , فسَعَّر مُدًّا بمُدٍّ النبيٍّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بدرهمٍ , وليس في الناسِ يومَئذٍ طعامٌ غيرُه , وكان قد أصاب الناسَ قبلَ ذلك جوعٌ لا يجِدونَ فيه طعامًا فأتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الناسُ يَشْكونَ غَلاءَ السِّعرِ , فصعِد المِنبَرَ , فحمِد اللهَ تعالى وأثنى عليه , فقال لأَلقَيَنَّ اللهَ من قَبلِ أن أُعطِيَ أحدًا من مالِ أحدٍ من غيرِ طِيبِ نفسٍ , إنما البيعُ عن تَراضٍ, ولكنَّ في بُيوعِكم خِصالًا أذكُرُها لكم : لا تَضاغَنوا, ولا تَحاسَدوا , ولا تَناجَشوا, ولا يَسومُ الرجُلُ على سَومِ أخيه , ولا يَبيعَنَّ حاضرٌ لبادٍ والبيعُ عن تَراضٍ , فكونوا عِبادَ اللهِ إخوانًا الراوي : أبو سعيد الخدري المحدث : العجلوني المصدر : كشف الخفاء الصفحة أو الرقم: 2/475 خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن التخريج : أخرجه ابن حبان (4967) واللفظ له، وابن ماجه (2185)، وأبو يعلى (1354) مختصرا.
جاءَ الإسلامُ بِكُلِّ ما يُقَوِّي الأُخوَّةَ بَينَ المُسلِمينَ ويَزيدُ مِن تَرابُطِهم، ونَهى عن كُلِّ ما يُؤَدِّي إلى وُجودِ التَّنازُعِ والخِصامِ والشَّحناءِ بَينَهم، ومِن ذلك أنَّه نَهى عن كُلِّ المُعامَلاتِ في البَيعِ والشِّراءِ التي تُؤَدِّي إلى التَّنازُعِ والِاختِلافِ ووُجودِ الشَّحناءِ والتَّباغُضِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو سَعيدٍ الخُدريُّ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: إنَّ يَهوديًّا قَدِمَ زَمَنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِثَلاثينَ حِملَ شَعيرٍ وبُرٍّ، أي: بِثَلاثينَ مِنَ الجِمالِ مُحَمَّلةً بِالشَّعيرِ والبُرِّ يُريدُ أن يَبيعَها في المَدينةِ، فسَعَّرَ مُدًّا بِمُدِّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِدِرهَمٍ، أي: جَعَلَ سِعرَ المُدِّ الواحِدِ بِمُدِّ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِدِرهَمٍ.
والمُدُّ: هو مِلءُ كَفَّيِ الإنسانِ المُعتَدِلِ إذا مَلَأهما ومَدَّ يَدَيه بِهما، ويُساوي حاليًّا: 398 غَرامًا.
وليس في النَّاسِ يَومَئِذٍ طَعامٌ غَيرُه، أي: لَم يَكُنْ لِلنَّاسِ في ذلك الوقتِ غَيرُ هذا الطَّعامِ الذي قَدِمَ به هذا اليَهوديُّ.
وكان قد أصابَ النَّاسَ قَبلَ ذلك جوعٌ لا يَجِدونَ فيه طَعامًا، أي: كان قد وقَعَ بِالنَّاسِ جوعٌ شَديدٌ قَبلَ قُدومِ هذا اليَهوديِّ، حتَّى إنَّهم كانوا لا يَجِدونَ شَيئًا مِنَ الطَّعامِ.
والمَقصودُ بَيانُ حالِ الصَّحابةِ في ذلك الوقتِ وشِدَّةِ حاجَتِهم لِما مَعَ اليَهوديِّ مِنَ الطَّعامِ، ولَكِن كان سِعرُ اليَهوديِّ لِلطَّعامِ مُرتَفِعًا، فذَهَبَ النَّاسُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَشكونَ غَلاءَ السِّعرِ، أي: ارتِفاعَ ثَمَنِ سِعرِ الطَّعامِ، ويُريدونَ مِنه أن يُسَعِّرَ لَهم.
فصَعِدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المِنبَرَ، فحَمِدَ اللَّهَ تعالى وأثنى عليه، أي: افتَتَحَ حَديثَه بِحَمدِ اللهِ تعالى والثَّناءِ عليه وذِكرِه بِما هو سُبحانَه لَه أهلٌ، ثُمَّ قال: لَألقَيَنَّ اللَّهَ مِن قَبلِ أن أُعطيَ أحَدًا مِن مالِ أحَدٍ مِن غَيرِ طِيبِ نَفسٍ، أي: إنِّي أخافُ أن ألقى اللَّهَ تعالى وقد أعطَيتُ أحَدَكُم مِن مالِ غَيرِه بِدونِ رِضا نَفسِه وطيبَتِه.
إنَّما البَيعُ عن تَراضٍ، أي: فإنَّ البَيعَ الشَّرعيَّ الصَّحيحَ لا يَكونُ إلَّا عن تَراضٍ بَينَ البائِعِ والمُشتَري، فلا يَتَفارَقانِ إلَّا عن تَراضٍ بَينَهما فيما يَتَعَلَّقُ بِإعطاءِ الثَّمَنِ وقَبضِ المَبيعِ، والمَعنى: أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم امتَنَعَ مِن تَسعيرِ السِّلَعِ خَشيةَ أن يَأخُذَ أحَدُهم مِن غَيرِه سِلعةً بِغَيرِ طِيبِ نَفسِه.
ولَكِنَّ في بُيوعِكُم، أي: في بَيعِكُم وشِرائِكُم، خِصالًا أذكُرُها لَكُم، أي: أُبَيِّنُها لَكُم حتَّى يَكونَ بَيعُكُم وشِراؤُكُم صحيحًا بعيدًا عن كُلِّ ما يُفسِدُه: لا تَضاغَنوا.
الضِّغنُ: الحِقدُ والعَداوةُ والبَغضاءُ، أي: لا يَحقِدْ ولا يُبغِضْ أحَدُكُمُ الآخَرَ، ولا تَحاسَدوا.
والحَسَدُ: تَمَنِّي زَوالِ النِّعمةِ عنِ الغَيرِ، أي: لا يَتَمَنَّ أحَدُكُم زَوالَ النِّعمةِ عن أخيه المُسلِمِ.
ولا تَناجَشوا.
النَّجْشُ: هو أن يَمدَحَ السِّلعةَ ليُنَفِّقَها ويُرَوِّجَها، أو يَزيدَ في ثَمَنِها وهو لا يُريدُ شِراءَها؛ ليَقَعَ غَيرُه فيها.
ولا يَسومُ الرَّجُلُ على سَومِ أخيه.
المُساوَمةُ: المُجاذَبةُ بَينَ البائِعِ والمُشتَري على السِّلعةِ وفَصلِ ثَمَنِها.
والمَنهيُّ عنه أن يَتَساومَ المُتَبايِعانِ في السِّلعةِ ويَتَقارَبَ الِانعِقادُ، فيَجيءَ رَجُلٌ آخَرُ يُريدُ أن يَشتَريَ تلك السِّلعةَ ويُخرِجَها مِن يَدِ المُشتَري الأوَّلِ بِزيادةٍ على ما استَقَرَّ الأمرُ عليه بَينَ المُتَساوِمَينِ ورَضِيَا به قَبلَ الِانعِقادِ، فذلك مَمنوعٌ عِندَ المُقارَبةِ؛ لِما فيه مِنَ الإفسادِ، ومُباحٌ في أوَّلِ العَرضِ والمُساوَمةِ، ولا يَبيعَنَّ حاضِرٌ لبادٍ، أي: لا يَتَولَّ الحَضَريُّ -وهو السَّاكِنُ في المَدينةِ- بَيعَ سِلعةِ البادي، وهو الذي يَسكُنُ الباديةَ، وذلك بِأن يَأتيَ الرَّجُلُ مِنَ الباديةِ فيَأتيَ إليه الحَضَريُّ ويَقولَ لَه: اترُكْ عِندي سِلعَتَك وأنا أبيعُها لَك.
والبَيعُ عن تَراضٍ، أي: إنَّما صِحَّةُ البَيعِ وتَمامُه ما صَدَرَ عن تَراضٍ مِنَ المُتَبايِعَينِ، فكونوا عِبادَ اللهِ إخوانًا، أي: إذا تَرَكتُم هذه المَنهيَّاتِ كُنتُم إخوانًا، ومَفهومُه: إذا لم تَترُكوها تَصيرون أعداءً، ومَعنى كونوا إخوانًا: اكتَسِبوا ما تَصيرونَ به إخوانًا مِمَّا سَبَقَ ذِكرُه وغَيرِ ذلك مِنَ الأُمورِ المُقتَضيةِ، فأنتُم عَبيدُ اللهِ؛ فحَقُّكُم أن تتواخَوا بِذلك فتَكونوا كإخوانِ النَّسَبِ في الشَّفقةِ والرَّحمةِ والمَحَبَّةِ والمواساةِ والمُعاونةِ والنَّصيحةِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ المُعامَلةِ في البَيعِ والشِّراءِ مَعَ الكُفَّارِ.
وفيه بَيانُ شِدَّةِ الحاجةِ والفقرِ الذي أصابَ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم.
وفيه مَشروعيَّةُ شَكوى الرَّعيَّةِ لِلإمامِ ما يَقَعُ لَهم.
وفيه مَشروعيَّةُ الخُطبةِ مِن فوقِ المِنبَرِ عِندَ الحاجةِ لِذلك.
وفيه مَشروعيَّةُ افتِتاحِ الكَلامِ بِالحَمدِ والثَّناءِ على اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وفيه بَيانُ بَعضِ آدابِ البَيعِ.
وفيه النَّهيُ عنِ التَّضاغُنِ.
وفيه النَّهيُ عنِ التَّحاسُدِ.
وفيه النَّهيُ عنِ التَّناجُشِ.
وفيه النَّهيُ عنِ السَّومِ على سَومِ الغَيرِ.
وفيه النَّهيُ عن بَيعِ الحاضِرِ لِلبادي.
وفيه كَونُ البَيعِ لا يَكونُ إلَّا عن تَراضٍ.
وفيه الأمرُ بِالتَّآخي.
وفيه الحَثُّ على اكتِسابِ ما يَصيرُ المُسلِمونَ به إخوانًا.
وفيه الحَذَرُ مِن كُلِّ ما يُؤَدِّي إلى أسبابِ البَغضاءِ والشَّحناءِ بَينَ المُسلِمينَ .