كلُّ نائحةٍ تكذبُ إلا أُمَّ سعدٍ
أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (3/ 427) واللفظ له.
لَمَّا أُصيبَ أكحَلُ سَعدٍ، فثَقُلَ، حوَّلُوه عندَ امرأةٍ يُقالُ لها: رُفَيدةُ، تُداوي الجَرحى، فكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا مَرَّ به يقولُ: كيف أمسَيتَ؟ وكيف أصبَحتَ؟ فيُخبِرُه، حتى كانتِ اللَّيلةُ التي نقَلَه قَومُه فيها، وثَقُلَ، فاحتَمَلوه إلى بَني عَبدِ الأشهَلِ، إلى مَنازلِهم، وجاء رسولُ اللهِ، فقيلَ: انطَلِقوا به.
فخرَجَ، وخرَجْنا معه، وأسرَعَ حتى تَقطَّعَتْ شُسوعُ نِعالِنا، وسقَطَتْ أردِيَتُنا، فشَكا ذلك إليه أصحابُه، فقال: إنِّي أخافُ أنْ تَسبِقَنا إليه الملائكةُ، فتُغسِّلَه كما غسَّلَتْ حَنظَلةَ.
فانتَهى إلى البَيتِ، وهو يُغسَّلُ، وأُمُّه تَبكيه، وتقولُ: وَيلَ أُمِّ سَعدٍ سَعدَا ...
حَزامةً وجِدَّا فقال: كلُّ باكيةٍ تَكذِبُ، إلَّا أُمَّ سَعدٍ.
ثُمَّ خرَجَ به، قال: يقولُ له القَومُ: ما حمَلْنا يا رسولَ اللهِ مَيِّتًا أخَفَّ علينا منه.
قال: ما يَمنَعُه أنْ يَخِفَّ وقد هبَطَ مِن الملائكةِ كذا وكذا، لم يَهبِطوا قَطُّ قبلَ يومِهم، قد حمَلوه معكم! الراوي : محمود بن لبيد المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج سير أعلام النبلاء الصفحة أو الرقم: 1/287 خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن.
التخريج : أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (3/ 427، والذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (سيرة1/ 520) واللفظ لهما، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (1129) مختصرًا.
الصَّحابةُ خَيرُ القُرونِ؛ فهمُ الذينَ ناصَروا النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ووقَفوا مَعَه، وكانوا يُقدِّمونَ أنفُسَهم على نَفسِه؛ ولهذا أثنى اللهُ تَعالى عليهم وأثنى عليهمُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولبَعضِهم مَناقِبُ ومَزايا يَتَمَيَّزُ بها عَن غَيرِه خَصَّه بها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومِن ذلك الصَّحابيُّ الجَليلُ سَعدُ بنُ مُعاذٍ رَضيَ اللهُ عنه سَيِّدُ الأوسِ، وكان مِن أعظَمِ النَّاسِ بَرَكة على قَومِه فإنَّه لما أسلَمَ قال لقَومِه: كَلامُ رِجالكُم ونِسائِكُم علي حَرام حَتَّى تُسَلِّموا.
فأسلَموا، فكان مِن أعظَمِ النَّاسِ بَرَكةً على قَومِه؛ فإنَّه لمَّا أسلَمَ قال لقَومِه: كَلامُ رِجالِكُم ونِسائِكُم عليَّ حَرامٌ حَتَّى تُسلِموا، فأسلَموا، فكان مِن أعظَمِ النَّاسِ بَرَكةً في الإسلامِ.
وقد شَهدَ مَعَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم غَزوةَ بَدرٍ، وغَزوةَ أُحُدٍ، وفي غَزوةِ الخَندَقِ أُصيبَ رَضِيَ اللهُ عنه في أَكحَلِه، وهو عِرقٌ في وسَطِ الذِّراعِ يَكثُرُ فَصدُه، ولَمَّا ثَقُلَ واشتَدَّ مَرَضُه جَعَلَه قَومُه عِندَ امرَأةٍ يُقالُ لَها: رُفَيدةُ، كانت تُداوي الجَرحى، فكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا مَرَّ على سَعدٍ يَسألُ عنه ويَقولُ: كَيف أمسَيتَ؟ وكَيف أصبَحتَ؟ فيُخبرُه سَعدٌ بحاله، حَتَّى كانتِ اللَّيلةُ التي نَقَلَه قَومُه فيها، واشتَدَّ مَرَضُه وحَضرَته الوفاةُ، حَمَلوه إلى بَني عَبدِ الأشهَلِ، إلى مَنازِلِهم، فجاءَ رَسولُ اللهِ كعادَتِه يَسألُ عنه، فقيلَ له: انطَلَقوا به، أي: أنَّ قَومَه قد أخَذوه إلى مَنازِلِهم.
فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومَعَه أصحابُه، وأسرَعَ في السَّيرِ يُريدُ إدراكَ سَعدٍ، حَتَّى تَقَطَّعَت شُسوعُ نِعالِ الصَّحابةِ! وشِسعُ النَّعلِ: هو سَيرٌ يُمسِكُ النَّعلَ بأصابعِ القدَمِ، وسَقَطَت أردَيتُهمُ التي كانوا يَلبَسونَها مِن شِدَّةِ السَّعيِ، فشَكا الصَّحابةُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك، فبَيَّنَ لَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَبَبَ سُرعَتِه فقال: إنِّي أخافُ أن تَسبِقَنا إلى سَعدٍ المَلائِكةُ، فتُغَسِّلَه كما غَسَّلَت حَنظَلةَ! وهو حَنظَلةُ بنُ عامِرٍ، وكان قد خَرَجَ للقِتالِ يَومَ أُحُدٍ وهو جُنُبٌ فاستُشهِدَ فغَسَّلَته المَلائِكةُ.
فلَمَّا وصَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى البَيتِ الذي فيه سَعدٌ، إذا هم يُغَسِّلونَه، وأمُّ سَعدٍ تَبكيه، وتَقولُ: وَيلُ أمِّ سَعدٍ سَعدَا ...
حَزامةً وجِدَّا! تَندُبُه وتَبكيه؛ فقد كان ذا حَزمٍ وجِدٍّ ضابطًا لأُمورِه آخِذًا فيها بالثِّقةِ والعَزمِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كُلُّ باكيةٍ تَكذِبُ، أي: كُلُّ باكيةٍ تَكذِبُ في بُكائِها على المَيِّتِ، إلَّا أُمَّ سَعدٍ! أي: فإنَّها تَبكيه بصِدقٍ.
وفي رِوايةٍ: أنَّه قيلَ لأُمِّ سَعدٍ: أتَقولينَ الشِّعرَ على سَعدٍ؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: دَعوها، فغَيرُها مِنَ الشُّعَراءِ أكذَبُ! ثُمَّ خَرَجَ الصَّحابةُ بجِنازةِ سَعدٍ يَحمِلونَه، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، ما حَمَلْنا مَيِّتًا أخَفَّ علينا مِنه! فقال رَسولُ اللهِ: ما يَمنَعُه أن يَخِفَّ وقد هَبَطَ مِنَ المَلائِكةِ كَذا وكَذا، لَم يَهبِطوا قَطُّ قَبلَ يَومِهم، قد حَمَلوه مَعَكُم! أي: أنَّ سَبَبَ خِفَّتِه أنَّ المَلائِكةَ نَزَلَت تَحمِلُه مَعَكُم.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ مُداواةِ المَرأةِ للرَّجُلِ الأجنَبيِّ عِندَ الحاجةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ زيارةِ المَريضِ والسُّؤالِ عن حالِه.
وفيه مَشروعيَّةُ إخبارِ المَريضِ عن حالِه، وأنَّه ليس مِنَ التَّشَكِّي المَذمومِ.
وفيه حِرصُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على زيارةِ سَعدٍ قَبلَ مَوتِه.
وفيه فَضلُ حَنظَلةَ بنِ عامِرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، الذي غَسَّلَته المَلائِكةُ.
وفيه مَشروعيَّةُ البُكاءِ على المَيِّتِ.
وفيه فَضلُ سَعدِ بنِ مُعاذٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه إثباتُ كَراماتِ الأولياءِ.
الطبقات الكبرى - ط دار صادر (3/ 427) :
أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: لما أصيب أكحل سعد يوم الخندق فثقل حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة، وكانت تداوي الجرحى، فكان النبي، عليه السلام، إذا مر به يقول: كيف أمسيت؟ وإذا أصبح قال: كيف أصبحت؟ فيخبره، حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها فثقل فاحتملوه إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما كان يسأل عنه، وقالوا قد انطلقوا به، فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وخرجنا معه فأسرع المشي حتى تقطعت شسوع نعالنا وسقطت أرديتنا عن أعناقنا، فشكا ذلك إليه أصحابه: يا رسول أتعبتنا في المشي، فقال: إني أخاف أن تسبقنا الملائكة إليه فتغسله كما غسلت حنظلة.
فانتهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى البيت وهو يغسل وأمه تبكيه وهي تقول:
ويل أم سعد سعدا … حزامة وجدا فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كل نائحة تكذب إلا أم سعد.
ثم خرج به، قال يقول له القوم أو من شاء الله منهم: يا رسول الله ما حملنا ميتا أخف علينا من سعد.
فقال: ما يمنعكم من أن يخف عليكم وقد هبط من الملائكة كذا وكذا، وقد سمى عدة كثيرة لم أحفظها، لم يهبطوا قط قبل يومهم قد حملوه معكم.