كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ يومٍ قدْ وَضعَ ثوبَهُ بينَ فخِذَيْه، فجاءَ أبو بكْرٍ فاستأذَنَ، فأَذِنَ له وهو على هَيئَتِه، ثمَّ عُمَرُ بمِثلِ هذه القِصَّةِ، ثم علِيٌّ، ثمَّ ناسٌ مِن أصحابِه، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على هيئَتِه، ثمَّ جاءَ عُثمانُ، فاستأذَنَ، فأذِنَ له، فأخَذَ ثوبَه فتَجلَّلَه، فتحدَّثوا، ثمَّ خَرَجوا.
قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، جاءَ أبو بكرٍ، وعُمَرُ، وعلِيٌّ وسائرُ أصحابِكَ، وأنتَ على هيئَتِكَ، فلمَّا جاءَ عُثمانُ، تَجلَّلْتَ بثوبِكَ! فقالَ: ألَا أَستَحْيي ممَّنْ تَستَحْيي منه الملائِكةُ؟
أخرجه أحمد (26466) واللفظ له، وعبد بن حميد (1545)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (1719)
كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذاتَ يومٍ قد وَضَعَ ثَوبَه بينَ فَخِذَيهِ فجاءَ أبو بَكرٍ فاستأذَنَ، فأَذِنَ له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على هَيئَتِه، ثم جاءَ عُمَرُ بمِثلِ هذه الصِّفةِ، ثم أُناسٌ من أصحابِه، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على هَيئَتِه، ثم جاءَ عُثمانُ فاستأذَنَ عليه، ثم أخَذَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ثَوبَه فتجلَّلَه، فتَحدَّثوا، ثم خَرَجوا، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، جاءَ أبو بَكرٍ، وعُمَرُ، وعلِيٌّ، وناسٌ من أصحابِكَ، وأنتَ على حالِكَ، فلمَّا جاءَ عُثمانُ تجلَّلتَ ثَوبَكَ، قال: أوَلَا أسْتَحْيي ممَّن تَستَحْيي منه المَلائِكةُ ؟ الراوي : حفصة أم المؤمنين المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج مشكل الآثار الصفحة أو الرقم: 1719 خلاصة حكم المحدث : صحيح كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُراعي أحْوالَ أصحابِه وطَبائعَهم، ويُنزِلُ كلَّ واحدٍ منهم مَنزلتَه.
وفي هذا الحديثِ تقولُ حَفْصةُ بنتُ عُمَرَ زَوجُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذاتَ يومٍ قد وضَعَ ثَوبَه بينَ فَخِذَيْه" والفَخِذُ هو مَا بينَ الساقِ والوَرِكِ، وهي المِنطَقةُ اللَّحْميةُ المُمَدَّةُ فوقَ الرُّكبةِ منَ الأمامِ، وفي روايةِ مُسلِمٍ من حديثِ عائشةَ رضِيَ اللهُ عنه: " كاشِفًا عن فَخِذَيْه، أو ساقَيْه"، قالت حَفْصةُ: "فجاء أبو بَكرٍ فاسْتأذَنَ" للدخولِ والجلوسِ معَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "فأذِنَ له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على هَيْئَتِه"، وهو على تلك الحالِة، والتي فيها كَشْفٌ للفَخِذِ أوِ الساقِ، "ثم جاء عُمَرُ بمِثلِ هذه الصفةِ، ثم أُناسٌ من أصْحابهِ والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على هَيْئَتِه" بمَعنى: أنَّ كلَّ مَن دخَلَ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جالَسَه والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على حالتِه، قالت: "ثم جاء عُثمانُ فاسْتأْذَنَ عليه، ثم أخَذَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ثَوبَه فتَجَلَّلَه"، غطَّى فَخِذَيْه بالثوبِ، "فتَحَدَّثوا، ثم خَرَجوا" تكلَّمَ الصحابةُ معَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وجالَسوه بعضَ الوَقتِ، ثم انْصَرَفوا من عندِه، "فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، جاء أبو بَكرٍ، وعُمَرُ، وعليٌّ، وناسٌ من أصحابِكَ، وأنتَ على حالِكَ"، كاشِفًا للفَخِذِ والساقِ، "فلمَّا جاء عُثمانُ تَجلَّلْتَ ثَوبَكَ، قال: أَوَلَا أسْتَحْيي ممَّن تَسْتَحْيي منه المَلائكةُ؟" غطَّى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَخِذَه واهتَمَّ لدُخولِ عُثمانَ اسْتِحْياءً له، لَمَّا كان الغالبُ عليه الحَياءَ، فجَزاه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عليه من جِنْسِ فِعلِه.
والحَياءُ في الأصْلِ نَوْعانِ: ما كان خُلُقًا وجِبلَّةً غيرَ مُكتَسَبٍ، وهو مِن أجَلِّ الأخْلاقِ الَّتي يَمنَحُها اللهُ العَبدَ، ويَجبُلُه عليها؛ فإنَّه يكُفُّ عنِ ارْتِكابِ القَبائحِ، ودَناءةِ الأخْلاقِ، ويحُثُّ على استِعْمالِ مَكارمِ الأخْلاقِ ومَعاليها.
والنَّوعُ الثَّاني: ما كان مُكتَسَبًا مِن مَعرفةِ اللهِ، ومَعرفةِ عَظَمتِه وقُربِه مِن عبادِه، واطِّلاعِه عليهم، وعِلمِه بخَائنةِ الأعْيُنِ وما تُخْفي الصُّدورُ؛ فهذا مِن أعْلى خِصالِ الإيمانِ، بل هو مِن أعْلى دَرَجاتِ الإحْسانِ.
وفي الحديثِ: الحثُّ على تَوْقيرِ مَن يَستَحِقُّ منَ الناسِ، ولا سِيَّما منَ المَشايخِ والعُلَماءِ والصالِحينَ.
وفيه: مَشْروعيَّةُ تَعَرِّي الرجُلِ في بَيتِه معَ سَترِ عَوْرَتِه.
وفيه: مَشْروعيَّةُ الإذْنِ في دُخولِ الرجُلِ على غَيرِه.
وفيه: فَضيلةٌ ومَنْقَبةٌ لعُثمانَ رضِيَ اللهُ عنه.
وفيه: أنَّ الحَياءَ صِفةٌ خُلُقيَّةٌ مَمْدوحةٌ من صفاتِ المَلائكةِ.
[مسند أحمد] (44/ 66 ط الرسالة) ((26466- حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو خالد، عن عبد الله بن أبي سعيد المدني)، قال: حدثتني حفصة ابنة عمر بن الخطاب ، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر فاستأذن، فأذن له وهو على هيئته، ثم عمر بمثل هذه القصة، ثم علي، ثم ناس من أصحابه، والنبي صلى الله عليه وسلم على هيئته، ثم جاء عثمان، فاستأذن، فأذن له، فأخذ ثوبه فتجلله، فتحدثوا، ثم خرجوا.
قلت: يا رسول الله، جاء أبو بكر وعمر وعلي وسائر أصحابك، وأنت على هيئتك، فلما جاء عثمان، تجللت بثوبك! فقال: (( ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة)).
[المنتخب من مسند عبد بن حميد ت مصطفى العدوي] (2/ 392) ((1545- أنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عثمان بن خالد، عن عبد الله بن سعيد، أن حفصة أخبرته: أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر فدخل والنبي صلى الله عليه وسلم على هيئته، ثم جاء عمر، ثم جاء علي، ثم جاء الناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فتحدث معهم، ثم جاء عثمان فاستأذن فجلل عليه، ثم أذن له، فلما خرجوا قلت: يا رسول الله، استأذن أبو بكر ثم عمر ثم علي وأنت على هيئتك، فلما استأذن عثمان جللت عليك الثوب؟ فقال: ((ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟)).
[شرح مشكل الآثار] (4/ 420) ((1719- كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثني أبو خالد، عن عبد الله بن أبي سعيد المديني، قال: حدثتني حفصة ابنة عمر ، قالت: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه فجاء أبو بكر فاستأذن فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم على هيئته ثم جاء عمر بمثل هذه الصفة، ثم أناس من أصحابه، والنبي صلى الله عليه وسلم على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن عليه، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه فتجلله، فتحدثوا، ثم خرجوا، فقلت: يا رسول الله، جاء أبو بكر، وعمر، وعلي وناس من أصحابك، وأنت على حالك، فلما جاء عثمان تجللت ثوبك قال:)) أولا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة ((؟ قال: وسمعت أبي، وغيره يحدثون نحوا من هذا قال أبو جعفر: فكلام الزهري الذي ذكرته أنه المخاطب لنا هو عندنا على قصد الزهري به إلى أبي خالد هذا أو إلى من سواه وإلى عبد الله بن أبي سعيد وأمثاله لا إلى محمد بن أبي حرملة وأمثاله إن شاء الله، والذي نقوله: نحن أن نصحح الحديثين جميعا فنجعلهما كانا من رسول الله صلى الله عليه وسلم في يومين مختلفين أو في مرتين مختلفتين، قال في كل واحد منهما واحدا من القولين المذكورين فيهما، وفي ذلك اجتماع الفضيلتين جميعا لعثمان رضي الله عنه باستحياء الملائكة منه وبحيائه في نفسه رضوان الله عليه وبالله التوفيق)).