أنَّ مالكًا قال: يا مُعاويةُ، إنَّ محمَّدًا أخَذَ جيراني فانطلِقْ إليه؛ فإنَّه قد عَرَفَكَ وكَلَّمَكَ، قال: فانطلَقتُ معه، فقال: دَعْ لي جيراني؛ فإنَّهم قد كانوا أسلَموا، فأعرَضَ عنه، فقام مُتمَعِّطًا فقال: أمَا واللهِ لئنْ فَعَلتَ إنَّ النَّاسَ ليَزعُمونَ أنَّكَ تَأمُرُ بالأمْرِ، وتُخالِفُ إلى غيرِه.
وجَعَلتُ أجُرُّه وهو يَتكلَّمُ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما يقولُ؟ فقالوا: إنَّكَ واللهِ لئن فَعَلتَ ذلك، إنَّ النَّاسَ ليَزعُمونَ أنَّكَ لتَأمُرُ بالأمْرِ وتُخالِفُ إلى غيرِه.
قال: فقال: أوَقَدْ قالوها -أو قائلُهم- فلئِنْ فَعَلتُ ذاك -وما ذاك إلَّا عليَّ- وما عليهم مِن ذلك مِن شيءٍ، أرسِلوا له جيرانَه.
أخرجه أبو داود (3631) مختصراً، وأحمد (20014) واللفظ له
أنَّ أخاه -أو عَمَّه- قام إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: جيراني بِمَ أُخِذوا؟ فأعرَضَ عنه، قال: جيراني بِمَ أُخِذوا؟ فأعرَضَ عنه، ثُمَّ قال: جيراني بما أُخِذوا؟ فأعرَضَ عنه، فقال: لئن قُلتَ ذلك، لقد زَعَمَ النَّاسُ أنَّ محمَّدًا يَنهى عن الغَيِّ ويَستَخْلي به.
فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما قال؟ فقام أخوه -أو ابنُ أخيه- فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّه، إنَّه، فقال: أمَا لقد قُلتُموها، أو قال قائلُكم، ولئن كنتُ أفعَلُ ذلك إنَّه لعلَيَّ، وما هو عليكم، خَلُّوا له عن جيرانِه.
الراوي : معاوية بن حيدة القشيري المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 20042 خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن التخريج : أخرجه أبو داود (3631)، وأحمد (20042) واللفظ له أُوتيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَكارِمَ الأخلاقِ، وقد كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذا خُلُقٍ عَظيمٍ، ومِن أخلاقِه العَظيمةِ صَبرُه عَمَّا يَسمَعُه مِن كَلامِ بَعضِ النَّاسِ فيه، بَل ويَصفحُ عنهم ويَعفو، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ مُعاويةُ بنُ حَيدةَ رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ أخاه أو عَمَّه -وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوي- قامَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَخطُبُ كَما في رِوايةٍ أُخرى، وجاءَ أيضًا سَبَبُ تَعَرُّضِ هذا الرَّجُلِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ ففي رِوايةٍ أُخرى أنَّ مُعاويةَ قال: أخَذَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ناسًا مِن قَومي في تُهمةٍ فحَبَسَهم، فجاءَ رَجُلٌ مِن قَومي إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يَخطُبُ، وقال لَه: جيراني بمَ أُخِذوا؟ أي: بأيِّ وجهٍ أخَذَ أصحابُك جيراني وقَومي وحَبَسوهم؟ فأعرَض عنه، أي: أعرَضَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن هذا الرَّجُلِ ولَم يُجِبْه، فأعادَ الرَّجُلُ مَرَّةً أُخرى، وقال: جيراني بمَ أُخِذوا؟ فأعرَضَ عنه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قال مَرَّةً ثالِثةً: جيراني بمَ أُخِذوا؟ فأعرَضَ عنه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وقيلَ: إنَّما أعرَضَ عنه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لكَونِه كَلَّمَه في حالِ الخُطبةِ ولَم يَصبِرْ عليه إلى أن يَفرُغَ، فإعراضُه عنه مَعَ كَلامِه له مَرَّتَينِ كالتَّأديبِ له، فعِندَ ذلك قال الرَّجُلُ: لَئِن قُلتَ ذلك، أي: أعرَضتَ عنِّي ولَم تُجِبْ لماذا حَبَستَ جيراني، لَكان قَولُ النَّاسِ فيك حَقًّا حينَ زَعَموا أنَّ مُحَمَّدًا يَنهى عنِ الغَيِّ، أي: الضَّلالِ والِانهماكِ في الباطِلِ -وفي رِوايةٍ: الشَّرِّ- ويَستَخلي به! أي: يَنفرِدُ ويَستَقِلُّ به، والمَعنى: تَنهى عنِ الضَّلالِ والشَّرِّ وتَنفرِدُ به، أي: تَفعَلُه! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَن كان حاضِرًا: ما قال؟ أي: ماذا يَقولُ هذا الرَّجُلُ؟ أو ماذا يَقولُ النَّاسُ عنِّي؟ فقامَ أخوه أوِ ابنُ أخيه، أي: أخو هذا الرَّجُلِ الذي تَكَلَّمَ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّه إنَّه، أي: لا عليك مِنه يا رَسولَ اللهِ؛ فإنَّ فيه كَذا وكَذا، وقَصْدُه بذلك أن يَصرِفَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَمَّا قال الرَّجُلُ، وقد جاءَ في رِوايةٍ أنَّ مُعاويةَ قال: فجَعَلتُ أُعَرِّضُ بَينَهما، أي: بَينَ الرَّجُلِ والنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالكَلامِ مَخافةَ أن يَسمَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَلامَ الرَّجُلِ، فيَدعوَ على قَومي دَعوةً لا يُفلِحونَ بَعدَها أبَدًا! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَا لَقد قُلتُموها، أو قال قائِلكُم! أي: وصَلَ بكُمُ الحالُ أن تَطعنوا فيَّ، ولَئِنْ كُنتُ أفعَلُ ذلك، أي: مِنَ الشَّرِّ أوِ الغَيِّ ونَحوِ ذلك، إنَّه لَعَليَّ، وما هو عليكُم، أي: فإنَّ وِزرَ ذلك خاصٌّ بي فقَط، وليس عليكُم مِنَ الوِزرِ شَيءٌ.
ومَعَ هذا فقدَ عَفا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن جيرانِه وخَلَّى سَبيلَهم، فقال: خَلُّوا له -مِنَ التَّخليةِ، أي: التَّركِ- عن جيرانِه، أي: اترُكوا جيرانَه، وأخرِجوهم مِنَ الحَبسِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ ما كان يُلاقيه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ النَّاسِ.
وفيه كَثرةُ حِلمِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وحُسنُ خُلُقِه الكَريمِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الحَبسِ في التُّهمةِ وغَيرِها.
وفيه بَيانُ أنَّ ضَلالَ الإمامِ وشَرَّه عليه، ولا يَتَحَمَّلُ النَّاسُ مِن وِزرِه شَيئًا .
[سنن أبي داود] (3/ 350 ط مع عون المعبود) 3631- حدثنا محمد بن قدامة ومؤمل بن هشام.
قال ابن قدامة: حدثني إسماعيل، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال ابن قدامة: ((إن أخاه أو عمه، وقال مؤمل: إنه قام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقال: جيراني بما أخذوا فأعرض عنه مرتين، ثم ذكر شيئا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خلوا له عن جيرانه)).
لم يذكر مؤمل: وهو يخطب
[مسند أحمد] (33/ 218 ط الرسالة) ((20014- حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه : أن أخاه مالكا قال يا معاوية، إن محمدا أخذ جيراني، فانطلق إليه، فإنه قد عرفك وكلمك.
قال: فانطلقت معه، فقال: دع لي جيراني، فإنهم قد كانوا أسلموا.
فأعرض عنه، فقام متمعطا، فقال: أما والله لئن فعلت، إن الناس ليزعمون أنك تأمر بالأمر، وتخالف إلى غيره.
وجعلت أجره وهو يتكلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما يقول؟)) فقالوا: إنك والله لئن فعلت ذلك، إن الناس ليزعمون أنك لتأمر بالأمر، وتخالف إلى غيره.
قال: فقال: (( أو قد قالوها- أو قائلهم-؟ فلئن فعلت ذاك، وما ذاك إلا علي، وما عليهم من ذلك من شيء، أرسلوا له جيرانه)) ))