عن أم ِّسلمةَ في قصةِ تزويجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بها ففيه وكانت أمُّ سلمةَ ترضعُ زينبَ بنتها فجاء عمرُ فأخذها ، فجاء النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال : أين زنابٌ ؟ فقالت قريبةُ بنتُ أبي أميَّةَ صادَفَها عندها : أخذها عمارٌ
أخرجه أحمد (26619)، والنسائي في ((الكبرى)) (8877)، وأبو عوانة في ((المستخرج)) (4742) باختلاف يسير.
أنَّها لمَّا قَدِمَت المدينةَ أخبرَتْهم أنَّها ابنةُ أبي أميَّةَ بنِ المغيرةِ فَكَذَّبوها ، وقالوا ما أَكْذَبَ الغرائبَ حتَّى أنشأَ أُناسٌ منهم الحجَّ فقالوا أتَكْتُبينَ إلى أَهْلِك ؟ فَكَتبت معَهُم فرجَعوا إلى المدينةِ قالَت فصدَّقوني وازددتُ عليهِم كرامةً فلمَّا حلَلتُ جاءَني رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - فخطبَني فقلت لَهُ ما مِثلي نُكِحَ أمَّا أَنا فلا ولدَ في وأَنا غيورٌ ذاتُ عيالٍ ، قالَ : أَنا أَكْبَرُ منك وأمَّا الغيرةُ فيذهبُها اللَّهُ وأمَّا العيالُ فإلى اللَّهِ ورسولِهِ فتزوَّجَها رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - فجعلَ يأتيَها ويقولُ أينَ زُنابُ ؟ حتَّى جاءَ عمَّارُ بنُ ياسرٍ فاختلجَها فقالَ هذِهِ تمنعُ رسولَ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - وَكانت ترضعُها فجاءَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - وقالَ أينَ زُناب ؟ فقالَت قريبةُ بنتِ أبي أميَّةَ وواقفَها عندَها أخذَها عمَّارُ بنُ ياسرٍ فقالَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - إنِّي آتيكم اللَّيلةَ قالت فقمت فوضعت ثِفالي وأخرجت حبَّاتٍ من شعيرٍ كانت في جَرَّةٍ وأخرجت شحمًا فعَصدته لَهُ أو صعدتُهُ شَكَّ الرَّبيعُ قالَت فباتَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - وأصبحَ فقالَ حينَ أصبحَ إنَّ لَكِ على أَهْلِك كرامةً فإن شئتِ سبَّعتُ لَكِ وإن أسبِّعْ أسبِّعْ لِنسائي الراوي : أم سلمة أم المؤمنين المحدث : الإمام الشافعي المصدر : الأم الصفحة أو الرقم: 6/489 خلاصة حكم المحدث : ثابت التخريج : أخرجه أحمد (26619)، وابن حبان (4065)، والطبراني (23/273) (585) باختلاف يسير.
وقوله: "إن لك على أهلك كرامة فإن شئت سبعت لك وإن أسبع أسبع لنسائي" أخرجه مسلم (1460) بلفظ: "إنه ليس بك على أهلك هوان" هاجَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المَدينةِ وهاجَرَ مَعَه أصحابُه فِرارًا بدينِهم من أذى كُفَّارِ قُرَيشٍ، وهاجَرَتِ الصَّحابيَّاتُ أيضًا، وكان مِمَّن هاجَرَ منهنَّ أمُّ سَلَمةَ رَضِيَ اللهُ عنها، واسمُها هندُ بنتُ أبي أُمَيَّةَ، وقد ذَكَرَت رَضِيَ اللهُ عنها قِصَّةَ هِجرَتِها فقالت: إنَّها أوَّلُ ما قدِمَت إلى المَدينةِ أخبَرَتْهم أنَّها ابنةُ أبي أُمَيَّةَ بنِ المُغيرةِ، فكَذَّبوها ولم يُصَدِّقوها، وقالوا: ما أكذَبَ الغَرائِبَ! جَمعُ غَريبةٍ؛ فالغَريبُ يَسهُلُ عليه الكَذِبُ؛ لأنَّه لا أحَدَ يَعرِفُه، وإنَّما أنكَرَ أهلُ المَدينةِ على أمِّ سَلَمةَ لأنَّها منَ المُهاجِراتِ الأوَلِ، وذلك أنَّ أوَّلَ مَن هاجَرَ إلى المَدينةِ أبو سَلَمةَ بنُ عَبدِ الأسَدِ، ومَنَعَ بَنو المُغيرةِ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ مَخزومٍ أمَّ سَلَمةَ أن تُهاجِرَ مَعَ زَوجِها، فأقامَت مُكرَهةً على ذلك قَريبًا من سَنةٍ، ثمَّ أذِنوا لها في اللَّحاقِ بزَوجِها، فتَوجَّهَت إليه مُهاجِرةً، فوصَلتِ المَدينةَ، وكان أبو سَلَمةَ نازِلًا بها، ولم يَكُنْ أهلُ المَدينةِ يَعرِفونَها؛ فلذلك أنكَروها لَمَّا انتَسَبَت لهم، فلما أرادَ أناسٌ من أهلِ المَدينةِ الحَجَّ قالوا لها: أتَكتُبينَ إلى أهلِك؟ يَعني: حتَّى يَتَأكَّدوا من صِدقِها وأنَّها بنتُ أبي أُمَيَّةَ، فكَتَبَت مَعَهم كتابًا إلى مَكَّةَ، ولمَّا رَجَعوا إلى المَدينةِ صَدَّقوها وأنَّها حَقًّا بنتُ أبي أُمَيَّةَ، فازدادَت بذلك عليهم كَرامةً لصِدقِها رَضِيَ اللهُ عنها.
وكانت زَوجةً لابنِ عَمِّها أبي سَلمةَ، وهو صَحابيٌّ جَليلٌ رَضِيَ اللهُ عنه، أسلَمَ وهاجَرَ إلى الحَبَشةِ ثمَّ إلى المَدينةِ، ثمَّ توُفِّيَ عنها، ودَعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: اللَّهمَّ اغفِرْ لأبي سَلَمةَ وارفَعْ دَرَجَتَه في المَهديِّينَ، واخلُفْه في عَقِبِه في الغابرينَ، واغفِرْ لنا وله يا رَبَّ العالَمينَ، وافسَحْ له في قَبرِه، ونَوِّرْ له فيه.
تَقولُ أمُّ سَلَمةَ رَضِيَ اللهُ عنها: فلمَّا توُفِّيَ أبو سَلَمةَ رَضِيَ اللهُ عنه، وأكمَلَت عِدَّتَها وحَلَّت منها، جاءَ إليها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَخطُبُها يُريدُ الزَّواجَ بها، فاعتَذَرَت أمُّ سَلَمةَ وقالت: ما مِثلي نُكِح! أي: ليس مِثلي تُنكَحُ ولا يَرغَبُ أحَدٌ فيَّ، ثمَّ بَيَّنَتِ الأسبابَ فقالت: أمَّا أنا فلا ولدَ فيَّ، أي: أنَّها كَبيرةٌ لا يُولَدُ لها، وأمرٌ آخَرُ أنَّها غَيُورٌ، منَ الغَيرةِ وهي الحَميَّةُ والأنَفةُ، وذاتُ عِيالٍ، تُريدُ أن تَرعاهم وتَقومَ عليهم.
فقال لها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنا أكبَرُ منك، وأمَّا الغَيرةُ فيُذهِبُها اللهُ، وفي رِوايةٍ أنَّه قال: أمَّا الغَيرةُ فسَأدعو اللَّهَ فتَذهَبُ غَيرَتُك، وأمَّا العيالُ فإلى اللهِ ورَسولِه، فتَزَوَّجَها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجَعَل يَأتيها ويَقولُ: أينَ زُنابُ؟ أي: بنتُها زَينَبُ بنتُ أبي سَلَمةَ، حتَّى جاءَ عَمَّارُ بنُ ياسِرٍ فاختَلجَها، أي: اجتَذَبَها من أمِّ سَلَمةَ وأخَذَها، وقال: هذه تَمنَعُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: تَمنَعُ رَسولَ اللهِ حاجَتَه وإتيانَه إلى أهلِه، كما في الرِّوايةِ الأخرى، وكانت أمُّ سَلَمةَ تُرضِعُها، فجاءَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَرَّةً أخرى فقال: أينَ زُنابُ؟ فقالت قُرَيبةُ بنتُ أبي أُمَيَّةَ -أُختُ أمِّ سَلَمةَ- ووافَقَها عِندَها، أي: كانت مَوجودةً عِندَ أمِّ سَلَمةَ: أخَذَها عَمَّارُ بنُ ياسِرٍ، أي: أخَذَ البنتَ عَمَّارٌ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي آتيكُمُ اللَّيلةَ، أي: يَدخُلُ بها مُعَرِّسًا، قالت أمُّ سَلَمةَ: فقُمتُ فوضَعتُ ثِفالي، والثِّفالُ: جِلدةٌ تُبسَطُ تَحتَ رَحا اليَدِ ليَقَعَ عليها الدَّقيقُ، ويُسَمَّى الحَجَرُ الأسفَلُ ثفالًا بها، وأخرَجتُ حَبَّاتٍ من شَعيرٍ كانت في جَرَّةٍ، والمَعنى: أنَّها دَقَّت حَبَّاتِ الشَّعيرِ وطَحَنَته ثمَّ أخرَجَت شَحمًا، فعَصَدَته له أو صَعَّدَته -شَكَّ الرَّبيعُ- أي: لَوَتْها وجَعَلت منه عَصيدةً، ومنه سُمِّيت العَصيدةُ لأنَّك تَعصُدُها بالمِسواطِ، أي: تَلويها فتَنقَلبُ ولا يَبقى في الإناءِ منها شَيءٌ إلَّا انقَلبَ، وأمَّا: صَعَّدَته، فلعَلَّه: أن يَكونَ منَ المَقلوبِ، مِثلُ: جَذَبَ وجَبَذَ، بمَعنًى واحِدٍ.
أو يَكونُ من قَولِهم: خَلٌّ مُصَعَّدٌ، وشَرابٌ مُصَعَّدٌ: إذا عولجَ بالنَّارِ، والتَّصعيدُ: الإذابةُ.
واللهُ أعلمُ.
قالت: فباتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصبَحَ، فقال حين أصبَحَ: إنَّ لكِ يا أمَّ سَلَمةَ على أهلِك كَرامةً، أي: أنتِ كَريمةٌ على أهلِك، يَقصِدُ نَفسَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: لا أفعَلُ فِعلًا به هَوانُك عليَّ، وفي رِوايةٍ: ليس بك على أهلِك هَوانٌ، أي: لا يَلحَقُك هَوانٌ ولا يَضيعُ من حَقِّك شَيءٌ بل تَأخُذينَه كامِلًا، فإن شِئتِ سَبَّعتُ لكِ؛ وذلك أنَّ السُّنَّةَ لمَن تَزَوَّجَ زَوجةً جَديدةً إذا كانتِ الزَّوجةُ بِكرًا أن يُقيمَ عِندَها سَبعَ ليالٍ ثمَّ يَقسِمَ، وإذا كانتِ الزَّوجةُ ثَيِّبًا أقامَ عِندَها ثَلاثَ ليالٍ ثمَّ يَقسِمُ، ولمَّا كانت أمُّ سَلَمةَ ثَيِّبًا خَيَّرَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إمَّا أن يُقيمَ مَعَها ثَلاثَ ليالٍ ثمَّ يَقسِمَ، وإمَّا أن يُسَبِّعَ لها، وإنْ سَبَّعَ فسوف يُسَبِّعُ لبَقيَّةِ نِسائِه؛ ولذا قال: وإنْ أُسَبِّعْ أُسَبِّعْ لنِسائي، فهي مُخَيَّرةٌ بَينَ ثَلاثٍ بلا قَضاءٍ، وبَينَ سَبعٍ ويَقضي لباقي نِسائِه؛ لأنَّ في الثَّلاثِ مَزيَّةً بعَدَمِ القَضاءِ، وفي السَّبعِ مِزيةٌ لها بتَواليها وكَمالِ الأنسِ فيها، فاختارَتِ الثَّلاثَ لكَونِها لا تُقضى وليَقرُب عودُه إليها؛ فإنَّه يَطوفُ عليهنَّ ليلةً ليلةً ثمَّ يَأتيها، ولو أخَذَت سَبعًا طاف بَعدَ ذلك عليهنَّ سَبعًا سَبعًا، فطالت غَيبَتُه عنها، كما في الرِّوايةِ الأخرى.
وفي الحَديثِ فَضلُ أمِّ سَلَمةَ رَضِيَ اللهُ عنها؛ لكَونِها هاجَرَت إلى المَدينةِ تَبتَغي الأجرَ منَ اللهِ تعالى.
وفيه امتِحانُ وسُؤالُ الغَريبِ عن حالِه للتَّأكُّدِ.
وفيه مَشروعيَّةُ بَيانِ المَرأةِ العُذرَ لمَن تَقدَّم للزَّواجِ منها إذا كان بها عَيبٌ.
وفيه مَشروعيَّةُ الوليمةِ للعُرسِ بما تَيَسَّرَ.
وفيه استِحبابُ مُلاطَفةِ الأهلِ.
وفيه العَدلُ بَينَ الزَّوجاتِ.
وفيه تَخييرُ الثَّيِّبِ في القَسْمِ.