عن أبي عِمْرانَ قال: قُلتُ لجُندُبٍ: إنِّي قد بايَعتُ هؤلاء -يعني: ابنَ الزُّبَيرِ- وإنَّهم يُريدونَ أنْ أخرُجَ معهم إلى الشَّامِ، فقال: أمسِكْ عليك، فقُلتُ: إنَّهم يَأبَونَ، فقال: افتَدِ بمالِكَ، قال: قُلتُ: إنَّهم يَأبَونَ إلَّا أنْ أضرِبَ معهم بالسَّيفِ، فقال جُندُبٌ: حَدَّثَني فُلانٌ، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: يَجيءُ المَقْتولُ بقاتِلِه يَومَ القيامةِ، فيقولُ: يا ربِّ، سَلْ هذا فِيمَ قَتَلَني.
قال شُعْبةُ: وأحسَبُه قال: فيقولُ: عَلامَ قَتَلتَه؟ قال: فيقولُ: قَتَلتُه على مُلْكِ فُلانٍ، قال: فقال جُندُبٌ: فاتَّقِها.
أخرجه النسائي (3998)، وأحمد (23189) واللفظ له
عن أبي عِمْرانَ الجَوْنيِّ قال: قُلتُ لجُندُبٍ: إنِّي قد بايَعتُ هؤلاء -يعني: ابنَ الزُّبَيرِ- وإنَّهم يُريدونَ أنْ أخرُجَ معهم إلى الشَّامِ، فقال: أمسِكْ، فقُلتُ: إنَّهم يَأبَونَ، قال: افتَدِ بمالِكَ، قال: قُلتُ: إنَّهم يَأبَونَ إلَّا أنْ أُقاتِلَ معهم بالسَّيفِ، فقال جُندُبٌ: حَدَّثَني فُلانٌ، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: يَجيءُ المَقْتولُ بقاتِلِه يَومَ القيامةِ، فيقولُ: يا ربِّ، سَلْ هذا فيمَ قَتَلَني؟ قال شُعْبةُ: وأحسَبُه قال: فيقولُ: عَلامَ قَتَلتَه؟ فيقولُ: قَتَلتُه على مُلْكِ فُلانٍ، قال: فقال جُندُبٌ: فاتَّقِها.
الراوي : رجال من الصحابة المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 23110 خلاصة حكم المحدث : إسناد صحيح على شرط الشيخين التخريج : أخرجه النسائي (3998)، وأحمد (23110) واللفظ له حَرَّمَ اللهُ تعالى القَتلَ وجَعَل عاقِبَتَه شَديدةً في الدُّنيا والآخِرةِ، وعَدَّه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن كَبائِرِ الذُّنوبِ، وأنَّ المَقتولَ يَأتي يَومَ القيامةِ يُطالِبُ بحَقِّه مِنَ القاتِلِ، وفي هذا الحَديثِ يَحكي أبو عِمرانَ الجَونيُّ، واسمُه عَبدُ المَلِكِ بنُ حَبيبٍ الأزديُّ أحَدُ التَّابِعينَ، فيَقولُ: قُلتُ لجُندُبٍ، وهو جُندُبُ بنُ عبدِ اللهِ البَجَليُّ، الصَّحابيُّ رَضِيَ اللهُ عنه: إنِّي قد بايَعتُ هؤلاء -يَعني: ابنَ الزُّبَيرِ- أي: أنَّ أبا عِمرانَ قد بايَعَ عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ رَضِيَ اللهُ عنهما للحُكمِ، وذلك عِندَما تولَّى ابنُ الزُّبَيرِ الخِلافةَ على الحِجازِ، وكان يَزيدُ بنُ مُعاويةَ تَولَّى الخِلافةَ على الشَّامِ، وحَصَل بَينَهما قِتالٌ.
يَقولُ أبو عِمرانَ: وإنَّهم يُريدونَ أن أخرُجَ مَعَهم إلى الشَّامِ، أي: أنَّ جَماعةَ ابنِ الزُّبَيرِ يَطلبونَ مِن أبي عِمرانَ أن يُشارِكَ مَعَهم في قِتالِ أهلِ الشَّامِ، أي: جَماعةِ يَزيدَ بنِ مُعاويةَ.
فقال جُندُبُ بنُ عبدِ اللهِ لأبي عِمرانَ: أمسِكْ، أي: امتَنِعْ ولا تَذهَبْ مَعَهم ولا تُقاتِلْ.
فقال أبو عِمرانَ: إنَّهم يَأبَونَ، أي: يَمتَنِعونَ ويَرفُضونَ مِنِّي ذلك ويُصِرُّونَ على أن أخرُجَ مَعَهم.
فقال جُندُبٌ: افتَدِ بمالِك، أي: أعطِهم مِن مالِك مُقابِلَ أن يَترُكوك، ولا تَذهَبْ مَعَهم.
فقال أبو عِمرانَ: إنَّهم يَأبَونَ إلَّا أن أُقاتِلَ مَعَهم بالسَّيفِ، أي: إنَّهم لا يُريدونَ مالًا ولا يَرتَضونَ إلَّا أن أُشارِكَ بنَفسي وأُقاتِلَ مَعَهم بالسَّيفِ.
فعِندَ ذلك قال له جُندُبٌ: حَدَّثَني فُلانٌ -أي: أحَدُ الصَّحابةِ المَعروفينَ، وجَهالةُ الصَّحابيِّ لا تَضُرُّ؛ إذِ الصَّحابةُ كُلُّهم عُدولٌ وثِقاتٌ- أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: يَجيءُ المَقتولُ بقاتِلِه يَومَ القيامةِ، أي: أنَّه إذا كان يَومُ القيامةِ، وهو وقتُ الجَزاءِ والحِسابِ، وأوَّلُ ما يُحاسَبُ عليه النَّاسُ الدِّماءُ، فيَأتي المَقتولُ وهو مُمسِكٌ بمَن قَتَلَه ويَذهَبُ به إلى اللهِ تعالى، ويَقول: يا رَبِّ، سَلْ هذا فيمَ قَتَلني؟ أي: اسأَلْه عن سَبَبِ قَتلِه لي، وماذا فعَلتُ به حتَّى استَحَلَّ دَمي؟ قال شُعبةُ، وهو أحَدُ الرُّواةِ: وأحسَبُه قال، أي: أظُنُّ الرَّاويَ أيضًا قال في رِوايَتِه: فيَقولُ، أي: اللهُ تعالى: عَلامُ قَتَلتَه؟ أي: يَسألُه عن سَبَبِ قَتلِه لذلك الرَّجُلِ، وهو أعلمُ سُبحانَه.
فيَقولُ القاتِلُ: قَتَلتُه على مُلكِ فُلانٍ، أي: مِن أجلِ نُصرةِ مُلكِ فُلانٍ من مُلوكِ الدُّنيا، والمَعنى: أنَّه لم يَقتُلْه بحَقٍّ، وإنَّما قَتَله لأجلِ تَثبيتِ مُلكِ مَلِكٍ مِن مُلوكِ الدُّنيا.
ثُمَّ قال جُندُبٌ لأبي عِمرانَ بَعدَ أن ذَكَرَ له هذا الحَديثَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فاتَّقِها، أي: اجتَنِبْ واحتَرِزِ النُّصرةَ والمُشارَكةَ في القِتالِ، ولا تَكُنْ مِمَّن يُناصِرُهم.
وقيل: اجتَنِبْ هذه السَّيِّئةَ القَبيحةَ المُؤَدِّيةَ إلى مِثلِ هذا الجَوابِ الفاضِحِ يَومَ القيامةِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ الوعيدِ الشَّديدِ لمَن قَتَل مُسلمًا.
وفيه أنَّ المَقتولَ يُطالبُ بحَقِّه يَومَ القيامةِ.
وفيه بَيانُ ما كان مِنَ القِتالِ بَينَ أهلِ الشَّامِ وعَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ.
وفيه نُصحُ أهلِ العِلمِ والصَّلاحِ وتَحذيرُهم مِنَ المُشارَكةِ في القِتالِ بَينَ المُسلِمينَ .