أنَّهم واعَدوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ يلقَوْه مِن العامِ القابِلِ بمكَّةَ فيمَنْ تبِعهم مِن قومِهم فخرَجوا مِن العامِ القابِلِ سبعونَ رجُلًا فيمَنْ خرَج مِن أرضِ الشِّركِ مِن قومِهم قال كعبُ بنُ مالكٍ : حتَّى إذا كنَّا بظاهِرِ البَيْداءِ قال البراءُ بنُ مَعرورِ بنِ صخرِ بنِ خَنْساءَ - وكان كبيرَنا وسيِّدَنا - : قد رأَيْتُ رأيًا واللهِ ما أدري أتُوافِقوني عليه أم لا ؟ إنِّي قد رأَيْتُ ألَّا أجعَلَ هذه البَنِيَّةَ منِّي بظَهرٍ - يُريدُ الكعبةَ - وأنِّي أُصلِّي إليها فقُلْنا : لا تفعَلْ وما بلَغنا أنَّ نبيَّ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي إلَّا إلى الشَّامِ وما كنَّا نُصلِّي إلى غيرِ قِبْلَتِه فأبَيْنا عليه ذلك وأبى علينا وخرَجْنا في وَجهِنا ذلك فإذا حانتِ الصَّلاةُ صلَّى إلى الكعبةِ وصلَّيْنا إلى الشَّامِ حتَّى قدِمْنا مكَّةَ قال كعبُ بنُ مالكٍ : قال لي البراءُ بنُ مَعرورٍ : واللهِ يا ابنَ أخي قد وقَع في نفسي ما صنَعْتُ في سَفري هذا قال : وكنَّا لا نعرِفُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وكنَّا نعرِفُ العبَّاسَ بنَ عبدِ المطَّلبِ كان يختلِفُ إلينا بالتِّجارةِ ونراه فخرَجْنا نسأَلُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمكَّةَ حتَّى إذا كنَّا بالبَطحاءِ لقينا رجُلًا فسأَلْناه عنه فقال : هل تعرِفانِه ؟ قُلْنا : لا واللهِ قال : فإذا دخَلْتُم فانظُروا الرَّجُلَ الَّذي مع العبَّاسِ جالسًا فهو هو ترَكْتُه معه الآنَ جالسًا قال : فخرَجْنا حتَّى جِئْناه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فإذا هو مع العبَّاسِ فسلَّمْنا عليهما وجلَسْنا إليهما فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( هل تعرِفُ هذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يا عبَّاسُ ) ؟ قال : نَعم هذانِ الرَّجُلانِ مِن الخَزرجِ - وكانتِ الأنصارُ إنَّما تُدعَى في ذلك الزَّمانِ أوسَها وخَزرجَها - هذا البراءُ بنُ مَعرورٍ وهو رجُلٌ مِن رِجالِ قومِه وهذا كعبُ بنُ مالكٍ فواللهِ ما أنسى قولَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( الشَّاعرُ ) ؟ قال : نَعم قال البراءُ بنُ مَعرورٍ : يا رسولَ اللهِ إنِّي قد صنَعْتُ في سَفري هذا شيئًا أحبَبْتُ أنْ تُخبِرَني عنه فإنَّه قد وقَع في نفسي منه شيءٌ إنِّي قد رأَيْتُ ألَّا أجعَلَ هذه البَنِيَّةَ منِّي بظَهْرٍ وصلَّيْتُ إليها فعنَّفَني أصحابي وخالَفوني حتَّى وقَع في نفسي مِن ذلك ما وقَع فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمَا إنَّك قد كُنْتَ على قِبْلةٍ لو صبَرْتَ عليها ) ولَمْ يزِدْه على ذلك قال : ثمَّ خرَجْنا إلى منًى فقضَيْنا الحجَّ حتَّى إذا كان وسَطُ أيَّامِ التَّشريقِ اتَّعَدْنا نحنُ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العَقَبةَ فخرَجْنا مِن جوفِ اللَّيلِ نتسلَّلُ مِن رِحالِنا ونُخفي ذلك ممَّن معنا مِن مُشرِكي قومِنا حتَّى إذا اجتمَعْنا عندَ العَقَبةِ أتى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومعه عمُّه العبَّاسُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ فتلا علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم القُرآنَ فأجَبْناه وصدَّقْناه وآمَنَّا به ورضينا بما قال ثمَّ إنَّ العبَّاسَ بنَ عبدِ المُطَّلبِ تكلَّم فقال : يا معشَرَ الخَزرجِ إنَّ محمَّدًا منَّا حيثُ قد علِمْتُم وإنَّا قد منَعْناه ممَّن هو على مِثْلِ ما نحنُ عليه وهو في عشيرتِه وقومِه ممنوعٌ فتكلَّم البَراءُ بنُ مَعرورٍ وأخَذ بيدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال : بايِعْنا قال : ( أُبايِعُكم على أنْ تمنَعوني ممَّا تمنَعونَ منه أنفسَكم ونساءَكم وأبناءَكم ) قال : نَعم والَّذي بعَثك بالحقِّ فنحنُ واللهِ أهلُ الحربِ ورِثْناها كابرًا عن كابرٍ

الدلالات الموضوعية:# بيعة - البيعة لله ورسوله# مناقب وفضائل - فضائل الأنصار# إسلام - البيعة على الإسلام# مناقب وفضائل - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
المصدر: تخريج صحيح ابن حبان
الراوي: كعب بن مالك وغيره
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده قوي

الشرح والتوضيح

خرَجْنا في حُجَّاجِ قَوْمِنا مِن المشرِكِينَ، وقد صلَّيْنا وفَقِهْنا، ومعنا البَرَاءُ بنُ مَعْرورٍ، كبيرُنا وسيِّدُنا، فلمَّا توجَّهْنا لسفَرِنا وخرَجْنا مِن المدينةِ، قال البَرَاءُ لنا: يا هؤلاء، إنِّي قد رأَيتُ واللهِ رأيًا، وإنِّي واللهِ ما أدري توافِقوني عليه أم لا، قال: قُلْنا له: وما ذاكَ؟ قال: قد رأَيتُ ألَّا أدَعَ هذه البَنِيَّةَ منِّي بظَهْرٍ -يَعنِي الكعبةَ- وأنْ أصلِّيَ إليها، قال: فقُلْنا: واللهِ، ما بلَغَنا أنَّ نبيَّنا يُصلِّي إلَّا إلى الشامِ، وما نُرِيدُ أنْ نخالِفَهُ، فقال: إنِّي أصلِّي إليها، قال: فقُلْنا له: لكنَّا لا نَفعَلُ، فكنَّا إذا حضَرَتِ الصلاةُ، صلَّيْنا إلى الشامِ، وصلَّى إلى الكعبةِ، حتى قَدِمْنا مكَّةَ، قال أخي: وقد كنَّا عِبْنَا عليه ما صنَعَ، وأبَى إلا الإقامةَ عليه، فلمَّا قَدِمْنا مكَّةَ، قال: يا بنَ أخي، انطلِقْ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فاسأَلْهُ عمَّا صنَعْتُ في سفَري هذا؛ فإنَّه واللهِ قد وقَعَ في نفسي منه شيءٌ لِمَا رأَيْتُ مِن خلافِكم إيَّايَ فيه، قال: فخرَجْنا نَسألُ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكنَّا لا نَعرِفُهُ، لم نرَهُ قبْلَ ذلك، فلَقِيَنا رجُلٌ مِن أهلِ مكَّةَ، فسأَلْناه عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: هل تَعرِفانِهِ؟ قال: قُلْنا: لا، قال: فهل تَعرِفانِ العبَّاسَ بنَ عبدِ المطَّلِبِ عمَّهُ؟ قُلْنا: نَعمْ، قال: وكنَّا نَعرِفُ العبَّاسَ، كان لا يَزالُ يَقدَمُ علينا تاجرًا، قال: فإذا دخَلْتُما المسجِدَ، فهو الرَّجُلُ الجالسُ مع العبَّاسِ، قال: فدخَلْنا المسجِدَ، فإذا العبَّاسُ جالسٌ، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معه جالسٌ، فسلَّمْنا، ثمَّ جلَسْنا إليه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ للعبَّاسِ: هل تَعرِفُ هذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يا أبا الفضلِ؟ قال: نَعمْ، هذا البَرَاءُ بنُ مَعْرورٍ سيِّدُ قَوْمِهِ، وهذا كعبُ بنُ مالكٍ، قال: فواللهِ، ما أنسَى قولَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: الشاعرُ؟ قال: نَعمْ، قال: فقال البَرَاءُ بنُ مَعْرورٍ: يا نبيَّ اللهِ، إنِّي خرَجْتُ في سفَري هذا، وهدَاني اللهُ للإسلامِ، فرأَيْتُ ألَّا أَجعَلَ هذه البَنِيَّةَ منِّي بظَهْرٍ، فصلَّيْتُ إليها، وقد خالَفَني أصحابي في ذلك، حتى وقَعَ في نفسي مِن ذلك شيءٌ، فماذا تَرى يا رسولَ اللهِ؟ قال: لقد كنتَ على قِبْلةٍ لو صبَرْتَ عليها! قال: فرجَعَ البَرَاءُ إلى قِبْلةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فصلَّى معنا إلى الشامِ، قال: وأهلُهُ يَزعُمُون أنَّه صلَّى إلى الكعبةِ حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلَمُ به منهم، قال: وخرَجْنا إلى الحجِّ، فواعَدَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ العقَبةَ مِن أوسَطِ أيَّامِ التشريقِ، فلمَّا فرَغْنا مِن الحجِّ، وكانت الليلةُ التي وعَدَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومعنا عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ حرامٍ أبو جابرٍ، سيِّدٌ مِن سادتِنا، وكنَّا نَكتُمُ مَن معنا مِن قَوْمِنا مِن المشرِكِينَ أَمْرَنا، فكلَّمْناه، وقُلْنا له: يا أبا جابرٍ، إنَّك سيِّدٌ مِن سادتِنا، وشريفٌ مِن أشرافِنا، وإنَّا نَرغَبُ بك عمَّا أنت فيه؛ أنْ تكونَ حطَبًا للنارِ غدًا، ثمَّ دعَوْتُهُ إلى الإسلامِ، وأخبَرْتُهُ بميعادِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأسلَمَ وشَهِدَ معنا العقَبةَ، وكان نَقِيبًا، قال: فنِمْنا تلك الليلةَ مع قَوْمِنا في رِحالِنا، حتى إذا مضَى ثُلُثُ الليلِ، خرَجْنا مِن رِحالِنا لميعادِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، نَتسلَّلُ مُستَخْفِينَ تَسلُّلَ القَطَا، حتى اجتمَعْنا في الشِّعْبِ عند العقَبةِ، ونحن سبعون رجُلًا، ومعنا امرأتانِ مِن نسائِهم: نُسَيبةُ بنتُ كَعْبٍ، أمُّ عُمَارةَ، إحدى نساءِ بني مازنِ بنِ النجَّارِ، وأسماءُ بنتُ عمرِو بنِ عَدِيِّ بنِ ثابتٍ، إحدى نساءِ بني سَلِمةَ، وهي أمُّ مَنِيعٍ، قال: فاجتمَعْنا بالشِّعْبِ نَنتظِرُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتى جاءنا ومعه يومئذٍ عمُّهُ العبَّاسُ بنُ عبدِ المطَّلِبِ، وهو يومئذٍ على دِينِ قومِهِ، إلَّا أنَّه أحَبَّ أنْ يَحضُرَ أمرَ ابنِ أخيه، ويَتوثَّقَ له، فلمَّا جلَسْنا، كان العبَّاسُ بنُ عبدِ المطَّلِبِ أوَّلَ متكلِّمٍ، فقال: يا مَعشَرَ الخَزْرجِ -قال: وكانت العرَبُ ممَّا يُسَمُّون هذا الحيَّ مِن الأنصارِ الخَزْرجَ؛ أَوْسَها وخَزْرَجَها- إنَّ محمَّدًا منَّا حيث قد عَلِمْتُم، وقد منَعْناه مِن قَوْمِنا ممَّن هو على مِثلِ رَأْيِنا فيه، وهو في عِزٍّ مِن قَوْمِهِ، ومنَعةٍ في بلَدِهِ، قال: فقُلْنا: قد سَمِعْنا ما قلتَ، فتكلَّمْ يا رسولَ اللهِ، فخُذْ لنفسِكَ ولرَبِّكَ ما أحبَبْتَ، قال: فتكلَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فتلَا ودعَا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، ورغَّبَ في الإسلامِ، قال: أبايِعُكم على أن تَمنَعوني ممَّا تَمنَعون منه نِساءَكم وأبناءَكم، قال: فأخَذَ البَرَاءُ بنُ مَعْرورٍ بيدِهِ، ثمَّ قال: نَعمْ والذي بعَثَكَ بالحقِّ، لَنَمنَعَنَّكَ ممَّا نَمنَعُ منه أُزُرَنا، فبايِعْنا يا رسولَ اللهِ؛ فنَحْنُ أهلُ الحروبِ، وأهلُ الحلَقةِ، وَرِثْناها كابرًا عن كابرٍ، قال: فاعترَضَ القولَ -والبَرَاءُ يُكلِّمُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- أبو الهَيْثمِ بنُ التَّيِّهانِ حليفُ بني عبدِ الأشهَلِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ بَيْننا وبَيْنَ الرِّجالِ حِبالًا، وإنَّا قاطِعُوها -يَعنِي العهودَ- فهل عسَيْتَ إنْ نحن فعَلْنا ذلك، ثمَّ أظهَرَكَ اللهُ أن تَرجِعَ إلى قَوْمِكَ وتدَعَنا؟ قال: فتبسَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ قال: بل الدَّمُ الدَّمُ، والهَدْمُ الهَدْمُ، أنا منكم، وأنتم مِنِّي، أُحارِبُ مَن حارَبْتُم، وأُسالِمُ مَن سالَمْتُم، وقد قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أخرِجُوا إلَيَّ منكم اثنَيْ عشَرَ نَقِيبًا يكونون على قَوْمِهم، فأخرَجُوا منهم اثنَيْ عشَرَ نَقِيبًا، منهم تِسعةٌ مِن الخَزْرجِ، وثلاثةٌ مِن الأَوْسِ.

وأمَّا مَعبَدُ بنُ كَعْبٍ، فحدَّثَني في حديثِهِ، عن أخيه، عن أبيه كَعْبِ بنِ مالكٍ قال: كان أوَّلَ مَن ضرَبَ على يدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ البَرَاءُ بنُ مَعْرورٍ، ثمَّ تتابَعَ القومُ، فلمَّا بايَعْنا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، صرَخَ الشيطانُ مِن رأسِ العقَبةِ بأبعَدِ صوتٍ سَمِعْتُهُ قطُّ: يا أهلَ الجَبَاجِبُ -والجَبَاجِبُ: المَنازِلُ- هل لكم في مُذمَّمٍ والصُّبَاةِ معه؟ قد أجمَعُوا على حَرْبِكم -قال عليٌّ، يَعنِي ابنَ إسحاقَ: ما يقولُ عدوُّ اللهِ: محمَّدٌ- فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هذا أزَبُّ العقَبةِ، هذا ابنُ أزيَبَ، اسمَعْ أيْ عدوَّ اللهِ، أمَا واللهِ، لَأفرُغَنَّ لك، ثمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ارفَعُوا إلى رِحالِكم، قال: فقال له العبَّاسُ بنُ عُبادةَ بنِ نَضْلةَ: والذي بعَثَكَ بالحقِّ، لئنْ شِئْتَ لَنُمِيلَنَّ على أهلِ مِنًى غدًا بأسيافِنا، قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لم أُؤمَرْ بذلك، قال: فرجَعْنا فنِمْنا حتى أصبَحْنا، فلمَّا أصبَحْنا، غدَتْ علينا جِلَّةُ قُرَيشٍ حتى جاؤُونا في مَنازِلِنا، فقالوا: يا مَعشَرَ الخَزْرجِ، إنَّه قد بلَغَنا أنَّكم قد جِئْتُم إلى صاحبِنا هذا تَستخرِجونه مِن بَيْنِ أظهُرِنا، وتبايِعُونه على حَرْبِنا، واللهِ، إنَّه ما مِن العرَبِ أحدٌ أبغَضَ إلينا أنْ تَنشَبَ الحربُ بَيْننا وبَيْنه منكم، قال: فانبعَثَ مَن هنالك مِن مشرِكِي قَوْمِنا، يَحلِفون لهم باللهِ ما كان مِن هذا شيءٌ، وما عَلِمْناه، وقد صدَقُوا؛ لم يَعلَموا ما كان منَّا، قال: فبعضُنا يَنظُرُ إلى بعضٍ، قال: وقام القومُ، وفيهم الحارثُ بنُ هشامِ بنِ المغيرةِ المَخْزوميُّ، وعليه نَعْلانِ جديدانِ، قال: فقلتُ كلمةً كأنِّي أُرِيدُ أن أُشرِكَ القومَ بها فيما قالوا: ما تَستطيعُ يا أبا جابرٍ وأنت سيِّدٌ مِن سادتِنا أنْ تتَّخِذَ نَعْلَيْنِ مِثلَ نَعْلَيْ هذا الفتى مِن قُرَيشٍ، فسَمِعَها الحارثُ، فخلَعَهما، ثمَّ رمَى بهما إلَيَّ، فقال: واللهِ، لَتَنتعِلَنَّهما، قال: يقولُ أبو جابرٍ: أَحْفَظْتَ -واللهِ- الفتَى، فاردُدْ عليه نَعْلَيْهِ، قال: فقلتُ: واللهِ، لا أرُدُّهما، فَأْلٌ واللهِ صالحٌ، واللهِ، لئنْ صدَقَ الفَأْلُ، لَأسلُبَنَّهُ.

الراوي : كعب بن مالك المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 15798 خلاصة حكم المحدث : قوي التخريج : أخرجه أحمد (15798) واللفظ له، وابن حبان (7011)، والطبراني (19/87) (174) لمَّا بَعَثَ اللهُ تعالى نَبيَّه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بهذا الدِّينِ وأمرَه بتَبليغِه، دَعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَومَه إلى الإسلامِ، وبَلَّغَهم هذا الدِّينَ فكَذَّبوه وآذَوه، ولَم يَستَجِبْ له مِنهم إلَّا القَليلُ وغالِبُهم مِنَ الضُّعَفاءِ؛ فأيَّدَه اللهُ تعالى بالأنصارِ؛ فقد قَدِموا إلى مَكَّةَ وسَمِعوا مِنه وأسلَموا، وكان ذلك في بَيعةِ العَقَبةِ الأولى وبَيعةِ العَقَبةِ الثَّانيةِ، وفي هذا الحَديثِ يَحكي كَعبُ بنُ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قِصَّةَ إسلامِهم ومُبايَعَتِهم للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بَيعةِ العَقَبةِ الثَّانيةِ، فيَقولُ: خَرَجْنا في حُجَّاجِ قَومِنا مِنَ المُشرِكينَ، أي: خَرَجوا للحَجِّ مَعَ قَومِهمُ المُشرِكينَ؛ فقد كان المُشرِكونَ يُعَظِّمونَ الكَعبةَ ويَحُجُّونَ إلَيها، وقد صَلَّينا وفَقِهنا، أي: كُنَّا مُسلِمينَ نُصَلِّي وصِرْنا نَفقَهُ الدِّينَ؛ وذلك أنَّهم أسلَموا قَبلَ قُدومِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للمَدينةِ، ومَعنا البَراءُ بنُ مَعرورٍ رَضِيَ اللهُ عنه، كَبيرُنا وسَيِّدُنا، فلَمَّا تَوجَّهْنا لسَفَرِنا وخَرَجنا مِنَ المَدينةِ قال البَراءُ لَنا: يا هؤلاء، إنِّي قد رَأيتُ واللَّهِ رَأيًا، وإنِّي واللَّهِ ما أدري توافِقوني عليه أم لا؟ فقالوا له: وما ذاكَ؟ قال: قد رَأيتُ ألَّا أدَعَ هذه البِنيةَ، أي: الكَعبةَ، مِنِّي بظَهرٍ، أي: خَلفَ ظَهري، وأن أُصَلِّيَ إلَيها.

والمَعنى: أنَّه رَأى أن يَجعَلَ الكَعبةَ قِبلتَه في الصَّلاةِ بَدَلَ بَيتِ المَقدِسِ؛ فقد كانتِ القِبلةُ في بدايةِ الدَّعوةِ إلى بَيتِ المَقدِسِ، فقال له أصحابُه: واللهِ، ما بَلَغَنا أنَّ نَبيَّنا يُصَلِّي إلَّا إلى الشَّامِ، أي: بَيتِ المَقدِسِ، وما نُريدُ أن نُخالِفَه.

فقال البَراءُ: إنِّي أُصَلِّي إلَيها، أي: أنا سأُصَلِّي إلى الكَعبةِ.

وامتَنَعَ أصحابُه عن مِثلِ فِعلِه واستَمَرُّوا على صَلاتِهم إلى بَيتِ المَقدِسِ، فكُنَّا إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ صَلَّينا إلى الشَّامِ، وصَلَّى البَراءُ إلى الكَعبةِ، واستَمَرُّوا على ذلك حَتَّى قدِموا مَكَّةَ، قال أخي: وقد كُنَّا عِبْنا عليه ما صَنَعَ، وأبى إلَّا الإقامةَ عليه، أي: أنَّهم عابوا عليه فِعلَه ذلك؛ لكَونِه خالَف ما عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صَلاتِه إلى بَيتِ المَقدِسِ، ولَكِنَّ البَراءَ أصَرَّ على رَأيِه في الصَّلاةِ إلى الكَعبةِ، فلَمَّا قدِموا مَكَّةَ قال البَراءُ لكَعبٍ: يا ابنَ أخي، انطَلِقْ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فاسأله عَمَّا صَنَعتُ في سَفري هذا، أي: مِن صَلاتِه إلى الكَعبةِ، فإنَّه واللهِ قد وقَعَ في نَفسي مِنه شَيءٌ لِما رَأيتُ مِن خِلافِكُم إيَّايَ فيه.

قال كَعبٌ: فخَرَجْنا نَسألُ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكُنَّا لا نَعرِفُه، ولَم نَرَه قَبلَ ذلك، فلَقِينا رَجُلٌ مِن أهلِ مَكَّةَ، فسَألْناه عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: هَل تَعرِفانِه؟ فقُلْنا: لا، قال: فهَل تَعرِفانِ العَبَّاسَ بنَ عَبدِ المُطَّلِبِ عَمَّه؟ قُلْنا: نَعَمْ، وكُنَّا نَعرِفُ العَبَّاسَ، كان لا يَزالُ يَقدَمُ علينا تاجِرًا، أي: أنَّ العَبَّاسَ كان كَثيرًا ما يُسافِرُ إلى المَدينةِ لتِجارَتِه، فكان أهلُ المَدينةِ يَعرِفونَه، فقال لَهمُ الرَّجُلُ: فإذا دَخَلتُما المَسجِدَ، أي: المَسجِدَ الحَرامَ، فهو الرَّجُلُ، أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، الجالِسُ مَعَ العَبَّاسِ.

قال كَعبٌ: فدَخَلْنا المَسجِدَ فإذا العَبَّاس جالِسٌ، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعَه جالِسٌ! فسَلَّمْنا ثُمَّ جَلَسْنا إلَيه، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للعَبَّاسِ: هَل تَعرِفُ هَذَينِ الرَّجُلَينِ يا أبا الفَضلِ؟ وهيَ كُنيةُ العَبَّاسِ، فقال العَبَّاسُ: نَعَمْ، هذا البَراءُ بنُ مَعرورٍ سَيِّدُ قَومِه، وهذا كَعبُ بنُ مالكٍ، يَقولُ كَعبٌ: فواللهِ، ما أنسى قَولَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الشَّاعِرُ؟ فقال كَعبٌ: نَعَمْ.

وكان كَعبٌ شاعِرًا، فَرِحَ كَعبٌ بذلك؛ لكَونِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَرَف أنَّه شاعِرٌ؛ مِمَّا يَدُلُّ على أنَّ كَعبًا كان مَشهورًا أو مَعروفًا بذلك، ثُمَّ حَكى البَراءُ بنُ مَعرورٍ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما حَصَلَ مِنه في صَلاتِه للكَعبةِ، فقال: يا نَبيَّ اللهِ، إنِّي خَرَجتُ في سَفَري هذا، وهَداني اللَّهُ للإسلامِ، فرَأيتُ ألَّا أجعَلَ هذه البِنيةَ، أي: الكَعبةَ، مِنِّي بظَهرٍ، أي: خَلفَ ظَهري، فصَلَّيتُ إلَيها، وقد خالَفني أصحابي في ذلك، حَتَّى وقَعَ في نَفسي مِن ذلك شَيءٌ! فماذا تَرى يا رَسولَ اللهِ؟ أي: هَل ما فعَلتُه صَحيحٌ أم لا؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لَقد كُنتَ على قِبلةٍ، لَو صَبَرتَ عليها! أي: أنَّك كُنتَ على قِبلةٍ صَحيحةٍ، وهيَ بَيتُ المَقدِسِ، فلَو صَبَرتَ عليها لَكان خَيرًا لَك، ومَعَ ذلك لَم يَأمُرْه بإعادةِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه كان مُتَأوِّلًا، فرَجَعَ البَراءُ إلى قِبلةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فصَلَّى مَعنا إلى الشَّامِ، أي: بَيتِ المَقدِسِ.

قال كَعبٌ: وأهلُه يَزعُمونَ أنَّه صَلَّى إلى الكَعبةِ حَتَّى ماتَ، أي: أنَّه لَم يَرجِعْ إلى الصَّلاةِ إلى بَيتِ المَقدِسِ، واستَمَرَّ يُصَلِّي للكَعبةِ، ولَكِن ليس ذلك كما قالوا، نَحنُ أعلَمُ به مِنهم.

وقد ماتَ البَراءُ بنُ مَعرورٍ قَبلَ قُدومِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ بشَهرَينِ.

قال كَعبٌ: وخَرَجْنا إلى الحَجِّ، أي: أنَّهم بَعدَ وُصولِهم إلى مَكَّةَ ذَهَبوا إلى أداءِ مَناسِكِ الحَجِّ، فواعَدْنا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العَقَبةَ مِن أوسَطِ أيَّامِ التَّشريقِ، أي: أنَّهمُ اتَّفقوا أن يَلتَقوا بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَ جَمرةِ العَقَبةِ أوسَطَ أيَّامِ التَّشريقِ، وهو اليَومُ الثَّاني عَشَرَ مِن ذي الحِجَّةِ، فلَمَّا فرَغْنا مِنَ الحَجِّ، وكانتِ اللَّيلةُ التي وعَدْنا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومَعنا عَبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ حَرامٍ أبو جابرٍ، سَيِّدٌ مِن سادَتِنا، وكُنَّا نَكتُمُ مَن مَعنا مِن قَومِنا مِنَ المُشرِكينَ أمْرَنا.

والمَعنى: أنَّ القَومَ الذينَ خَرَجوا مَعَهم مِنَ المَدينةِ للحَجِّ لَم يَكونوا كُلُّهم مُسلمينَ، وإنَّما بَعضُهم؛ ولذا كانوا يَكتُمونَ أمرَ التِقائِهم بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

يَقولُ كَعبٌ: فكَلَّمْنا والدَ جابرٍ، وقُلْنا له: يا أبا جابرٍ، إنَّك سَيِّدٌ مِن سادَتِنا، وشَريفٌ مِن أشرافِنا، وإنَّا نَرغَبُ بك عَمَّا أنتَ فيه، أي: نَرغَبُ بك عن دينِ الشِّركِ، أو نَرغَبُ في شَأنِك عن دينِ الشِّركِ، أي: بَقائِك فيه، ولا نُحِبُّه لَك، خَوفًا مِن أن تَكونَ حَطَبًا للنَّارِ غَدًا! أي: يَومَ القيامةِ، ثُمَّ دَعَوتُه إلى الإسلامِ، وأخبَرتُه بميعادِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأسلَمَ وشَهِدَ مَعنا العَقَبةَ، وكان نَقيبًا، أي: عَريفًا.

فنِمنا تلك اللَّيلةَ مَعَ قَومِنا في رِحالِنا، أي: مَنازِلِنا التي نَزَلنا فيها، حَتَّى إذا مَضى ثُلثُ اللَّيلِ خَرَجْنا مِن رِحالِنا لميعادِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، نَتَسَلَّلُ، أي: نَخرُجُ بتَأنٍّ وتَدريجٍ وخُفيةٍ مُستَخفِينَ، تَسَلُّلَ القَطَا.

وهو نَوعٌ مِن أنواعِ الطُّيورِ، حَتَّى اجتَمَعْنا في الشِّعبِ، وهو الطَّريقُ في الجَبَلِ، وقيلَ: ما انفرَجَ بَينَ جَبَلَينِ، عِندَ العَقَبةِ.

والعَقَبةُ: الجَبَلُ الطَّويلُ، وهيَ عَقَبةٌ بَينَ مِنًى ومَكَّةَ، بَينَها وبَينَ مَكَّةَ نَحوُ ميلَينِ، وعِندَها مَسجِدٌ، ومِنها تُرمى جَمرةُ العَقَبةِ، ونَحنُ سَبعونَ رَجُلًا، ومَعنا امرَأتانِ مِن نِسائِهم: نُسَيبةُ بنتُ كَعبٍ، أمُّ عمارةَ، إحدى نِساءِ بَني مازِنِ بنِ النَّجَّارِ، وأسماءُ بنتُ عَمرِو بنِ عَديِّ بنِ ثابتٍ، إحدى نِساءِ بني سَلمةَ، وهيَ أمُّ منيعٍ، فاجتَمَعْنا بالشِّعبِ نَنتَظِرُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حَتَّى جاءَنا ومَعَه يَومَئِذٍ عَمُّه العَبَّاسُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ، وهو يَومئِذٌ على دينِ قَومِه، أي: ما زالَ العَبَّاسُ على دينِ قُرَيشٍ، إلَّا أنَّه أحَبَّ أن يَحضُرَ أمرَ ابنِ أخيه، ويَتَوثَّقَ له، فلَمَّا جَلَسْنا كان العَبَّاسُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ أوَّلَ مُتَكَلِّمٍ، فقال: يا مَعشَرَ الخَزرَجِ، أي: يَقصِدُ الأنصارَ جَميعًا الأوسَ والخَزرَجَ؛ فقد كانتِ العَرَبُ يُسَمُّونَ هذا الحَيَّ مِنَ الأنصارِ الخَزرَجَ؛ أَوسُها وخَزْرَجُها، إنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيثُ قد عَلِمتُم، أي: في المَنزِلةِ والمَكانةِ التي قد عَلِمتُموها، وقد مَنَعناه مَن قَومِنا مِمَّن هو على مِثلِ رَأيِنا فيه، وهو في عِزٍّ مِن قَومِه، ومَنَعةٍ في بَلَدِه، أي: حِمايةٍ في بَلَدِه.

قال كَعبٌ: فقُلْنا: قد سَمِعْنا ما قُلتَ.

فتَكَلَّمْ يا رَسولَ اللهِ، فخُذْ لنَفسِك ولرَبِّك ما أحبَبتَ، أي: اشتَرِطْ لنَفسِك ولرَبِّك ما تُريدُ! فتَكَلَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فتَلا، أي: قَرَأ عليهم آياتٍ مِنَ القُرآنِ ودَعاهم إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ورَغَّبَ في الإسلامِ، وقال: أُبايِعُكُم على أن تَمنَعوني، أي: تَحموني، مِمَّا تَمنَعونَ مِنه نِساءَكُم وأبناءَكُم.

فأخَذَ البَراءُ بنُ مَعرورٍ بيَدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قال: نَعَم، والذي بَعَثَك بالحَقِّ، لنَمنَعَنَّك مِمَّا نَمنَعُ مِنه أُزُرَنا.

جَمعُ إزارٍ، أرادَ نِساءَنا، والعَرَبُ تُكَنِّي عنِ المَرأةِ بالإزارِ، وتُكَنِّي أيضًا بالإزارِ عنِ النَّفسِ، وتَجعَلُ الثَّوبَ عِبارةً عن لابِسِه.

والمَعنى: أنَّهم يَحمونَه مِمَّا يَحمونَ مِنه أنفُسَهم ونِساءَهم.

فبايِعْنا يا رَسولَ اللهِ؛ فنَحنُ أهلُ الحُروبِ، وأهلُ الحَلقةِ، أي: السِّلاحِ والدُّروعِ، ورِثْناها كابرًا عن كابرٍ.

قال كَعبٌ: فاعتَرَضَ القَولَ -والبَراءُ يُكَلِّمُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أبو الهَيثَمِ بنُ التَّيِّهانِ حَليفُ بَني عَبدِ الأشهَلِ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ بَينَنا وبَينَ الرِّجالِ -يَقصِدُ بهمُ اليَهودَ الذينَ في المَدينةِ والعَرَبَ عُمومًا- حِبالًا، أي: مَواثيقَ وعُهودًا، وإنَّا قاطِعوها يَعني العُهودَ، فهَل عَسَيتَ إن نَحنُ فعَلْنا ذلك، ثُمَّ أظهَرَك اللَّهُ أن تَرجِعَ إلى قَومِك وتَدَعَنا؟! قال: فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قال: بَل الدَّمُ الدَّمُ، والهَدمُ الهَدمُ! وهو القَبرُ، أي: أُقبَرُ حَيثُ تُقبَرونَ، وقيلَ: المَنزِلُ، أي: مَنزِلي مَنزِلكُم، نَحوُ: المَحيا مَحياكُم والمَماتُ مَماتُكُم، أي: لا أُفارِقُكُم.

وقيلَ: طالِبُ دَمِكُم طالِبُ دَمي، فإنَّ طَلَب أحَدٌ دَمَكُم فقد طَلَبَ دَمي، وإن هَدرَ دَمَكُم فقد هَدَرَ دَمي، لاستِحكامِ الأُلفةِ بَينَنا! أنا مِنكُم، وأنتُم مِنِّي، أُحارِبُ مَن حارَبتُم، وأُسالمُ مَن سالَمتُم! ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أخرِجوا إلَيَّ مِنكُمُ اثنَي عَشَرَ نَقيبًا، أي: عَريفًا، والعَريفُ: شاهِدُ القَومِ وضَمينُهم، فأخرَجوا مِنهمُ اثنَي عَشَرَ نَقيبًا، مِنهم تِسعةٌ مِنَ الخَزرَجِ، وثَلاثةٌ مِنَ الأوسِ.

يَقولُ الرَّاوي: أمَّا مَعبَدُ بنُ كَعبٍ فحَدَّثَني في حَديثِه، عن أخيه، عن أبيه كَعبِ بنِ مالكٍ أنَّه قال: كان أوَّلَ مَن ضَرَبَ على يَدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: ليُبايِعَه، البَراءُ بنُ مَعرورٍ، ثُمَّ تَتابعَ القَومُ، فلَمَّا بايَعْنا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، صَرَخَ الشَّيطانُ مِن رَأسِ العَقَبةِ بأبعَدِ صَوتٍ سَمِعتُه قَطُّ: يا أهلَ الجُباجِبِ -أي: المَنازِلِ، وهيَ جَمعُ جُبجُبٍ، وهو المُستَوي مِنَ الأرضِ، وهو اسمٌ لمَنازِلَ بمِنًى، سُمِّيَت به- هَل لكم في مُذَمَّمٍ -أي: يَقصِدُ به النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقد كانوا يُطلِقونَ عليه ذلك- والصُّباةِ مَعَه؟! أي: مَن أسلَم؛ فقد كانوا يُطلِقونَ على مَن أسلَمَ: الصُّباةُ، جَمعُ صابئٍ، والصَّابئُ هو الخارِجُ عن دينِ قَومِه، قد أجمَعوا على حَربِكُم.

قال عليٌّ -وهو عَليٌّ المَروزيُّ أحَدُ الرُّواةِ عنِ ابنِ إسحاقَ-: ما يَقولُ عَدوٌّ اللهِ: مُحَمَّدٌ، والمَعنى: أنَّ هذا الصَّارِخَ عَدوَّ اللهِ صَرَخَ بما يُضادُّ اسمَ مُحَمَّدٍ، فقال: مُذَمَّمٌ، ولَم يَقُلْ: مُحَمَّدٌ.

فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا أَزَبُّ العَقَبةِ.

وهو اسمُ شَيطانِ العَقَبةِ، وهو الحَيَّةُ، والأزَبُّ في اللُّغةِ: الكَثيرُ الشَّعرِ، هذا ابنُ أزيَبَ، أي: البَخيلُ أوِ اللَّئيمُ، اسمَعْ أيْ عَدُوَّ اللهِ، أي: يا عَدوَّ اللهِ، وإنَّما قال له ذلك بَيانًا لقِلَّة المُبالاةِ بشَأنِه، أمَا واللهِ لَأفرُغَنَّ لَك! ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ارفَعوا إلى رِحالِكُم، أي: تَفرَّقوا واذهَبوا إلى مَنازِلكُم؛ حَتَّى لا يَأتيَ إلَيكُمُ المُشرِكونَ ويَجِدوكُم هنا.

فقال له العَبَّاسُ بنُ عُبادةَ بنِ نَضلةَ: والذي بَعَثَك بالحَقِّ لَئِن شِئتَ لنَميلَنَّ على أهلِ مِنًى غَدًا بأسيافِنا، أي: لنُقاتِلَنَّهم! فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لَم أُؤمَرْ بذلك، أي: بالقِتالِ، قال كَعبٌ: فرَجَعْنا فنِمْنا حَتَّى أصبَحْنا، فلَمَّا أصبَحْنا غَدَت علينا جُلَّةُ قُرَيشٍ، أي: جَماعةُ قُرَيشٍ، حَتَّى جاؤونا في مَنازِلِنا، فقالوا: يا مَعشَرَ الخَزرَجِ، إنَّه قد بَلَغَنا أنَّكُم قد جِئتُم إلى صاحِبِنا هذا تَستَخرِجونَه مِن بَينِ أظهُرِنا، وتُبايِعونَه على حَربِنا، واللَّهِ إنَّه ما مِنَ العَرَبِ أحَدٌ أبغَضُ إلَينا أن تَنشِبَ، أي: تَشتَبِكُ الحَربُ بَينَنا وبَينَه مِنكُم، قال كَعبٌ: فانبَعَثَ مَن هُنالكَ مِن مُشرِكي قَومِنا، يَحلفونَ لَهم باللهِ ما كان مِن هذا شَيءٌ، وما عَلِمْناه، وقد صَدَقوا، لَم يَعلَموا ما كان مِنَّا؛ وذلك لأنَّهم لَم يَكونوا مَعَ الذينَ ذَهَبوا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيلةَ العَقَبةِ؛ فقد كانوا يُخفونَ أمرَهم عن قَومِهم، فبَعضُنا يَنظُرُ إلى بَعضٍ، وقامَ القَومُ، وفيهمُ الحارِثُ بنُ هشامِ بنِ المُغيرةِ المَخزوميُّ، وكان ذلك الوقتَ مُشرِكًا ثُمَّ أسلَمَ يَومَ فتحِ مَكَّةَ وحَسُنَ إسلامُه.

وعليه نَعلانِ جَديدانِ، قال كَعبٌ: فقُلتُ كَلمةً كَأنِّي أُريدُ أن أشرَكَ القَومَ بها فيما قالوا، أي: أنَّه أرادَ أن يُشارِكَ قَومَه المُشرِكينَ الذينَ قالوا: إنَّه لَم يَقَعْ مِنهم أيُّ التِقاءٍ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال يُخاطِبُ والِدَ جابرٍ: ما تَستَطيعُ يا أبا جابرٍ وأنتَ سَيِّدٌ مِن سادَتِنا أن تَتَّخِذَ نَعلَينِ مِثلَ نَعلَيْ هذا الفتى مِن قُرَيشٍ؟! فسَمِعَها الحارِثُ فخَلَعَهما، ثُمَّ رَمى بهما إلَيَّ، أي: إلى كَعبٍ، وقال: واللهِ، لتَنْتَعِلَنَّهما، أي: لتَلبَسنَّهما.

فقال أبو جابرٍ: أحفَظْتَ، أي: أغضَبتَ، واللَّهِ الفتى، فاردُدْ عليه نَعلَيه! قال كَعبٌ: فقُلتُ: واللهِ لا أرُدُّهما، فَأْلٌ واللَّهِ صالحٌ، واللَّهِ لَئِن صَدَقَ الفَأْلُ لأسلُبَنَّه، أي: تَفاءَلَ كَعبٌ بخَلعِ الحارِثِ لنَعلَيه أن يَسلُبَه كَعبٌ ما لَدَيه.

والسَّلَبُ: ما يَأخُذُه أحَدُ القِرنَينِ في الحَربِ مِن قِرنِه مِمَّا يَكونُ عليه ومَعَه مِن سِلاحٍ وثيابٍ ودابَّةٍ وغَيرِها.

وفي الحَديثِ بَيانُ قِصَّةِ بَيعةِ العَقَبةِ الثَّانيةِ.

وفيه أنَّ القِبلةَ كانت في بدايةِ الأمرِ إلى بَيتِ المَقدِسِ.

وفيه السَّلامُ عِندَ القُدومِ على الجالسِ.

وفيه الإشادةُ بما عِندَ الآخَرينَ مِنَ الخِصالِ الحَميدةِ.

وفيه أخذُ الحَيطةِ والحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ.

وفيه بَيانُ عَدَدِ أصحابِ بَيعةِ العَقَبةِ الثَّانيةِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ.

وفيه فَضلُ العَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عنه.

وفيه فَضلُ الأنصارِ وحِمايَتُهم للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه وفاءُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للأنصارِ.

وفيه بَيانُ أهَمِّيَّةِ وُجودِ النُّقَباءِ على القَومِ.

وفيه فَضلُ البَراءِ بنِ مَعرورٍ لمُبادَرَتِه لمُبايَعةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه بَيانُ ما كان عليه كُفَّارُ قُرَيشٍ مِن بُغضِهم للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولأصحابِه.

وفيه عَدَمُ فَرضِ القِتالِ في مَكَّةَ.

وفيه فِطنةُ وذَكاءُ كَعبِ بنِ مالكٍ.

وفيه مَشروعيَّةُ التَّفاؤُلِ .

أحاديث ذات صلة