بَيْنا أنا في النَّظَّارةِ إذ جاءت عمَّتي بأبي وخالي عادَلَتْهما على ناضحٍ، فدخَلتْ بهما المدينةَ لنَدفِنَهما في مقابرِنا، وجاء رجُلٌ ينادي: ألَا إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يأمُرُكم أن تَرجِعوا بالقتلى، فتَدفِنوها في مَصارِعِها حيث قُتِلتْ، قال: فرجَعْنا بهما، فدفَنَّاهما في القتلى حيث قُتِلا، فبَيْنا أنا في خلافةِ معاويةَ بنِ أبي سفيانَ إذ جاءني رجُلٌ، فقال: يا جابرُ، واللهِ، لقد أثار أباك عمَّالُ معاويةَ، فبدَا، فخرَج طائفةٌ منه، قال: فأتَيْتُهُ، فوجَدْتُهُ على النحوِ الذي ترَكْتُهُ لم يَتغيَّرْ منه شيءٌ، قال: فوارَيْتُهُ، فصارت سُنَّةً في الشهداءِ أن يُدفَنوا في مَصارِعِهم.

الدلالات الموضوعية:# جهاد - دفن الشهيد حيث يقتل# اعتصام بالسنة - أوامر النبي ونواهيه وتقريراته# مناقب وفضائل - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم# مناقب وفضائل - فضائل جمع من الصحابة والتابعين# دفن ومقابر - جواز نقل الميت أو نبشه لغرض صحيح# دفن ومقابر - دفن أكثر من واحد في القبر
المصدر: تخريج زاد المعاد
الراوي: جابر
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (15281)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (3/ 292) كلاهما باختلاف يسير، والدارمي (46) بنحوه مطولا.أخرجه أحمد (23660)، وأبو يعلى (1951)، والبيهقي (6883) جميعهم مطولا.

الشرح والتوضيح

خَرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مِن المَدينةِ إلى المُشرِكينَ لِيُقاتِلَهم، وقال لي أبي عَبدُ اللهِ: يا جابِرُ، لا عليكَ أنْ تكونَ في نَظَّاري أهلِ المدينةِ حتى تَعلَمَ إلى ما يَصيرُ أمْرُنا؛ فإنِّي -واللهِ- لولا أنِّي أتْرُكُ بَناتٍ لي بَعْدي، لَأحْبَبتُ أنْ تُقتَلَ بَينَ يَدَيَّ، قال: فبَيْنَما أنا في النَّظَّارينَ إذْ جاءَتْ عمَّتي بأبي، وخالي عادِلَتَهُما على ناضِحٍ، فدَخَلَتْ بهما المَدينةَ لتَدْفِنَهُما في مَقابِرِنا، إذْ لَحِقَ رَجُلٌ يُنادي: ألَا إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يَأمُرُكُم أنْ تَرجِعوا بالقَتْلى، فتَدْفِنوها في مَصارِعِها حَيثُ قُتِلَتْ، فرَجَعْنا بهما فدَفَنَّاهُما حَيثُ قُتِلَا، فبَيْنَما أنا في خِلافةِ مُعاويةَ بنِ أبي سُفْيانَ إذْ جاءني رَجُلٌ فقال: يا جابِرُ بنَ عَبدِ اللهِ، واللهِ لقد أثارَ أباكَ عُمَّالُ مُعاويةَ، فبَدَا فخَرَجَ طائِفةٌ منه، فأتَيْتُه فوَجَدْتُه على النَّحوِ الذي دَفَنْتُه، لم يتَغَيَّرْ إلَّا ما لم يَدَعِ القَتلُ -أو القَتيلُ- فوارَيْتُه، قال: وتَرَكَ عليه دَيْنًا مِن التَّمرِ فاشْتَدَّ عليَّ بعضُ غُرَمائه في التَّقاضي، فأتَيْتُ نَبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، فقُلتُ: يا نَبيَّ اللهِ، إنَّ أبي أُصيبَ يومَ كَذا، وكَذا، وتَرَكَ عليه دَيْنًا مِن التَّمرِ، وقدِ اشْتَدَّ علَيَّ بَعضُ غُرَمائه في التَّقاضي، فأُحِبُّ أنْ تُعينَني عليه، لعَلَّه أنْ يُنظِرَني طائِفةً مِن تَمرِهِ إلى هذا الصِّرامِ المُقْبِلِ، فقال: نَعَمْ، آتيكَ إنْ شاء اللهُ قَريبًا مِن وَسَطِ النَّهارِ، وجاءَ معَه حَواريُّوه، ثُمَّ استَأْذَنَ، فدَخَلَ وقد قُلتُ لامْرَأتي: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم جاءني اليَومَ وَسَطَ النَّهارِ، فلا أرَيَنَّكِ، ولا تُؤْذي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في بَيتي بشَيءٍ، ولا تُكَلِّميه، فدَخَلَ ففَرَشْتُ له فِراشًا، ووِسادةً، فوَضَعَ رَأْسَه فنامَ، قال: وقُلتُ لمَوْلًى لي: اذْبَحْ هذه العَناقَ، وهي داجِنٌ سَمينةٌ، والوَحى والعَجَلَ، افْرُغْ منها قبلَ أنْ يَستَيقِظَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وأنا معَكَ، فلم نَزَلْ فيها حتى فَرَغْنا منها، وهو نائِمٌ، فقُلتُ له: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم إذا استَيْقَظَ يَدْعو بالطَّهورِ، وإنِّي أخافُ إذا فَرَغَ أنْ يَقومَ، فلا يَفْرُغَنَّ مِن وُضوئِه حتى تَضَعَ العَناقَ بَينَ يَدَيْه، فلمَّا قامَ قال: يا جابِرُ، ائْتِني بطَهورٍ، فلم يَفْرُغْ مِن طُهورِهِ حتى وَضَعْتُ العَناقَ عِندَه، فنَظَرَ إليَّ فقال: كأنَّكَ قد عَلِمتَ حُبَّنا للَّحْمِ، ادْعُ لي أبا بَكرٍ، قال: ثُمَّ دَعا حَوارِيِّيه الذين معه فدَخَلوا، فضَرَبَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بيَدَيْه، وقال: بِسمِ اللهِ كُلوا، فأكَلوا حتى شَبِعوا، وفَضَلَ لَحمٌ منها كَثيرٌ، قال: واللهِ إنَّ مجلِسَ بَني سَلِمةَ لَيَنظُرون إليه، وهو أَحَبُّ إليهم مِن أعْيُنِهم، ما يَقْرَبُه رَجُلٌ منهم مَخافةَ أنْ يُؤْذوه، فلمَّا فَرَغوا قامَ، وقامَ أصْحابُه فخَرَجوا بَينَ يَدَيْه، وكان يقولُ: خَلُّوا ظَهْري للمَلائكةِ، واتَّبَعْتُهم حتى بَلَغوا أُسْكُفَّةَ البابِ، قال: وأخْرَجَتِ امْرَأتي صَدْرَها، وكانت مُسْتَتِرةً بسَفيفٍ في البَيتِ، قالَتْ: يا رسولَ اللهِ، صَلِّ علَيَّ وعلى زَوْجي، صلَّى اللهُ عليكَ.

فقال: صلَّى اللهُ عليكِ وعلى زَوْجِكِ، ثُمَّ قال: ادْعُ لي فُلانًا؛ لِغَريمي الذي اشْتَدَّ علَيَّ في الطَّلَبِ، قال: فجاء فقال: أَيْسِرْ جابِرَ بنَ عَبدِ اللهِ -يَعْني إلى المَيْسَرةِ- طائِفةً مِن دَيْنِكَ الذي على أبيه، إلى هذا الصِّرامِ المُقْبِلِ، قال: ما أنا بفاعِلٍ، واعْتَلَّ وقال: إنَّما هو مالُ يَتامى، فقال: أين جابِرٌ؟ فقال: أنا ذا يا رسولَ اللهِ، قال: كِلْ له؛ فإنَّ اللهَ سوف يُوَفِّيه، فنَظَرْتُ إلى السماءِ، فإذا الشَّمسُ قد دَلَكَتْ، قال: الصلاةَ يا أبا بَكرٍ، فاندَفَعوا إلى المسجِدِ، فقُلتُ: قَرِّبْ أوعيَتَكَ، فكِلْتُ له مِن العَجْوةِ فوفَّاه اللهُ، وفَضَلَ لنا مِن التَّمرِ كَذا وكَذا، فجِئْتُ أسْعى إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في مسجِدِه، كأنِّي شَرارةٌ، فوَجَدْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قد صلَّى، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، ألم تَرَ أنِّي كِلْتُ لِغَريمي تَمْرَه، فوفَّاهُ اللهُ، وفَضَلَ لنا مِن التَّمرِ كَذا وكَذا، فقال: أين عُمَرُ بنُ الخطَّابِ؟ فجاءَ يُهَروِلُ، فقال: سَلْ جابِرَ بنَ عَبدِ اللهِ عن غَريمِه وتَمْرِه، فقال: ما أنا بِسائلِه، قد عَلِمتُ أنَّ اللهَ سوف يُوَفِّيه، إذْ أخبَرْتَ أنَّ اللهَ سوف يُوَفِّيه، فكَرَّرَ عليه هذه الكَلِمةَ ثَلاثَ مرَّاتٍ، كُلَّ ذلك يقولُ: ما أنا بِسائلِه، وكان لا يُراجَعُ بَعدَ المرَّةِ الثالثةِ، فقال: يا جابِرُ، ما فَعَلَ غَريمُكَ وَتَمرُكَ؟ قال: قلتُ: وفَّاهُ اللهُ، وفَضَلَ لنا مِن التَّمرِ كَذا وكَذا، فرَجَعَ إلى امْرَأتِه، فقال: ألم أكُنْ نَهَيتُكِ أنْ تُكَلِّمي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم؟ قالَتْ: أكُنتَ تَظُنَّ أنَّ اللهَ يُورِدُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بَيْتيَ، ثُمَّ يَخرُجُ، ولا أسْألُه الصلاةَ علَيَّ وعلى زَوْجي قَبلَ أنْ يَخرُجَ؟! الراوي : جابر بن عبدالله المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 15281 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه أبو داود (1533) مختصراً، وأحمد (15281) واللفظ له في هذا الحَديثِ يَحكي جابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَرَجَ منَ المَدينةِ إلى المُشرِكينَ ليُقاتِلَهم، وذلك في غَزوةِ أحد، فقال له والِدُه عبدُ اللهِ: يا جابِرُ، أرى أن تبقى في نَظَّاري أهلِ المَدينةِ، أي: تَكونَ في جُملةِ النَّظَّارينَ لعاقِبةِ الأمرِ من أهلِ المَدينةِ، حتَّى تَعلمَ إلى ما يَصيرُ أمرُنا من نَصرٍ في المَعرَكةِ أو هَزيمةٍ؛ فإنِّي واللَّهِ لولا أنِّي أترُكُ بَناتٍ لي بَعدي لأحبَبتُ أن تُقتَلَ بَينَ يَدَيَّ، فجَلسَ جابرٌ في النَّظَّارينَ ولم يَخرُجِ امتِثالًا لوصيَّةِ والدِه، وحتَّى يَرعى أخَواتِه، فبَينَما هو كَذلك إذ جاءَت عَمَّتُه -وهي هِندُ بنتُ عَمرٍو- بأبيه عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو، وخالِه وهو عَمرُو بنُ الجَموحِ، قد وضَعَتْهما على ناضِحٍ، أي: بَعيرٍ، قد جَعَلت كُلًّا منهما عِدْلًا للآخَرِ يَحمِلُهما بعيرٌ، فدَخَلت بهما المَدينةَ لتَدفِنَهما في المَقبَرةِ، فإذا هم برَجُلٍ يُنادي: ألا إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأمُرُكُم أن تَرجِعوا بالقَتلى فتَدفِنوها في مَصارِعِها حَيثُ قُتِلَت؛ وذلك لأنَّ الشُّهَداءَ يُدفَنونَ في مَكانِهم، فرَجَعنا بهما فدَفناهما حَيثُ قُتِلا.

يَقولُ جابِرٌ: فبَينَما أنا في خِلافةِ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ إذ جاءَني رَجُلٌ، فقال: يا جابِرُ بنَ عَبدِ اللَّهِ، واللَّهِ لقد أثارَ أباك-أي: كَشَف عنه وأظهَرَه- عُمَّالُ مُعاويةَ، وذلك عِندَما أرادَ مُعاويةُ إجراءَ عَينِ ماءٍ هناكَ، فقامَ بإزالةِ القُبورِ التي كانت هناكَ، ومن ضِمنِها قَبرُ عَبدِ اللَّهِ والِدِ جابرٍ، فلمَّا أثارَ العُمَّالُ التُّرابَ ظَهر والِدُ جابرٍ كَما هو حينَ دُفِنَ، لم يَتَغَيَّرْ إلَّا ما لم يَدَعِ القَتلُ فدَفنتُه.

وقد كان المُدَّةُ طَويلةً، وذلك بَعدَ سِتٍّ وأربَعينَ سَنةً من يَومِ دُفِنوا.

ثمَّ يَحكي جابِرٌ حالَه بَعدَ وفاةِ والدِه، فيَقولُ: إنَّه تَرَكَ عَليه دَينًا منَ التَّمرِ، واشتَدَّ عَليه بَعضُ غُرَمائِه في التَّقاضي، وليس عِندَ جابرٍ ما يَستَطيعُ قَضاءَهم كُلِّهم، فذَهَبَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأخبَرَه بمَوتِ والدِه وما تَركَ منَ الدَّينِ، وأنَّ الغُرَماءَ يُطالبونَه، وأُحِبُّ أن تُعينَني عَليه لعَلَّه أن يُنظِرَني في طائِفةٍ من تَمرِه أي: يُؤَجِّلَ في المُطالبةِ إلى الصِّرامِ المُقبِلِ، أي: قَطعِ التَّمرِ في السَّنةِ القادِمةِ، فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم، آتيك إن شاءَ اللهُ قَريبًا من وسَطِ النَّهارِ، وجاءَ مَعَه حَواريُّوه، أي: أصحابُه، ثمَّ استَأذَنَ فدَخَل، وقد قُلتُ لامرَأتي: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جاءَني اليَومَ وسَطَ النَّهارِ، فلا أرَينَّكِ ولا تُؤذي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بَيتي بشَيءٍ ولا تُكَلِّميه، فدَخَل ففرَشتُ له فِراشًا ووِسادةً، فوضَعَ رَأسَه فنامَ، قال: وقُلتُ لمولًى لي: اذبَحْ هذه العَناقَ، وهي داجِنٌ سَمينةٌ -والدَّاجِنُ: الشَّاةُ التي يَعلفُها النَّاسُ في مَنازِلِهم- والوَحَى والعَجَلَ.

والوَحى، يَعني: السُّرعةَ، أي: أسرِعْ في ذَبحِها وطَبخِها قَبل أن يَستَيقِظَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنا مَعَك، فلم نَزَلْ فيها حتَّى فرَغْنا منها، وهو نائِمٌ، فقُلتُ له: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استَيقَظَ يَدعو بالطَّهورِ، وإنِّي أخافُ إذا فرَغَ أن يَقومَ، فلا يَفرُغَنَّ من وُضوئِه حتَّى تَضَعَ العَناقَ بَينَ يَدَيه، فلمَّا قامَ قال: يا جابِرُ، ائتِني بطَهورٍ، فلم يَفرُغْ من طَهورِه حتَّى وُضِعَتِ العَناقُ عِندَه، فنَظَرَ إليَّ فقال: كأنَّك قد عَلِمتَ حُبَّنا لِلَّحمِ! ادعُ لي أبا بكرٍ، قال: ثمَّ دَعا حَواريِّيه الذينَ مَعَه فدَخَلوا، فضَرَبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيَدَيه، وقال: بسمِ اللهِ كُلوا، فأكَلوا حتَّى شَبِعوا، وفضَل لحمٌ منها كَثيرٌ، قال: واللهِ إنَّ مَجلِسَ بني سَلِمةَ -أي: أهلِ جابرٍ وقَبيلتِه- ليَنظُرونَ إليه، وهو أحَبُّ إليهم من أعيُنِهم، ما يَقرَبُه رَجُلٌ منهم مَخافةَ أن يُؤذوه، فلمَّا فرَغوا قامَ، وقامَ أصحابُه فخَرَجوا بَينَ يَدَيه، وكان يَقولُ: خَلُّوا ظَهري للمَلائِكةِ، واتَّبَعتُهم حتَّى بلغوا أُسكُفَّةَ البابِ، أي: خَشَبةَ البابِ وعَتَبَتَه السُّفلى التي يوطَأُ عَليها، قال: وأخرَجَتِ امرَأتي صَدرَها، وكانت مُستَتِرةً بسَفيفٍ في البَيتِ، أي: ما يُنسَجُ منَ الخوصِ، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، صَلِّ عَليَّ وعلى زَوجي، صَلَّى اللهُ عليك.

أي: ادعُ لي ولزَوجي حتَّى نَنالَ بَرَكةَ دُعائِك، فقال: صَلَّى اللهُ عَليكِ وعلى زَوجِك.

ثمَّ قال: ادعُ لي فلانًا؛ لغَريمي الذي اشتَدَّ عَليَّ في الطَّلَبِ، قال: فجاءَ فقال: أيسِرْ جابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ -يَعني إلى المَيسَرةِ- طائِفةً من دَينِك الذي على أبيه، إلى هذا الصِّرامِ المُقبِلِ، أي: أمهِلْه في سَدادِ الدَّينِ إلى حينِ اليَسارِ والتَّوسِعةِ عَليه، وذلك إلى وَقتِ الصِّرامِ، وهو: قَطعُ الثَّمَرةِ، واجتِناؤُها منَ النَّخلةِ في الفترةِ المُقبِلةِ والقادِمةِ، فقال: ما أنا بفاعِلٍ! واعتَلَّ، أي: تَعَذَّرَ وذَكَرَ بَعضَ الأعذارِ والعِلَلِ، ومن ذلك أنَّها مالُ يَتامى، فقال: أينَ جابرٌ؟ فقال: أنا ذا يا رَسولَ اللهِ، قال: كِلْ له؛ فإنَّ اللهَ سَوف يوفِّيه، فنَظَرتُ إلى السَّماءِ فإذا الشَّمسُ قد دَلَكَت، أي: مالت وزالت عن وسَطِ السَّماءِ، قال: الصَّلاةَ يا أبا بكرٍ، فاندَفعوا إلى المَسجِدِ، فقُلت: قَرِّبْ أوعيَتَك، فكِلْتُ له منَ العَجوةِ فوفَّاه اللهُ، وفضَلَ لنا منَ التَّمرِ كَذا وكَذا! فجِئتُ أسعى إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مَسجِدِه، كَأنِّي شَرارةٌ، أي: من شِدَّةِ السُّرعةِ، فوجَدتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد صَلَّى، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ألم تَرَ أنِّي كِلتُ لغَريمي تَمرَه فوفَّاه اللهُ، وفضَل لنا منَ التَّمرِ كَذا وكَذا؟! فقال: أينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ؟ فجاءَ يُهَروِلُ، أي: مسرعًا في المَشيِ، فقال: سَلْ جابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ عن غَريمِه وتَمرِه، فقال: ما أنا بسائِلِه، قد عَلِمتُ أنَّ اللهَ سوف يوفِّيه إذ أخبَرتَ أنَّ اللهَ سَوف يوفِّيه! فكَرَّرَ عَليه هذه الكَلِمةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، كُلَّ ذلك يَقولُ: ما أنا بسائِلِه، وكان لا يُراجَعُ بَعدَ المَرَّةِ الثَّالثةِ، أي: كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يُراجَعُ ولا يُكَرَّرُ عَليه الكَلامُ، فعِندَ ذلك قال عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه: يا جابرُ، ما فعَل غَريمُك وتَمرَك؟! فقال جابِرٌ: وفَّاه اللهُ، وفضَل لنا منَ التَّمرِ كَذا وكَذا! فرَجَعَ جابرٌ إلى امرَأتِه، فقال: ألم أكُنْ نَهَيتُك أن تُكَلِّمي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قالت: أكُنتَ تَظُنُّ أنَّ اللهَ يُورِدُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَيتي، ثمَّ يَخرُجُ ولا أسألُه الصَّلاةَ عَليَّ وعلى زَوجي قَبل أن يَخرُجَ؟! وفي هذا الحَديثِ: فَضلُ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ حَرامٍ والِدِ جابِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما.

وفيه بَذلُ النَّفسِ والوَلَدِ في سَبيلِ اللهِ.

وفيه الحِرصُ على تَربيةِ البَناتِ ومُراعاتِهنَّ والإحسانِ إليهنَّ.

وفيه إثباتُ كَراماتِ الأولياءِ.

وفيه بَيانُ مُعجِزةٍ من مُعجِزاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه فَضلُ جابرٍ وزَوجَتِه ببَرَكةِ دُعاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لهما.

وفيه تَصديقُ الصَّحابةِ ويَقينُهم فيما يَقولُه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كما كان من عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه .

الأصول والأحكام

[مسند أحمد] مخرجا (23/ 419) 15281 - حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر بن عبد الله ، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم، وقال لي أبي عبد الله: يا جابر، لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي، لأحببت أن تقتل بين يدي، قال: فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي، وخالي عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، إذ لحق رجل ينادي: ألا إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقتلى، فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت ، فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا فبينما أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل فقال: يا جابر بن عبد الله، والله لقد أثار أباك عمال معاوية، فبدا فخرج طائفة منه، فأتيته فوجدته على النحو الذي دفنته، لم يتغير إلا ما لم يدع القتل - أو القتيل - فواريته

دلائل النبوة للبيهقي (3/ 292) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر بن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا الأسود، عن نبيح العنزي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم، قال: فقال لي أبي عبد الله: يا جابر، ما عليك أن تكون في نظاري المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي، قال: فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، وجاء رجل ينادي: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، قال: فرجعنا بهما فدفناهما في القتلى حيث قتلا، قال: فبينما أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل فقال: يا جابر، والله لقد أثار أباك عمال معاوية، فبدا فخرج طائفة منه، قال: فأتيته فوجدته على النحو الذي تركته لم يتغير منه شيء، إلا ما لم يدع القتيل، قال: فواريته "

سنن الدارمي (1/ 189) 46 - أخبرنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة، عن الأسود، عن نبيح العنزي، عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين ليقاتلهم، فقال أبي عبد الله: يا جابر، لا عليك أن تكون، في نظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي، لأحببت أن تقتل بين يدي، قال: فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي لتدفنهما في مقابرنا، فلحق رجل ينادي، إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تردوا القتلى فتدفنوها في مضاجعها حيث قتلت، فرددناهما، فدفناهما في مضجعهما حيث قتلا: فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه إذ جاءني رجل فقال: يا جابر بن عبد الله، لقد أثار أباك عمال معاوية فبدا فخرج طائفة منهم، فانطلقت إليه فوجدته على النحو الذي دفنته لم يتغير إلا ما لم يدع القتيل، قال: فواريته، وترك أبي عليه دينا من التمر، فاشتد علي بعض غرمائه في التقاضي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن أبي أصيب يوم كذا وكذا، وإنه ترك عليه دينا من التمر وإنه قد اشتد علي بعض غرمائه في الطلب، فأحب أن تعينني عليه لعله أن ينظرني طائفة من تمره إلى هذا الصرام المقبل.

قال: نعم آتيك إن شاء الله قريبا من وسط النهار قال: فجاء ومعه حواريوه، قال: فجلسوا في الظل وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذن ثم دخل علينا، قال: وقد قلت لامرأتي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءني اليوم وسط النهار، فلا يرينك ولا تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي بشيء ولا تكلميه ففرشت فراشا ووسادة فوضع رأسه، فنام، فقلت لمولى لي: اذبح هذه العناق، وهي داجن سمينة، فالوحا، والعجل، افرغ منها قبل أن يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معك، فلم نزل فيها حتى فرغنا منها، وهو نائم، فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يستيقظ يدعو بطهوره وأنا أخاف إذا فرغ أن يقوم، فلا يفرغ من طهوره حتى يوضع العناق بين يديه، فلما استيقظ قال: يا جابر ائتني بطهور، قال: نعم، فلم يفرغ من وضوئه حتى وضعت العناق بين يديه، قال: فنظر إلي فقال: كأنك قد علمت حبنا اللحم، ادع أبا بكر ثم دعا حوارييه، قال: فجيء بالطعام فوضع.

قال: فوضع يده، وقال: بسم الله كلوا فأكلوا حتى شبعوا وفضل منها لحم كثير وقال: والله إن مجلس بني سلمة لينظرون إليهم، هو أحب إليهم من أعينهم، ما يقربونه مخافة أن يؤذوه، ثم قام، وقام أصحابه، فخرجوا بين يديه وكان يقول خلوا ظهري للملائكة، قال: فاتبعتهم حتى بلغت أسكفة الباب، فأخرجت امرأتي صدرها وكانت ستيرة فقالت: يا رسول الله، صل علي وعلى زوجي، قال: صلى الله عليك وعلى زوجك، ثم قال: ادعوا لي فلانا للغريم الذي اشتد علي في الطلب، فقال أنسئ جابرا طائفة من دينك الذي على أبيه إلى هذا الصرام المقبل، قال: ما أنا بفاعل قال: واعتل وقال: إنما هو مال يتامى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين جابر؟، قال: قلت: أنا ذا يا رسول الله، قال: كل له، فإن الله تعالى سوف يوفيه فرفع رأسه إلى السماء، فإذا الشمس قد دلكت، قال: الصلاة يا أبا بكر فاندفعوا إلى المسجد، فقلت لغريمي: قرب أوعيتك، فكلت له من العجوة فوفاه الله وفضل لنا من التمر كذا وكذا، قال: فجئت أسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده كأني شرارة، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى، فقلت: يا رسول الله إني قد كلت لغريمي تمره فوفاه الله وفضل لنا من التمر كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين عمر بن الخطاب؟، قال: فجاء يهرول، قال: سل جابر بن عبد الله عن غريمه وتمره، قال: ما أنا بسائله، قد علمت أن الله سوف يوفيه إذ أخبرت أن الله سوف يوفيه فردد عليه، وردد عليه هذه الكلمة ثلاث مرات، كل ذلك يقول: ما أنا بسائله، وكان لا يراجع بعد المرة الثالثة، فقال: ما فعل غريمك وتمرك؟ قال: قلت: وفاه الله وفضل لنا من التمر كذا وكذا، قال: فرجعت إلى امرأتي فقلت: ألم أكن نهيتك أن تكلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي؟ فقالت: تظن أن الله تعالى يورد نبيه في بيتي ثم يخرج ولا أسأله الصلاة علي وعلى زوجي؟

[مسند أحمد] (39/ 64) 23660 - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن أبي صعير، عن جابر بن عبد الله، قال: لما كان يوم أحد أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على الشهداء الذين قتلوا يومئذ، فقال: زملوهم بدمائهم، فإني قد شهدت عليهم فكان يدفن الرجلان والثلاثة في القبر الواحد، ويسأل: أيهم كان أقرأ للقرآن فيقدمونه قال جابر : فدفن أبي وعمي يومئذ في قبر واحد

مسند أبي يعلى الموصلي (3/ 455) 1951 - حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن أبي صعير، عن جابر بن عبد الله قال: لما كان يوم أحد أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على الشهداء الذين استشهدوا يومئذ فقال: زملوهم بدمائهم، فإني قد شهدت على هؤلاء، فكان يدفن الرجلان والثلاثة في القبر الواحد، ويسأل: أيهم كان أقرأ للقرآن فيقدمه؟، قال جابر : فدفن أبي وعمي يومئذ في قبر واحد

السنن الكبير للبيهقي (7/ 307) 6883- أخبرناه أبو طاهر الفقيه، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا محمد بن حماد الأبيوردي، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن أبي صعير، عن جابر بن عبد الله قال: لما كان يوم أحد أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على الشهداء الذين قتلوا يومئذ، فقال: زملوهم بدمائهم فإني عليهم شهيد وكان يدفن الرجل والرجلان والثلاثة في القبر الواحد، ويسأل أيهم كان أقرأ للقرآن فيقدمونه.

قال جابر فدفن أبي وعمي يومئذ في قبر واحد

أحاديث ذات صلة