حضَرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأبو بَكرٍ وعُمَرُ سَعدَ بنَ مُعاذٍ، وهو يَموتُ في القُبَّةِ التي ضرَبَها عليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المسجدِ، قالتْ: والذي نَفْسُ محمَّدٍ بيَدِه، إنِّي لأعرِفُ بُكاءَ أبي بَكرٍ مِن بُكاءِ عُمَرَ، وإنِّي لفي حُجرَتي، فكانا كما قال اللهُ: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29].
قال عَلقَمةُ: فقُلتُ: أيْ أُمَّه! كيف كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصنَعُ؟ قالتْ: كان لا تَدمَعُ عَينُه على أحدٍ، ولكنَّه كان إذا وُجِدَ، فإنَّما هو آخِذٌ بلِحيَتِه.
أخرجه إسحاق في ((مسنده)) (1722) واللفظ له، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (6/ 9) (5330) بنحوه، وابن حبان (7028) بلفظه في أثناء حديث طويل.
خرَجْتُ يومَ الخَندقِ أقفو أثَرَ النَّاسِ فسمِعْتُ وَئيدِ الأرضِ مِن ورائي فالتفَتُّ فإذا أنا بسعدِ بنِ مُعاذٍ ومعه ابنُ أخيه الحارثُ بنُ أوسٍ يحمِلُ مِجَنَّه فجلَسْتُ إلى الأرضِ فمَرَّ سعدٌ وعليه دِرْعٌ قد خرَجَتْ منها أطرافُه فأنا أتخوَّفُ على أطرافِ سعدٍ وكان مِن أعظَمِ النَّاسِ وأطولِهم قالت : فمَرَّ وهو يرتجِزُ ويقولُ : لبِّثْ قليلًا يُدرِكِ الهَيْجا حَمَلْ ما أحسَنَ الموتَ إذا حان الأجَلْ قالت : فقُمْتُ فاقتحَمْتُ حديقةً فإذا فيها نفَرٌ مِن المُسلِمينَ فيهم عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه فقال عُمَرُ : وَيْحَكِ ما جاء بكِ لَعَمْرِي واللهِ إنَّكِ لَجريئةٌ ما يُؤمِنُكِ أنْ يكونَ تحوُّزٌ أو بلاءٌ قالت : فما زال يلومُني حتَّى تمنَّيْتُ أنَّ الأرضَ قدِ انشقَّتْ فدخَلْتُ فيها وفيهم رجُلٌ عليه نَصيفةٌ له فرفَع الرَّجُلُ النَّصيفَ عن وجهِه فإذا طلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ فقال : وَيْحَكَ يا عُمَرُ إنَّكَ قد أكثَرْتَ منذُ اليومِ وأينَ الفِرارُ إلَّا إلى اللهِ ؟ قالت : ورمى سعدًا رجُلٌ مِن المُشرِكينَ يُقالُ له : ابنُ العَرِقَةِ بسَهمٍ قال : خُذْها وأنا ابنُ العَرِقَةِ فأصاب أَكْحَلَه فقطَعها فقال : اللَّهمَّ لا تُمِتْني حتَّى تُقِرَّ عيني مِن قُرَيظةَ وكانوا حلفاءَه ومواليَه في الجاهليَّةِ فبرَأ كَلْمُه وبعَث اللهُ الرِّيحَ على المُشرِكينَ فكفى اللهُ المؤمنينَ القتالَ وكان اللهُ قويًّا عزيزًا، فلحِق أبو سُفيانَ بتِهامَةَ ولحِق عُيَينةُ ومَن معه بنَجْدٍ ورجَعَتْ بنو قُرَيظةَ فتحصَّنوا بصَياصِيهم فرجَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينةِ وأمَر بقُبَّةٍ مِن أَدَمٍ فضُرِبَتْ على سعدٍ في المسجدِ ووضَع السِّلاحَ قالت : فأتاه جِبريلُ فقال : أوَقَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ فوَاللهِ ما وضَعَتِ الملائكةُ السِّلاحَ اخرُجْ إلى بني قُرَيظةَ فقاتِلْهم فأمَر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالرَّحيلِ ولبِس لَأْمَتَه فخرَج فمَرَّ على بني غُنْمٍ وكانوا جيرانَ المسجِدِ فقال : ( مَن مَرَّ بكم ) ؟ قالوا : مَرَّ بنا دِحْيَةُ الكَلْبيُّ فأتاهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فحاصَرهم خمسًا وعشرينَ يومًا فلمَّا اشتَدَّ حَصْرُهم واشتَدَّ البلاءُ عليهم قيل لهم : انزِلوا على حُكْمِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستشاروا أبا لُبابةَ فأشار إليهم : أنَّه الذَّبحُ فقالوا : ننزِلُ على حُكْمِ سعدِ بنِ مُعاذٍ فنزَلوا على حُكْمِ سعدٍ وبعَث رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى سعدٍ فحُمِل على حمارٍ وعليه إِكافٌ مِن لِيفٍ وحَفَّ به قومُه فجعَلوا يقولونَ : يا أبا عمرٍو حلفاؤُك ومواليك وأهلُ النِّكايةِ ومَن علِمْتَ فلا يرجِعُ إليهم قولًا حتَّى إذا دنا مِن ذراريِّهم التفَت إلى قومِه فقال : قد آنَ لسعدٍ ألَّا يُباليَ في اللهِ لومةَ لائمٍ فلمَّا طلَع على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( قوموا إلى سيِّدِكم فأنزِلوه ) قال عُمَرُ : سيِّدُنا اللهُ قال : ( أنزِلوه ) فأنزَلوه فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( احكُمْ فيهم ) قال : فإنِّي أحكُمُ فيهم أنْ تُقتَلَ مُقاتِلتُهم وتُسبَى ذراريُّهم وتُقسَمَ أموالُهم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( لقد حكَمْتَ فيهم بحُكْمِ اللهِ ورسولِه ) ثم دعا اللهَ سعدٌ فقال : اللَّهمَّ إنْ كُنْتَ أبقَيْتَ على نبيِّك صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن حَرْبِ قُرَيشٍ شيئًا فأبقِني لها وإنْ كُنْتَ قطَعْتَ بَيْنَه وبَيْنَهم فاقبِضْني إليكَ فانفجَر كَلْمُه وكان قد برَأ منه حتَّى ما بقي منه إلَّا مِثْلُ الحِمِّصِ قالت : فرجَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجَع سعدٌ إلى بيتِه الَّذي ضرَب عليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت فحضَره رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بكرٍ وعُمَرُ قالت : فوالَّذي نفسي بيدِه إنِّي لَأعرِفُ بكاءَ أبي بكرٍ مِن بكاءِ عُمَرَ وأنا في حُجرتي وكانوا كما قال اللهُ {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] قال عَلْقمةُ : فقُلْتُ : أيْ أُمَّهْ فكيف كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يصنَعُ ؟ قالت : كان عيناه لا تدمَعُ على أحَدٍ ولكنَّه إذا وجَد إنَّما هو آخِذٌ بلِحيتِه الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج صحيح ابن حبان الصفحة أو الرقم: 7028 خلاصة حكم المحدث : حسن التخريج : أخرجه ابن حبان (7028) واللفظ له، وأحمد (25097)، وإسحاق في ((مسنده)) (1126) باختلاف يسير.
الصَّحابةُ خَيرُ القُرونِ؛ فهمُ الذينَ ناصَروا النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ووقَفوا مَعَه، وكانوا يُقدِّمونَ أنفُسَهم على نَفسِه؛ ولهذا أثنى اللهُ تَعالى عليهم وأثنى عليهمُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولبَعضِهم مَناقِبُ ومَزايا يَتَمَيَّزُ بها عَن غَيرِه خَصَّه بها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومِن ذلك الصَّحابيُّ الجَليلُ سَعدُ بنُ مُعاذٍ رَضيَ اللهُ عنه سَيِّدُ الأوسِ، وكان مِن أعظَمِ النَّاسِ بَرَكةً على قَومِه؛ فإنَّه لمَّا أسلَمَ قال لقَومِه: كَلامُ رِجالِكُم ونِسائِكُم عليَّ حَرامٌ حَتَّى تُسلِموا، فأسلَموا، فكان مِن أعظَمِ النَّاسِ بَرَكةً في الإسلامِ.
وقد شَهدَ مَعَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم غَزوةَ بَدرٍ، وغَزوةَ أُحُدٍ، وغَزوةَ الخَندَقِ، وفي هذا الحَديثِ تُبَيِّنُ عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها جانِبًا مِن جَوانِبِ شَجاعةِ ومَواقِفِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ في غَزوةِ الخَندَقِ، فتَقولُ: خَرَجتُ يَومَ الخَندَقِ، أي: في غَزوةِ الخَندَقِ، أقفُو أي: أتَتَبَّعُ، أثَرَ النَّاسِ، وأمشي وراءَهم، فسَمِعتُ وئيدَ الأرضِ مِن ورائي، والوئيدُ: صَوتُ شِدَّةِ الوطءِ على الأرضِ يُسمَعُ كالدَّويِّ مِن بُعدٍ، فالتَفَتُّ، فإذا أنا بسَعدِ بنِ مُعاذٍ ومَعَه ابنُ أخيه الحارِثُ بنُ أوسٍ يَحمِلُ مِجَنَّه، أي: التُّرسَ الذي يَتَّقي به المُقاتِلُ في المَعرَكةِ، فجَلَستُ إلى الأرضِ، فمَرَّ سَعدٌ وعليه دِرعٌ، وهو ما يَلبَسُه المُقاتِلُ مِنَ الحَديدِ، يُقالُ له: الزَّرديَّةُ، يَستُرُ الرَّقَبةَ والصَّدرَ، قد خَرَجَت مِنها أطرافُه، أي: يَداه ورِجْلاه، فأنا أتَخَوَّفُ على أطرافِ سَعدٍ، وكان مِن أعظَمِ النَّاسِ وأطوَلِهم، فمَرَّ سَعدٌ وهو يَرتَجِزُ.
والرَّجَزُ: بَحرٌ مِن بُحورِ الشِّعرِ مَعروفٌ، ويَقولُ: لَبِّثْ قَليلًا يُدرِكِ الهَيجا حَمَلْ *** ما أحسَنَ المَوتَ إذا حانَ الأجَلْ.
والهَيْجا: الحَربُ.
ومَعنى البَيتِ: اُمكُثْ قَليلًا فسَوف يُدرِكُ الحَربَ حَمَلُ بنُ بَدرٍ، وهو رَجُلٌ شُجاعٌ كانوا يُقدِّمونَه في الحَربِ، وليس هناكَ أحسَنُ مِنَ المَوتِ إذا حانَ أجَلُ الشَّخصِ؛ فعَلى الإنسانِ أن يَكونَ شُجاعًا مِقدامًا لا يَهابُ الحَربَ، ولا يَخافُ مِنَ المَوتِ؛ فإنَّ المَوتَ إذا حانَ فليس هناكَ أحسَنُ مِنه.
تَقولُ عائِشةُ: فقُمتُ فاقتَحَمتُ حَديقةً، وهيَ كُلُّ ما أحاطَ به البناءُ مِنَ البَساتينِ وغَيرِها، فإذا فيها نَفرٌ مِنَ المُسلمينَ فيهم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه، فقال عُمَرُ: ويحَكِ! ما جاءَ بكِ؟! لَعَمري واللَّهِ إنَّكِ لجَريئةٌ! ما يُؤَمِّنُك أن يَكونَ تَحوُّزُ أو بَلاءٌ، أي: حَربٌ أو أسرٌ، خاف عليها عُمَرُ مِن إقدامِها في مِثلِ هذا المَوطِنِ، قالت: فما زالَ يَلومُني حَتَّى تَمَنَّيتُ أنَّ الأرضَ قدِ انشَقَّت فدَخَلتُ فيها! وفيهم رَجُلٌ عليه نَصيفةٌ له، أي: خِمارٌ قد غَطَّى وجهَه به، فرَفعَ الرَّجُلُ النَّصيفَ عَن وجهِه، فإذا طَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ، فقال: ويحَكَ يا عُمَرُ! إنَّك قد أكثَرتَ مُنذُ اليَومِ، وأينَ الفِرارُ إلَّا إلى اللهِ؟ قالت: ورَمى سَعدًا رَجُلٌ مِنَ المُشرِكينَ يُقالُ له: ابنُ العَرِقةِ -واسمُه حِبَّانُ- بسَهمٍ، وقال: خُذها وأنا ابنُ العَرقةِ، فأصابَ أكحَلَه، وهو عِرقٌ في وسَطِ الذِّراعِ يَكثُرُ فصدُه، فقَطَعَها، فقال سَعدٌ رَضيَ اللهُ عنه: اللهُمَّ لا تُمِتْني حَتَّى تُقِرَّ عَيني مِن قُرَيظةَ، أي: يَهودِ بَني قُرَيظةَ، وكانوا حُلَفاءَه ومواليَه في الجاهليَّةِ، وقد نَقَضَ بَنو قُرَيظةَ العَهدَ الذي كان بَينَهم وبَينَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ووقَفوا مَعَ قُرَيشٍ في غَزوةِ الخَندَقِ، فبَرَأ كَلمُه، أي: جُرحُه، وبَعَثَ اللهُ الرِّيحَ على المُشرِكينَ، فكَفى اللهُ المُؤمِنينَ القِتالَ، أي: لَم يَحتاجوا إلى مُنازَلَتِهم، بَل صَرفهمُ القَويُّ العَزيزُ بحَولِه وقوَّتِه، ولم تَرجِعْ قُرَيشٌ بَعدَها إلى حَربِ المُسلمينَ، وكان اللَّهُ قَويًّا عَزيزًا، فلَحِقَ أبو سُفيانَ بتِهامةَ، ولَحِقَ عُيَينةُ بنُ حِصنٍ ومَن مَعَه بنَجدٍ، ورَجَعَت بَنو قُرَيظةَ فتَحَصَّنوا بصياصيهم، أي: بحُصونِهم.
وكُلُّ شَيءٍ امتُنِعَ به وتُحُصِّن به فهو صِيصةٌ، فرَجَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المَدينةِ وأمَرَ بقُبَّةٍ مَن أدَمٍ، أي: جِلدٍ، فضُرِبَت، أي: وضِعَت على سَعدٍ في المَسجِدِ، ووُضِعَ السِّلاحُ.
وهو كِنايةٌ عَن تَوقُّفِ المَعرَكةِ والقِتالِ، فجاءَ جِبريلُ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: أوقَدَ وضَعتَ السِّلاحَ؟! فواللهِ ما وضَعَتِ المَلائِكةُ السِّلاحَ! وذلك لأنَّ المَلائِكةَ قاتَلَت مَعَ المُسلمينَ في غَزوةِ الأحزابِ، اخرُجْ إلى بَني قُرَيظةَ فقاتِلْهم؛ لأنَّهم نَقَضوا العَهدَ، فأمر رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بالرَّحيلِ، أي: السَّفرِ، ولَبِسَ لأْمَتَه، أي: الدِّرعَ.
وقيلَ: السِّلاحُ.
ولأْمَةُ الحَربِ: أداتُه، فخَرَجَ فمَرَّ على بَني غَنمٍ، وكانوا جيرانَ المَسجِدِ، فقال: مَن مَرَّ بكُم؟ قالوا: مَرَّ بنا دِحيةُ الكَلبيُّ، وكان دِحيةُ الكَلبيُّ تُشبِهُ لحيَتُه وسِنُّه ووَجْهُه جِبريلَ عليه السَّلامُ، فأتاهم رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، أي: بَني قُرَيظةَ، فحاصَرَهم خَمسًا وعِشرينَ يَومًا، فلَمَّا اشتَدَّ حِصارُهم واشتَدَّ البَلاءُ عليهم، قيلَ لَهم: انزِلوا على حُكمِ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فاستَشاروا أبا لُبابةَ؛ لأنَّه كان مِن حُلَفائِهم، فأشارَ إليهم: أنَّه الذَّبحُ، أي: أنَّ رَسولَ اللهِ سَيَحكُمُ عليكُم بالقَتلِ إذا نَزَلتُم على حُكمِه.
وقد نَدِمَ أبو لَبابةَ على ذلك.
فقالوا: نَنزِلُ على حُكمِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ؛ لأنَّه حَليفُهم، وظَنُّوا أنَّه سيَحكُمُ فيهم بحُكمٍ يَكونُ فيهم مَصلَحةٌ لَهم، فنَزَلوا على حُكمِ سَعدٍ، فبَعَثَ رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى سَعدٍ؛ لأنَّه كان ما زالَ جَريحًا، فحُمِلَ على حِمارٍ، وعليه إكافٌ، وهو ما يُشَدُّ على ظَهرِ الحِمارِ كالسَّرجِ للفرَسِ، مِن ليفٍ.
وحَفَّ بسَعدٍ قَومُه، أي: الأوسُ، فجَعَلوا يَقولونَ: يا أبا عَمرٍو -وهيَ كُنيةُ سَعدٍ-، حُلَفاؤُك ومواليك وأهلُ النِّكايةِ ومَن عَلِمتَ، أي: فأحسِنْ إليهم في الحُكمِ، وسَعدٌ لا يَرجِعُ إلى قَومِه قَولًا، أي: لا يُصغي إلى ما يَقولونَ له، حَتَّى إذا دَنا مِن ذَراريِّهم، أي: أبنائِهم ونِسائِهم، التَفتَ سَعدٌ إلى قَومِه، فقال: قد آنَ -أي: حانَ- لسَعدٍ ألَّا يُباليَ في اللهِ لَومةَ لائِمٍ، فلما طَلَعَ على رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قوموا إلى سَيِّدِكُم فأنزِلوه، أي: مِن فوقِ الحِمارِ.
قال عُمَرُ: سَيِّدُنا اللَّهُ؛ وذلك لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا جاءَه قَومٌ وقالوا له: أنتَ سَيِّدُنا، قال لَهم: السَّيِّدُ اللَّهُ.
وهذا لَعَلَّه الذي حَمَلَ عُمَرَ على قَولِ: السَّيِّدُ اللَّهُ.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: أنزِلوه.
فأنزَلوه، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لسَعدٍ: احكُمْ فيهم.
فقال سَعدٌ رَضيَ اللهُ عنه: فإنِّي أحكُمُ فيهم أن تُقتَلَ مُقاتِلَتُهم، أي: البالغونَ الذينَ مِن شَأنِهم أن يُقاتِلوا، وتُسبَى ذَراريُّهم، أي: يُؤخَذُ النِّساءُ والصِّبيانُ سَبيًا، فيُجعَلونَ أرِقَّاءَ، ويوزَّعونَ على الغانمين المُسلمينَ.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: لقد حَكَمتَ فيهم بحُكمِ اللهِ ورَسولِه! أي: صادَفتَ الحُكمَ الذي يُريدُه اللهُ ورَسولُه، ثُمَّ دَعا اللَّهَ سَعدٌ، فقال: اللهُمَّ إن كُنتَ أبقَيتَ على نَبيِّك صلَّى الله عليه وسلَّم مِن حَربِ قُرَيشٍ شَيئًا فأبقِني لَها، وإن كُنتَ قَطَعتَ بَينَه وبَينَهم فاقبِضْني إليك، فانفجَرَ كَلمُه، أي: انبَعَثَ ونَزَف جُرحُه، وكان قد بَرَأ مِنه، حَتَّى ما بَقيَ مِنه إلَّا مِثلُ الحِمِّصِ، أي: أنَّه بَرَأ مَن جُرحِه ولَم يَبقَ من جُرحِه إلَّا شَيءٌ قَليلٌ مِثلَ حَبَّةِ الحِمِّصِ، ولَكِنَّه انفجَرَ بَعدَ دُعائِه هذا، قالت عائِشةُ: فرَجَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ورَجَعَ سَعدٌ إلى بَيتِه الذي ضَرَبَ عليه رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فحَضَره رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وأبو بَكرٍ وعُمَرُ، قالت عائِشةُ: فوالذي نَفسي بيَدِه إنِّي لأعرِفُ بُكاءَ أبي بَكرٍ مِن بُكاءِ عُمَرَ وأنا في حُجرَتي، أي: غُرفتي، وهيَ مُلاصِقةٌ للمَسجِدِ، وكانوا أي: الصَّحابةُ كما قال اللهُ: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] .
قال عَلقَمةُ أحَدُ التَّابعينَ: أيْ أُمَّهْ -يُخاطِبُ عائِشةَ رَضيَ اللهُ عنها- فكَيف كان رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَصنَعُ؟ أي: في البُكاءِ، هَل له صَوتٌ؟ قالت عائِشةُ: كان عَيناه لا تَدمَعُ على أحَدٍ، أي: مَعَ صَوتٍ، وإلَّا فقدَ بَكى على ابنِه إبراهيمَ، ولَكِنَّه إذا وجَدَ -أي: حَزِنَ- إنَّما هو آخِذٌ بلحيَتِه.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ خُروجِ النِّساءِ في الجِهادِ.
وفيه شَجاعةُ سَعدِ بنِ مُعاذٍ رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه مَشروعيَّةُ الإنشادِ وقتَ الحَربِ.
وفيه استِجابةُ اللَّهِ لدُعاءِ سَعدٍ.
وفيه بَيانُ عَظيمِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى على المُؤمِنينَ في غَزوةِ الأحزابِ؛ حَيثُ نَصَرَهم وهَزَمَ الأحزابَ.
وفيه مَشروعيَّةُ عَمَلِ خَيمةٍ في المَسجِدِ للمَريضِ.
وفيه أنَّ المَلائِكةَ قاتَلَت مَعَ المُسلمينَ يَومَ الأحزابِ.
وفيه أنَّ لُبسَ أدَواتِ القِتالِ لا يُنافي التَّوكُّلَ؛ فقد لَبسَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأْمَتَه.
وفيه شِدَّةُ ما وقَعَ مِنَ الحِصارِ على بَني قُرَيظةَ.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّحكيمِ.
وفيه بَيانُ ما كان عليه سَعدٌ مِنَ القوةِ في دينِ اللهِ.
وفيه مَشروعيَّةُ إطلاقِ السَّيِّدِ على الخَيِّرِ الفاضِلِ.
وفيه مَشروعيَّةُ إكرامِ أهلِ الفضلِ في مَجلِسِ الإمامِ الأعظَمِ.
وفيه مَشروعيَّةُ قيامِ المرؤوسِ للرَّئيسِ الفاضِلِ والإمامِ العادِلِ والمُتَعَلِّمِ للعالِمِ.
وفيه تَوفيقُ اللهِ لسَعدٍ؛ حَيثُ حَكَمَ في بَني قُرَيظةَ بحُكمِ اللهِ.
وفيه مَشروعيَّةُ البُكاءِ على المَيِّتِ .
مسند إسحاق بن راهويه (3/ 995) 1722 - أخبرنا النضر بن شميل، نا محمد وهو ابن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده، عن عائشة قالت: حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وسعد بن معاذ وهو يموت في المسجد في القبة التي ضربها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: والذي نفسي بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وكانوا كما قال الله عز وجل: {رحماء بينهم} [الفتح: 29] فقلت لها: يا أمه، كيف كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان لا يدمع عينيه على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما كان يأخذ بلحيته
[المعجم الكبير – للطبراني] (6/ 9) 5330 - حدثنا علي بن عبد العزيز، وأبو مسلم الكشي، قالا: ثنا حجاج بن المنهال، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده علقمة، عن عائشة قالت: لما مات سعد بن معاذ، بكى أبو بكر، وبكى عمر رضي الله عنهما، حتى عرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وبكاء عمر من بكاء أبي بكر، فقلت لعائشة: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي؟ قالت: لا، لكنه كان يقبض على لحيته صلى الله عليه وسلم
صحيح ابن حبان (15/ 498) 7028 - أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده، عن عائشة ، قالت: خرجت يوم الخندق أقفو أثر الناس، فسمعت وئيد الأرض من ورائي، فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنه، فجلست إلى الأرض، فمر سعد وعليه درع قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، وكان من أعظم الناس وأطولهم، قالت: فمر وهو يرتجز ويقول:
لبث قليلا يدرك الهيجا حمل ...
ما أحسن الموت إذا حان الأجل
قالت: فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال عمر: ويحك ما جاء بك لعمري والله إنك لجريئة، ما يؤمنك أن يكون تحوز أو بلاء، قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض قد انشقت فدخلت فيها، وفيهم رجل عليه نصيفة له، فرفع الرجل النصيف عن وجهه، فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: ويحك يا عمر، إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين الفرار إلا إلى الله؟، قالت: ورمى سعدا رجل من المشركين يقال له: ابن العرقة، بسهم قال: خذها وأنا ابن العرقة فأصاب أكحله فقطعها، فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة، وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، فبرأ كلمه، وبعث الله الريح على المشركين، فكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا، فلحق أبو سفيان بتهامة، ولحق عيينة ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة، فتحصنوا بصياصيهم، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد ووضع السلاح.
قالت: فأتاه جبريل، فقال: أوقد وضعت السلاح، فوالله ما وضعت الملائكة السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل، ولبس لأمته، فخرج فمر على بني غنم وكانوا جيران المسجد، فقال: من مر بكم؟ قالوا: مر بنا دحية الكلبي، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم خمسا وعشرين يوما، فلما اشتد حصرهم، واشتد البلاء عليهم قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشاروا أبا لبابة، فأشار إليهم أنه الذبح، فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فنزلوا على حكم سعد، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد، فحمل على حمار وعليه إكاف من ليف وحف به قومه، فجعلوا يقولون: يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت، فلا يرجع إليهم قولا، حتى إذا دنا من ذراريهم التفت إلى قومه، فقال: قد آن لسعد أن لا يبالي في الله لومة لائم، فلما طلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه، قال عمر: سيدنا الله، قال: أنزلوه، فأنزلوه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: احكم فيهم، قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله ورسوله ثم دعا الله سعد، فقال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك صلى الله عليه وسلم من حرب قريش شيئا، فأبقني لها، وإن كنت قطعت بينه وبينهم، فاقبضني إليك، فانفجر كلمه، وكان قد برأ منه حتى ما بقي منه إلا مثل الحمص، قالت: فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع سعد إلى بيته الذي ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفسي بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي، وكانوا كما، قال الله: {رحماء بينهم} [الفتح: 29]، قال علقمة: فقلت أي أمه، فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟ قالت: كان عيناه لا تدمع على أحد، ولكنه إذا وجد إنما هو آخذ بلحيته