أَقبَلْنا معَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ حتَّى إذا كنَّا بالكَديدِ -أو قالَ: بقُدَيدٍ- فجَعَلَ رِجالٌ مِنَّا يَسْتَأذِنونَ إلى أهْليهم، فيَأذَنُ لهم، فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، فحَمِدَ اللهَ وأَثْنى عليه، ثُمَّ قالَ: «ما بالُ رِجالٍ يكونُ شِقُّ الشَّجَرةِ الَّتي تَلي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ أَبغَضَ إليهم مِن الشِّقِّ الآخَرِ؟»، فلم نَرَ عنْدَ ذلك مِن القَوْمِ إلَّا باكِيًا، فقالَ رَجُلٌ: إنَّ الَّذي يَسْتأذِنُك بَعْدَ هذا لَسَفيهٌ، فحَمِدَ اللهَ، وقالَ حينَئذٍ: «أَشهَدُ عنْدَ اللهِ لا يَموتُ عَبْدٌ يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنِّي رَسولُ اللهِ صِدْقًا مِن قَلْبِه ثُمَّ يُسَدِّدُ إلَّا سُلِكَ في الجَنَّةِ»، قالَ: «وقد وَعَدَني رَبِّي عَزَّ وجَلَّ أن يُدخِلَ مِن أُمَّتي سَبْعينَ ألْفًا لا حِسابَ عليهم ولا عَذابَ، وإنِّي لَأَرْجو ألَّا يَدخُلوها حتَّى تَبوؤوا أنتم ومَن صَلَحَ مِن آبائِكم وأزْواجِكم وذُرِّيَّاتِكم مَساكِنَ في الجَنَّةِ»، وقالَ: «إذا مَضى نِصْفُ اللَّيْلِ -أو قالَ: ثُلُثا اللَّيْلِ- يَنزِلُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فيَقولُ: لا أَسأَلُ عن عِبادي أحَدًا غَيْري، مَن ذا يَسْتغفِرُني فأَغفِرَ له؟ من الَّذي يَدْعوني أَستجيبُ له؟ مَن ذا الَّذي يَسأَلُني أُعْطيه، حتَّى يَنْفجِرَ الصُّبْحُ».

الدلالات الموضوعية:# آداب الدعاء - أوقات الإجابة# استغفار - مغفرة الله تعالى للذنوب العظام وسعة رحمته# مناقب وفضائل - أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم# إسلام - فضل الشهادتين# استغفار - أوقات الاستغفار
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: رفاعة بن عرابة
المحدث: الوادعي
الحكم:صحيح، رجاله رجال الصحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (16260) واللفظ له، والطبراني (5/51) (4558) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

صدَرْنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن مكَّةَ فجعَل ناسٌ يستأذِنون رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجعَل يأذَنُ لهم فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( ما بالُ شِقِّ الشَّجرةِ الَّتي تلي رسولَ اللهِ أبغضَ إليكم مِن الشِّقِّ الآخَرِ ؟ ) قال: فلم نرَ مِن القومِ إلَّا باكيًا قال يقولُ أبو بكرٍ: إنَّ الَّذي يستأذِنُك بعدَ هذا لسفيهٌ - في نفسي - فقام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فحمِد اللهَ وأثنى عليه - وكان إذا حلف قال: والَّذي نفسي بيدِه: ( أشهَدُ عند اللهِ ما منكم مِن أحدٍ يؤمنُ باللهِ ثمَّ يُسدِّدُ إلَّا سُلِك به في الجنَّةِ ولقد وعَدني ربِّي أنْ يُدخِلَ مِن أمَّتي الجنَّةَ سبعينَ ألفًا بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ وإنِّي لأرجو ألَّا يدخُلوها حتَّى تتبوَّؤوا أنتم ومَن صلَح مِن أزواجِكم وذَرارِيُّكم مساكنَ في الجنَّةِ ) ثمَّ قال: ( إذا مضى شَطرُ اللَّيلِ أو ثُلثاه ينزِلُ اللهُ تبارَك وتعالى إلى السَّماءِ الدُّنيا فيقولُ: لا أسأَلُ عن عبادي غيري مَن ذا الَّذي يسأَلُني فأُعطيَه مَن ذا الَّذي يستغفرني فأغفِرَ له مَن ذا الَّذي يدعوني فأستجيب له حتَّى ينفجرَ الصُّبحُ ) الراوي : رفاعة بن عرابة الجهني المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج صحيح ابن حبان الصفحة أو الرقم: 212 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح على شرط البخاري التخريج : أخرجه ابن حبان (212)، وابن خزيمة (37) واللفظ لهما، وأحمد (212) بنحوه، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (5/ 50) (4557)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (400) مختصرا.

فضَّلَ اللَّهُ تعالى أمَّةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجَعَلَها خَيرَ الأمَمِ؛ وذلك لفَضلِ نَبيِّها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] ، وأفضَلُ هذه الأمَّةِ هم جيلُ الصَّحابةِ، شَهِدَ لهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالخَيريَّةِ، ومِن فَضلِ اللهِ تعالى على هذه الأمَّةِ أنَّه يُدخِلُ أقوامًا الجَنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ ولا عَذابٍ، وفي هذا الحَديثِ يَحكي رِفاعةُ بنُ عَرَابةَ الجُهَنيُّ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: صَدَرنا مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن مَكَّةَ.

والصَّدَرُ: هو رُجوعُ المُسافِرِ مِن مَقصِدِه، أي: أنَّهم رَجَعوا مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ، ولَعَلَّ ذلك كان في غَزوةِ فتحِ مَكَّةَ، فجَعَلَ ناسٌ يَستَأذِنونَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: يَطلُبونَ مِنه السَّماحَ لهم في الِانصِرافِ والذَّهابِ إلى أهليهم، كما جاءَ ذلك مُبَيَّنًا في الرِّوايةِ الأخرى، فجَعَلَ رَسولُ اللهِ يَأذَنُ لهم، ثُمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما بالُ شِقِّ -أي: جانِبِ- الشَّجَرةِ التي تَلي رَسولَ اللهِ أبغَضُ إليكُم مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ؟! أي: ما شَأنُكُم تَنصَرِفونَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم إلى الجِهةِ الأخرى؟! يَقولُ رِفاعةُ: فلَم نَرَ مِنَ القَومِ إلَّا باكيًا، أي: أنَّهم نَدِموا على ما فعَلوا وتَأثَّروا مِن كَونِهم تَرَكوا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم.

حتَّى قال أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ الذي يَستَأذِنُك بَعدَ هذا لسَفيهٌ - والسَّفَهُ: هو الخِفَّةُ والطَّيشُ- في نَفسي! أي: هو سَفيهٌ عِندي وأعُدُّه مِنَ السُّفهاءِ.

فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: قامَ في أصحابِه خَطيبًا، فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه، أي: أثنى عليه بما هو أهلٌ له سُبحانَه مِنَ الثَّناءِ والحَمدِ والمَجدِ.

وكان إذا حَلَف قال: والذي نَفسي بيَدِه، أي: كان عادةُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في يَمينِه أن يَقولَ: والذي نَفسي بيَدِه.

ثُمَّ قال: أشهَدُ عِندَ اللهِ ما مِنكُم مِن أحَدٍ يُؤمِنُ باللهِ ثُمَّ يُسَدِّدُ.

السَّدادُ: هو القَصدُ في الأمرِ والعَدلُ فيه، أي: يَقتَصِدُ فلا يَغلو ولا يُسرِفُ، أو يَستَقيمُ على الإيمانِ ويَأتي بالأعمالِ الصَّالِحةِ ويُداوِمُ على ذلك، إلَّا سُلِك به، أي: دُخِلَ به، في الجَنَّةِ، أي: أوصَلَه ذلك السَّدادُ إلى الجَنَّةِ.

ولَقد وعَدَني رَبِّي أن يُدخِلَ مِن أمَّتي الجَنَّةَ سَبعينَ ألفًا بغَيرِ حِسابٍ ولا عَذابٍ، وإنِّي لأرجو ألَّا يَدخُلوها، أي: السَّابِقونَ الذينَ لا حِسابَ عليهم- قَبلَ بَقيَّةِ الأمَّةِ، ويُحتَمَلُ: لا يَدخُلُها مُؤمِنو سائِرِ الأمَمِ، حتَّى تتبَوَّؤوا، أي: تَتَّخِذوا وتَختاروا، أنتُم، أي: الصَّحابةُ، والمَعنى: حتَّى تَأخُذوا أنتُم مَقاعِدَكُم ومَساكِنَكُم، ومَن صَلَحَ مِن أزواجِكُم وذَراريِّكُم، أي: نَسلِكُم، مَساكِنَ في الجَنَّةِ.

ثُمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إذا مَضى شَطرُ اللَّيلِ، أي: ذَهَب نِصفُ اللَّيلِ، أو ثُلثاه، أي: ثُلثا اللَّيلِ، يَنزِلُ اللهُ تَبارَكَ وتعالى إلى السَّماءِ الدُّنيا.

وهذا النُّزولُ نُزولٌ يَليقُ بجَلالِه لا يَعلَمُ كَيفيَّتَه إلَّا اللهُ، فيَقولُ سُبحانَه: لا أسألُ عن عِبادي غَيري، أي: لا أرسِلُ إليهم أحَدًا حتَّى أسألَه عنهم، بَل أنا الذي أذهَبُ إليهم فأنظُرُ في حالِهم: مَن ذا الذي يَسألُني فأعطيَه؟ أي: هَل عِندَ أحَدٍ مَسألةٌ أو حاجةٌ يُريدُها فأعطيَه إيَّاها؟ مَن ذا الذي يَستَغفِرُني، أي: مَنِ الذي يَطلُبُ ويَسألُ أن أغفِرَ له الذُّنوبَ، فأغفِرَ له؟ أي: فإنِّي سَوف أغفِرُ له.

مَن ذا الذي يَدعوني فأستَجيبَ له؟ أي: هَل مِن داعٍ يَدعو فإنِّي أجيبُ الدُّعاءَ.

حتَّى يَنفجِرَ، أي: يَطلُعَ الصُّبحُ، أي: يَستَمِرُّ هذا الأمرُ مِنه سُبحانَه وتعالى حتَّى يَطلُعَ الفَجرُ.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ خُطبةِ النَّاسِ وتَذكيرِهم.

وفيه مَشروعيَّةُ بَدءِ الخُطبةِ بالحَمدِ والثَّناءِ على اللهِ.

وفيه بَيانُ أنَّ أكثَرَ حَلِفِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم كان بقَولِ: والذي نَفسي بيَدِه.

وفيه فَضلُ الإيمانِ باللهِ.

وفيه أنَّ لُزومَ السَّدادِ يُوصِلُ إلى الجَنَّةِ.

وفيه فَضلُ هذه الأمَّةِ.

وفيه فَضلُ الصَّحابةِ.

وفيه إثباتُ صِفةِ النُّزولِ للهِ تعالى.

وفيه إثباتُ صِفةِ الكَلامِ للهِ تعالى.

وفيه فَضلُ الدُّعاءِ في آخِرِ اللَّيلِ وأنَّه مُستَجابٌ.

وفيه بَيانُ فَضلِ اللَّهِ تعالى على عِبادِه .

الأصول والأحكام

[مسند أحمد - قرطبة]] (4/ 16) 16260-حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن رفاعة الجهني ، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالكديد- أو قال: بقديد- فجعل رجال منا يستأذنون إلى أهليهم فيأذن لهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (( ما بال رجال يكون شق الشجرة التي تلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبغض إليهم من الشق الآخر))، فلم نر عند ذلك من القوم إلا باكيا، فقال رجل: إن الذي يستأذنك بعد هذا لسفيه.

فحمد الله، وقال حينئذ: (( أشهد عند الله لا يموت عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله صدقا من قلبه، ثم يسدد إلا سلك في الجنة))، قال: (( وقد وعدني ربي عز وجل أن يدخل من أمتي سبعين ألفا لا حساب عليهم، ولا عذاب، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوءوا أنتم ومن صلح من آبائكم وأزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة))، وقال: (( إذا مضى نصف الليل- أو قال: ثلثا الليل- ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا، فيقول: لا أسأل عن عبادي أحدا غيري، من ذا يستغفرني فأغفر له، من الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، حتى ينفجر الصبح))

[ [المعجم الكبير – للطبراني] (5/ 51) 4558- حدثنا محمد بن معاذ الحلبي، ثنا عبد الله بن رجاء، أنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني هلال بن أبي ميمونة، أن عطاء بن يسار، حدثه أن رفاعة الجهني ، حدثه قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالكديد، جعلوا يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهاليهم، فيأذن لهم.

فقال: ((ما بال شق الشجرة التي تلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبغض إليكم من الشق الآخر؟)) فلم ير بعد ذلك من القوم إلا باك، فقال رجل من القوم: يا رسول الله إن الذي يستأذنك بعد هذا لسفيه، فحمد الله وأثنى خيرا ثم قال: ((أشهد عند الله لا يموت عبد شهد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه، ثم يسدد إلا سلك به في الجنة، ولقد وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، وإني لأرجو أن لا تدخلوا حتى تتبوءوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذراريكم مساكن في الجنة))

أحاديث ذات صلة