لما خرجتِ الحروريَّةُ اعتَزَلوا في دارٍ ، فقُلتُ لعليٍّ : أَبْرِدْ بالصَّلاةِ لعلِّي أُكلِّمُ هؤلاءِ القومَ ، فأتاهُم فقال : ما نَقِمتُم على ابنِ عمِّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ومعهُ أصحابُه ، قالوا ثلاثًا الحديثَ
أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (8575)، والطبراني (10/313) (10598)، والحاكم (2656) مطولاً باختلاف يسير
إنه لما اعتزلت الخوارج دخلوا رأيا وهم ستة ألف وأجمعوا على أن يخرجوا على علي بن أبي طالب وأصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معه .
قال : وكان لا يزال يجيء إنسان فيقول : يا أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك –يعني عليا - فيقول : دعوهم فإني لا أقاتلهم حتَّى يقاتلوني وسوف يفعلون .
فلما كان ذات يوم أتيته قبل صلاة الظهر فقلت له : يا أمير المؤمنين أبردنا بصلاة لعلي أدخل على هؤلاء القوم فأكلمهم .
فقال : إني أخافهم عليك فقلت : كلا وكنت رجلا حسن الخلق لا أوذي أحدا ، فأذن لي ، فلبست حلة من أحسن ما يكون من اليمن ، وترجلت ودخلت عليهم نصف النهار ، فدخلت على قوم لم أر قوما قط أشد منهم اجتهادا ، جباههم قرحت من السجود ، وأيديهم كأنها بقر الإبل وعليهم قمص مرحضة مشمرين ، مسهمة وجوههم من السهر ، فسلمت عليهم فقالوا : مرحبا يا ابن عباس .
ما جاء بك ؟ قال قلت : أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار ومن عند صهر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم علي وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله .
فقالت طائفة منهم : لا تخاصموا قريشا فإن الله تعالى قال : { بل هم قوم خصمون } [ الزخرف : 58 ] .
فقال اثنان أو ثلاثة : لو كلمتهم فقلت لهم ترى ما نقمتهم على صهر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمهاجرين والأنصار وعليهم نزل القرآن ، وليس فيكم منهم أحد وهم أعلم بتأويله منكم قالوا ثلاثا .
قلت : ماذا ؟ قالوا : أما إحداهن فإنه حكم الرجال في أمر الله عزَّ وجلَّ وقد قال الله عزَّ وجلَّ : { إن الحكم إلا لله } فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله عزَّ وجلَّ ؟ فقلت : هذه واحدة .
وماذا ؟ قالوا : وأما الثانية فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم فلئن كانوا مؤمنين ما حل لنا قتالهم وسباهم .
وماذا الثالثة ؟ قالوا : إنه محا نفسه من أمير المؤمنين .
إن لم يكن أمير المؤمنين فإنه لأمير الكافرين قلت : هل عندكم غير هذا ؟ قالوا : كفانا هذا .
قلت لهم : أما قولكم حكم الرجال في أمر الله عزَّ وجلَّ أنا أقرأ عليكم في كتاب الله عزَّ وجلَّ ما ينقض قولكم أفترجعون ؟ قالوا : نعم .
قلت : فإن الله عزَّ وجلَّ قد صير من حكمه إلى الرجال في ربع درهم ثمن أرنب ، وتلا هذه الآية { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } [ المائدة : 95 ] إلى آخر الآية وفي المرأة وزوجها { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها } [ النساء : 35 ] إلى آخر الآية .
فنشدتكم بالله هل تعلمون حكم الرجال في إصلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل أم حكمه في أرنب وبضع امرأة ؟ فأيهما ترون أفضل ؟ قالوا : بل هذه .
قال : خرجت من هذه .
قالوا : نعم .
قلت : وأما قولكم : قاتل ولم يسب ولم يغنم فتسبون أمكم عائشة ؟ والله لئن قلتم : ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام ، ووالله لئن قلتم نستحل منها ما نستحل من غيرها لقد خرجتم من الإسلام ، فأنتم بين الضلالتين .
إن الله عزَّ وجلَّ قال : { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب : 6 ] فإن قلتم ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام .
أخرجت من هذه ؟ قالوا : نعم .
وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون يوم الحديبية كاتب المشركين أبا سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو فقال : يا علي ، اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال المشركون : والله لو نعلم أنك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما قاتلناك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : اللهم إنك تعلم أني رسولك .
امح يا علي .
اكتب هذا ما كتب عليه محمد بن عبد الله فوالله لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خير من علي ، فقد محا نفسه .
قال : فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فقتلوا الراوي : عبدالله بن عباس المحدث : الوادعي المصدر : صحيح دلائل النبوة الصفحة أو الرقم: 612 خلاصة حكم المحدث : سنده حسن التخريج : أخرجه الفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (1/ 522) واللفظ له.
مِنَ الفِرَقِ الضَّالَّةِ التي أخبَرَ عَنها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذَكَرَ بَعضَ صِفاتِهم، وحَذَّرَ مِنهم: فِرقةُ الخَوارِجِ، الذينَ يُكَفِّرونَ أهلَ الإسلامِ بالمَعاصي ويَستَحِلُّونَ دِماءَهم، ويَخرُجونَ على أئِمَّةِ المُسلِمينَ ويُقاتِلونَهم، وقد خَرَجوا في عَهدِ الخَليفةِ الرَّاشِدِ عَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه، وقاتَلَهم عليٌّ رَضيَ اللهُ عنه.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، فيَقولُ: لمَّا اعتَزَلتِ الخَوارِجُ، أي: اعتَزَلوا عن جَماعةِ المُسلمينَ الذينَ كانوا مَعَ عليٍّ، وكانوا أوَّلًا مَعَهم، وفارَقوه، دَخَلوا رَأيًا، أي: تَجمَّعوا في هذا المَكانِ، وفي رِوايةٍ: اجتَمَعوا في دارٍ، وكان عَدَدُهم سِتَّةَ آلافِ شَخصٍ، وأجمَعوا على أن يَخرُجوا على عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وأصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعَه، أي: أرادوا قِتالَ عليٍّ والصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم.
يَقولُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: وكان لا يَزالُ يَجيءُ إنسانٌ فيَقولُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنَّ القَومَ خارِجونَ عليك، أي: كان النَّاسُ يَأتونَ إلى عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، وكان هو الأميرَ، فيَقولونَ له: إنَّ هؤلاء القَومَ سَوف يَأتونَ ويُقاتِلونَك، فيَقولُ عليٌّ: دَعُوهم؛ فإنِّي لا أُقاتِلُهم حتَّى يُقاتِلوني، أي: إنِّي لن أبدَأَهم بالقِتالِ حتَّى يَكونوا همُ الذينَ يبدؤون.
وسَوف يَفعَلونَ، أي: سَوف يبدؤون هم بالقِتالِ.
يَقولُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: فلمَّا كان ذاتَ يَومٍ، أي: في أحَدِ الأيَّامِ ذَهَبتُ إلى عليٍّ قَبلَ صَلاةِ الظُّهرِ، فقُلتُ له: يا أميرَ المُؤمِنينَ، أبرِدْنا بصَلاةٍ، أي: أخِّرِ الصَّلاةَ قَليلًا حتَّى يَبرُدَ حَرُّ الشَّمسِ، وصَلاةُ الظُّهرِ يُشرَعُ فيها الإبرادُ؛ لعَلِّي أدخُلُ على هؤلاء القَومِ فأُكَلِّمُهم، أي: لو أخَّرتَ الصَّلاةَ قَليلًا حتَّى لا تَفوتَني إذا ذَهَبتُ إلى هؤلاء القَومِ، يَعني الخَوارِجَ، وتَحَدَّثتُ مَعَهم وحاوَرتُهم ونَظَرتُ ماذا عِندَهم؛ لعَلَّهم يَرجِعونَ عَمَّا هم فيه.
فقال عليٌّ: إنِّي أخافُهم عليك، أي: أخافُ عليك يا بنَ عبَّاسٍ مِنَ الخَوارِجِ أن يُؤذوك أو يَقتُلوك.
فقال ابنُ عبَّاسٍ: كَلَّا، أي: لا تَخَفْ مِن ذلك.
يَقولُ ابنُ عبَّاسٍ: وكُنتُ رَجُلًا حَسَنَ الخُلُقِ لا أوذي أحَدًا، أي: بَيَّن بهذا الكَلامِ أنَّ الخَوارِجَ لن يُؤذوه؛ لأنَّه رَضِيَ اللهُ عنه كان مِن أحسَنِ النَّاسِ خُلُقًا مَعَ النَّاسِ ولا يُؤذي أحَدًا.
فأذِنَ لي، أي: أذِنَ عليٌّ لابنِ عبَّاسٍ أن يَذهَبَ إلى الخَوارِجِ ويَتَحَدَّثَ مَعَهم.
يَقولُ ابنُ عبَّاسٍ: فلَبِستُ حُلَّةً، وهو الثَّوبُ الذي يَشتَمِلُ على رِداءٍ وإزارٍ.
مِن أحسَنِ ما يَكونُ مِنَ اليَمَنِ، أي: حُلَّةٌ جَميلةٌ مِن أحسَنِ الحُلَلِ التي تَأتي مِن بلادِ اليَمَنِ، وتَرَجَّلتُ، أي: مَشَّطتُ شَعري، ودَخَلتُ عليهم، أي: الخَوارِجِ، نِصفَ النَّهارِ، أي: في وقتِ نِصفِ النَّهارِ وقتَ الظُّهرِ، فدَخَلتُ على قَومٍ لم أرَ قَومًا قَطُّ أشَدَّ مِنهمُ اجتِهادًا، أي: أنَّهم كانوا مِن أشَدِّ النَّاسِ اجتِهادًا في العِبادةِ، كَما جاءَ في الحَديثِ: تَحقِرونَ صَلاتَكُم إلى صَلاتِهم، وصيامَكُم إلى صيامِهم، جِباهُهم قرِحَت مِنَ السُّجودِ، أي: تَشَقَّقَت وطَلعَ بها الجُروحُ مِن كَثرةِ السُّجودِ، وأيديهم كَأنَّها بقرُ الإبِلِ.
وفي رِوايةٍ: ثَفِنُ الإبِلِ، أي: أصبَحَت أيديهم مِثلَ رُكَبِ الإبِلِ غَليظةً، وعليهم قُمُصٌ مُرحَّضةٌ، أي: لابسينَ ثيابًا مَغسولةً، مُشَمِّرينَ، أي: رافِعينَ ثيابَهم، مُسَهَّمةٌ وُجوهُهم، أي: مُتَغَيِّرةٌ ألوانُها مِنَ السَّهَرِ، أي: مِن شِدَّةِ قيامِهمُ اللَّيلَ وسَهَرِهم.
يَقولُ ابنُ عبَّاسٍ: فسَلَّمتُ عليهم، أي: قال لهمُ: السَّلامُ عليكُم.
فقالوا له: مَرحَبًا يا ابنَ عبَّاسٍ، أي: حَلَلتَ على الرُّحبِ والسَّعةِ يا بنَ عبَّاسٍ، ما جاءَ بك؟ أي: فماذا تُريدُ مِنَّا؟ فقال ابنُ عبَّاسٍ: أتَيتُكُم مِن عِندِ المُهاجِرينَ والأنصارِ ومِن عِندِ صِهرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليٍّ، أي: زَوجِ ابنَتِه، وعليهم نَزَل القُرآنُ، وهم أعلمُ بتَأويلِه، أي: أخبَرَهم أنَّه جاءَ مِن عِندِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم ومِن عِندِ عَليٍّ، ومُرادُه بذلك أن يُبَيِّنَ لهم أنَّ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم هم أدرى النَّاسِ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبما نَزَل مِنَ القُرآنِ، ومِن أعلمِ النَّاسِ بتَفسيرِ كِتابِ اللهِ، وبَيان أنَّ ما عليه الصَّحابةُ هو الحَقُّ.
فقالت طائِفةٌ مِنَ الخَوارِجِ عِندَما سَمِعوا كَلامَ ابنِ عبَّاسٍ: لا تُخاصِموا قُرَيشًا، أي: لا تُجادِلوا أحَدًا مِن قُرَيشٍ، ومِنهمُ ابنُ عبَّاسٍ؛ فهو مِن قُرَيش؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى قال: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] ، أي: كَثيرو الخُصومةِ، والمَعنى: أنَّ قُرَيشًا أصحابُ خُصومةٍ وجِدالٍ.
فقال اثنانِ أو ثَلاثةٌ مِنَ الخَوارِجِ: لو كَلَّمتُهم، أي: قالوا لابنِ عبَّاسٍ: هَلَّا تَحَدَّثتَ مَعَهم، وفي رِوايةٍ أنَّهم قالوا: لنُكَلِّمَنَّه.
فقال لهمُ ابنُ عبَّاسٍ: تَرى ما نَقَمتُم على صِهرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُهاجِرينَ والأنصارِ وعليهم نَزَل القُرآنُ، وليسَ فيكُم مِنهم أحَدٌ، وهم أعلمُ بتَأويلِه مِنكُم، أي: أخبِروني ماذا تَنقِمونَ على عليٍّ، وماذا أخَذتُم عليه مِنَ المَآخِذِ حتَّى فارَقتُموه واعتَزَلتُم، وأنتُم تَعلمونَ أنَّه صِهرُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والصَّحابةُ مِنَ المُهاجِرينَ والأنصارِ مَعَه، وهم مِن أعلمِ النَّاسِ بكِتابِ اللهِ وبتَفسيرِه، ولا يوجَدُ بَينَكُم أحَدٌ مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يَكونَ لكُم حُجَّةٌ ومُستَنَدٌ تَستَنِدونَ عليه، ومُرادُه أن يُبَيِّنَ لهم أنَّهم فارَقوا جَماعةَ المُسلمينَ عن غَيرِ عِلمٍ ومَعرِفةٍ بكِتابِ اللهِ، وغَيرِ هُدًى.
فقال الخَوارِجُ لابنِ عبَّاسٍ: ثَلاثًا، أي: نَنقِمُ ونَأخُذُ عليه ثَلاثَ مَآخِذَ فَعَلها، وبذلك لم يُصبِحْ أميرًا لنا، وخَرَجنا بذلك عليه.
فقال لهمُ ابنُ عبَّاسٍ: ماذا؟ أي: فأخبِروني ما هذه الثَّلاثُ.
فقالوا: أمَّا إحداهنَّ فإنَّه حَكَّمَ الرِّجالَ في أمرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
ومَقصودُهم بذلك أنَّ عليًّا رَضِيَ اللهُ عنه قَبِلَ التَّحكيمَ بَينَه وبَينَ مُعاويةَ، وذلك بأن بَعَثَ عليٌّ رَجُلًا مِن عِندِه وبَعَثَ مُعاويةُ رَجُلًا مِن عِندِه حتَّى يَتَّفِقا ويُبرِما أمرَ الصُّلحِ بَينَ جَيشِ عليٍّ وجَيشِ مُعاويةَ.
فلمَّا رَأى الخَوارِجُ هذا الأمرَ مِن عليٍّ قالوا: إنَّه حَكَّم الرِّجالَ، والأصلُ أن يَكونَ الحُكمُ للَّهِ، فقد قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57] فما شَأنُ الرِّجالِ والحُكمِ بَعدَ قَولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ؟ أي: كَيف يَكونُ للرِّجالِ حُكمٌ بَعدَ حُكمِ اللهِ؟ فقال ابنُ عبَّاسٍ: هذه واحِدةٌ، أي: هذا الأمرُ الأوَّلُ مِمَّا نَقَمتُموه على عليٍّ.
وماذا؟ أي: ما الأمرُ الثَّاني.
فقالوا: وأمَّا الثَّانيةُ، أي: الأمرُ الثَّاني الذي أخَذناه على عليٍّ، فإنَّه قاتَلَ -أي: قاتَلَ مُعاويةَ وأصحابَه- فلم يَسْبِ، أي: لم يَأسِرِ النِّساءَ ويَجعَلْهنَّ إماءً وجِواريَ، ولم يَغنَمْ، أي: لم يَأخُذْ أموالَ مَن قاتَلهم، فلئِن كانوا مُؤمِنينَ ما حَلَّ لنا قِتالُهم وسَبيُهم، أي: فإذا كان مَن قاتَلَهم عليٌّ مِنَ المُؤمِنينَ فلا يَجوزُ لنا قِتالُهم أصلًا ولا سَبيُ نِسائِهم، فلماذا قاتَلَهم.
ومَقصودُهم بذلك أنَّ مَن قاتَلهم عليٌّ كانوا كُفَّارًا؛ فلذلك حَلَّ قِتالُهم وأخذُ أموالِهم وسَبيُ نِسائِهم، وعليٌّ لم يَفعَلْ شَيئًا مِن ذلك.
فقال ابنُ عبَّاسٍ: وماذا الثَّالثةُ؟ أي: وما الأمرُ الثَّالثُ الذي أخَذتُموه على عليٍّ.
فقالوا: إنَّه مَحا نَفسَه مِن أميرِ المُؤمِنينَ، أي: أزال اسمَه مِن أن يُقالَ له أميرُ المُؤمِنينَ، إن لم يَكُنْ أميرَ المُؤمِنينَ فإنَّه لأميرُ الكافِرينَ، أي: فإذا لم يَكُنْ هو أميرَ المُؤمِنينَ فلم يَبقَ إلَّا أن يَكونَ أميرَ الكافِرينَ، وليسَ هناكَ أمرٌ ثالثٌ.
فقال ابنُ عبَّاسٍ للخَوارِجِ: هَل عِندَكُم غَيرُ هذا؟ أي: هَل يوجَدُ أمرٌ غَيرُ هذه الأُمورِ الثَّلاثةِ التي ذَكَرتُموها، ويُريدُ بذلك أن يَستَفرِغَ جَميعَ ما عِندَهم مِنَ الشُّبُهاتِ كامِلةً حتَّى يَرُدَّ عليها ولا يَبقى عِندَهم أيُّ شُبهةٍ أو عُذرٍ بَعدَ ذلك.
فقالوا: كَفانا هذا، أي: نَكتَفي بهذه الأُمورِ؛ فهيَ كافيةٌ بالخُروجِ عليه وقِتالِه.
ثُمَّ شَرَعَ ابنُ عبَّاسٍ بالإجابةِ على هذه الشُّبُهاتِ، فقال لهم: أمَّا قَولُكُم: حَكَّمَ الرِّجالَ في أمرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، أنا أقرَأُ عليكُم في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ما يَنقُضُ قَولَكُم، أفترجِعونَ؟ أي: أرَأيتُم لو أتَيتُ لكُم مِن كِتابِ اللهِ ما يَرُدُّ قَولَكُم: إنَّه حَكَّم الرِّجالَ، فهَل تَرجِعونَ عن ذلك؟ فقالوا: نَعَم.
فقال ابنُ عبَّاسٍ: فإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قد صَيَّرَ مَن حَكَّمَه إلى الرِّجالِ في رُبعِ دِرهَمٍ ثَمَنِ أرنَبٍ، أي: أنَّ اللَّهَ تعالى قد جَعَل الرِّجالَ يَحكُمونَ في رُبعِ الدِّرهَمِ، وهو قِيمةُ أرنَبٍ، وتَلا عليهمُ ابنُ عبَّاسٍ قَولَه تعالى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] إلى آخِرِ الآيةِ، وهيَ: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] ، فجَعَل سُبحانَه الحُكمَ فيمَن قَتَل صَيدَ الحَرَمِ إلى الرِّجالِ يَحكُمونَ في قيمَتِه.
وفي المَرأةِ وزَوجِها، أي: حَكَّمَ سُبحانَه الرِّجالَ في شِقاقِ المَرأةِ مَعَ زَوجِها، فقال سُبحانَه: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35] إلى آخِرِ الآيةِ.
ثُمَّ قال لهمُ ابنُ عبَّاسٍ: فنَشَدتُكُم باللهِ، أي: أستَحلِفُكُم وأسألُكُم باللهِ هَل حُكمُ الرِّجالِ في إصلاحِ ذاتِ بَينِهم وحَقنِ دِمائِهم أفضَلُ أم حُكمُه في أرنَبٍ وبُضعِ امرَأةٍ؟ أي: أيُّهما أفضَلُ وخَيرٌ: تَحكيمُ الرِّجالِ في إصلاحِ ذاتِ بَينِهم وحَقنِ الدِّماءِ -ومُرادُه بذلك الإصلاحُ بَينَ عليٍّ وأصحابِه ومُعاويةَ وأصحابِه- أم تَحكيمُ الرِّجالِ في قيمةِ أرنَبٍ صادَه مُحرِمٌ، أو تَحكيمُ الرِّجالِ في بُضعِ امرَأةٍ، أي: فَرجِ امرَأةٍ عِندَ اختِلافِها مَعَ زَوجِها.
فأيَّهما تَرَونَ أفضَلَ؟ فقالوا: بَل هذه، أي: تَحكيمُ الرِّجالِ في إصلاحِ ذاتِ بَينِهم وحَقنِ الدِّماءِ.
فقال لهمُ ابنُ عبَّاسٍ: خَرَجتُ مِن هذه، أي: هَل أجَبتُكُم على أمرِكُمُ الأوَّلِ وانتَهَيتُ مِنه؟ فقالوا له: نَعَم.
ثُمَّ قال لهمُ ابنُ عبَّاسٍ: وأمَّا قَولُكُم: قاتَلَ ولم يَسبِ ولم يَغنَمْ، فتَسْبُونَ أُمَّكُم عائِشةَ؟ وذلك أنَّ عائِشةَ كانت مَعَ أصحابِ مُعاويةَ، فهَل إذا قاتَلَهم هَل تَرَونَ أن يَسبيَ عائِشةَ وهيَ أُمُّ المُؤمِنينَ، واللَّهِ لئِن قُلتُم: ليسَت بأُمِّنا، لقد خَرَجتُم مِنَ الإسلامِ، أي: إذا زَعَمتُم أنَّ عائِشةَ ليسَت أمًّا للمُؤمِنينَ فأنتُم كُفَّارٌ؛ لأنَّ اللَّهَ نَصَّ على أنَّ أزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّهاتُ المُؤمِنينَ، فقال تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] .
وواللهِ لئِن قُلتُم: نَستَحِلُّ مِنها ما نَستَحِلُّ مِن غَيرِها، لقد خَرَجتُم مِنَ الإسلامِ، أي: إن قُلتُم: نَستَحِلُّ مِن عائِشةَ مِثلَ ما نَستَحِلُّ مِن سائِرِ النِّساءِ فنَسبيها وتَكونُ أمَةً عِندَ أحَدِنا، فأنتُم بذلك خارِجونَ عنِ الإسلامِ.
فأنتُم بَينَ الضَّلالتينِ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قال: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] ، فإن قُلتُم: ليسَت بأُمِّنا، لقد خَرَجتُم مِنَ الإسلامِ.
أخرَجتُ مِن هذه؟ أي: هَل أجَبتُكُم على أمرِكُمُ الثَّاني وانتَهَيتُ مِنه؟ قالوا: نَعَم.
ثُمَّ قال لهمُ ابنُ عبَّاسٍ: وأمَّا قَولُكُم: محا نَفسَه مِن أميرِ المُؤمِنينَ، فأنا آتيكُم بمَن تَرضَونَ، أي: سَوف أُخبرُكُم بشَخصٍ تَرضَونَه، محا اسمَ نَفسِه وهو على الحَقِّ يَومَ الحُدَيبيَةِ، أي: في وقَعةِ صُلحِ الحُدَيبيَةِ الذي كان بَينَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبَينَ مُشرِكي قُرَيشٍ، كاتَبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المُشرِكينَ أبا سُفيانَ بنَ حَربٍ وسُهَيلَ بنَ عَمرٍو، أي: وقَعَ الصُّلحُ بَينَه وبَينَ قُرَيشٍ، وكان سُهَيلُ بنُ عَمرٍو وأبو سُفيانَ مِن جِهةِ قُرَيشٍ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا عليُّ، اكتُبْ: هذا ما اصطَلحَ عليه مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فقال المُشرِكونَ: واللهِ لو نَعلمُ أنَّك رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما قاتَلناك، أي: لو كُنَّا نُقِرُّ بأنَّك رَسولٌ لم نُقاتِلْك، ومُرادُهم بذلك أن لا يُكتَبَ لفظُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اللهُمَّ إنَّك تَعلمُ أنِّي رَسولُك.
امحُ يا عليُّ، أي: أزِلْ وامسَحْ يا عليُّ لفظَ رَسولِ اللهِ مِنَ الكِتابِ، واكتُبْ: هذا ما كَتَبَ عليه، أي: ما صالحَ عليه، مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ، أي: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَحا اسمَه بأنَّه رَسولٌ، وكَتَب مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ.
فواللهِ لرَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَيرٌ مِن عليٍّ؛ فقد مَحا نَفسَه، أي: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو خَيرٌ مِن عليٍّ، ومَعَ ذلك مَحا نَفسَه، ومَقصودُ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه ليسَ على عليٍّ حَرَجٌ إذا مَحا نَفسَه عن أميرِ المُؤمِنينَ، فقد فعَل رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك.
يَقولُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: إنَّه بَعدَ ما رَدَّ على الخَوارِجِ الشُّبَهَ التي كانت عِندَهم رَجَعَ مِنهم ألفانِ، أي: استَسلَموا وانقادوا للحَقِّ ورَجَعوا مَعَ عليٍّ، وخَرَجَ سائِرُهم فقُتِلوا، أي: بَقيَّتُهم، وهم أربَعةُ آلافٍ لم يَقتَنِعوا وخَرَجوا فقاتَلوا عَليًّا، فقَتَلهم عليٌّ وقَضى عليهم.
وفي الحَديثِ بَيانُ عَدَدِ الخَوارِجِ الذينَ خَرَجوا على عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه تَحذيرُ الرَّعيَّةِ للأميرِ مِن أهلِ الشَّرِّ والفِتَنِ.
وفيه أنَّه لا يُقاتَلُ أهلُ الفِتَنِ حتَّى يبدؤوا بالقِتالِ.
وفيه مَشروعيَّةُ مُناظَرةِ أهلِ الأهواءِ ورَدِّ ما عِندَهم مِن شُبَهٍ.
وفيه استِئذانُ وَليِّ الأمرِ في مُناظَرةِ أهلِ الأهواءِ.
وفيه بَيانُ ما تَمَيَّزَ به ابنُ عبَّاسٍ مِن حُسنِ الخُلُقِ.
وفيه بَيانُ ما كان عليه الخَوارِجُ مِنَ الاجتِهادِ في العِبادةِ.
وفيه بَيانُ مَكانةِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم وعِلمِهم بتَأويلِ القُرآنِ.
وفيه بَيانُ سَعةِ عِلمِ ابنِ عبَّاسٍ وقوَّتِه في مَحَجَّةِ الخُصومِ وأهلِ الأهواءِ وإقناعِهم.
وفيه استِنفادُ ما عِندَ الخَصمِ مِنَ الحُجَجِ والشُّبُهاتِ ثُمَّ الرَّدُّ عليها.
وفيه عَدَمُ الانتِقالِ مِن جَوابِ شُبهةٍ إلى أُخرى حتَّى يَتَأكَّدَ أنَّ الخَصمَ فَهِمَها واقتَنَعَ بصِحَّةِ الجَوابِ.
وفيه بَيانُ فائِدةِ مُناظَرةِ ابنِ عبَّاسٍ للخَوارِجِ ورُجوعِ ألفينِ مِنهم .
[السنن الكبرى - للنسائي] (5/ 165) 8575- أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثني أبو زميل قال حدثني عبد الله بن عباس قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا في دار وكانوا ستة آلاف فقلت لعلي يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة لعلي أكلم هؤلاء القوم قال إني أخافهم عليك قلت كلا فلبست وترجلت ودخلت عليهم في دار نصف النهار وهم يأكلون فقالوا مرحبا بك يا بن عباس فما جاء بك قلت لهم أتيتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم المهاجرين والأنصار ومن عند بن عم النبي صلى الله عليه و سلم وصهره وعليهم نزل القرآن فهم أعلم بتأويله منكم وليس فيكم منهم أحد لأبلغكم ما يقولون وأبلغهم ما تقولون فانتحى لي نفر منهم قلت هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وابن عمه قالوا ثلاث قلت ما هن قال أما إحداهن فإنه حكم الرجال في أمر الله وقال الله إن الحكم إلا لله ما شأن الرجال والحكم قلت هذه واحدة قالوا وأما الثانية فإنه قاتل ولم يسب سباهم ولم يغنم إن كانوا كفارا لقد حل سبيهم ولئن كانوا مؤمنين ما حل سبيهم ولا قتالهم قلت هذه ثنتان فما الثالثة وذكر كلمة معناها قالوا محى نفسه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين قلت هل عندكم شيء غير هذا قالوا حسبنا هذا قلت لهم أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم ما يرد قولكم أترجعون قالوا نعم قلت أما قولكم حكم الرجال في أمر الله فإني أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صير حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكموا فيه أرأيت قول الله تبارك وتعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم } وكان من حكم الله أنه صيره إلى الرجال يحكمون فيه ولو شاء يحكم فيه فجاز من حكم الرجال أنشدكم بالله أحكم الرجال في صلاح ذات البين وحقن دمائهم أفضل أو في أرنب قالوا بلى بل هذا أفضل وفي المرأة وزوجها وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها فنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة خرجت من هذه قالوا نعم قلت وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم أفتسبون أمكم عائشة تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم فإن قلتم إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم فأنتم بين ضلالتين فأتوا منها بمخرج أفخرجت من هذه قالوا نعم وأما محي نفسه من أمير المؤمنين فأنا آتيكم بما ترضون أن نبي الله صلى الله عليه و سلم يوم الحديبية صالح المشركين فقال لعلي اكتب يا علي هذا ما صالح عليه محمد رسول الله قالوا لو نعلم أنك رسول الله صلى الله عليه و سلم ما قاتلناك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم امح يا علي اللهم إنك تعلم أني رسول الله امح يا علي واكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله والله لرسول الله صلى الله عليه و سلم خير من علي وقد محى نفسه ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوة أخرجت من هذه قالوا نعم فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فقتلوا على ضلالتهم قتلهم المهاجرون والأنصار.
[ [المعجم الكبير – للطبراني] ـ دار إحياء التراث] (10/ 313) 10598- حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق (ح) وحدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، كلاهما عن عكرمة بن عمار، حدثنا أبو زميل الحنفي، حدثنا عبد الله بن عباس قال: لما اعتزلت حروراء، وكانوا في دار على حدتهم، قلت لعلي: يا أمير المؤمنين، أبرد عن الصلاة؛ لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم، قال: فإني أتخوفهم عليك، قال: قلت: كلا إن شاء الله، قال: فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية، ثم دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة، فدخلت على قوم لم أر قوما قط أشد اجتهادا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل، ووجوههم معلبة من آثار السجود، قال: فدخلت، فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، ما جاء بك؟ قال: جئت أحدثكم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل الوحي وهم أعلم بتأويله، فقال بعضهم: لا تحدثوه، وقال بعضهم: لنحدثنه، قال: قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وختنه، وأول من آمن به وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثا، قلت: ما هن؟ قالوا: أولهن أنه حكم الرجال في دين الله، وقد قال الله {إن الحكم إلا لله} قال: قلت: وماذا؟ قالوا: وقاتل ولم يسب ولم يغنم، لئن كانوا كفارا لقد حلت له أموالهم، ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم، قال: قلت: وماذا؟ قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، قال: قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ما لا تنكرون، أترجعون؟ قالوا: نعم، قال: قلت: أما قولكم: إنه حكم الرجال في دين الله، فإنه يقول {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} إلى قوله: {يحكم به ذوا عدل منكم} وقال في المرأة وزوجها {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} أنشدكم الله أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟ قالوا: اللهم في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم، قال: خرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم.
وأما قولكم: إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، أتسبون أمكم، أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام، إن الله عز وجل يقول {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} فأنتم تترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيهما شئتم، أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم، قال: وأما قولكم: إنه محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشا يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم كتابا، فقال: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب يا علي محمد بن عبد الله، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفضل من علي، أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم.
فرجع منهم عشرون ألفا، وبقي منهم أربعة آلاف، فقتلوا.
[المستدرك على الصحيحين للحاكم] (2/ 164) 2656- حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، من أصل كتابه، ثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، ثنا عمر بن يونس بن القاسم اليمامي، ثنا عكرمة بن عمار العجلي، ثنا أبو زميل سماك الحنفي، ثنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: لما خرجت الحرورية اجتمعوا في دار، وهم ستة آلاف، أتيت عليا، فقلت: يا أمير المؤمنين، أبرد بالظهر لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم.
قال: إني أخاف عليك.
قلت: كلا.
قال ابن عباس: فخرجت إليهم ولبست أحسن ما يكون من حلل اليمن، قال أبو زميل كان ابن عباس جميلا جهيرا.
قال ابن عباس: فأتيتهم، وهم مجتمعون في دارهم، قائلون فسلمت عليهم فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس فما هذه الحلة؟ قال: قلت: ما تعيبون علي، لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ما يكون من الحلل، ونزلت: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32] قالوا: فما جاء بك؟ قلت: أتيتكم من عند صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، لأبلغكم ما يقولون المخبرون بما يقولون فعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بالوحي منكم، وفيهم أنزل: وليس فيكم منهم أحد.
فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشا، فإن الله يقول: {بل هم قوم خصمون} [الزخرف: 58] قال ابن عباس: وأتيت قوما لم أر قوما قط أشد اجتهادا منهم مسهمة وجوههم من السهر، كأن أيديهم وركبهم تثنى عليهم، فمضى من حضر، فقال بعضهم: لنكلمنه ولننظرن ما يقول.
قلت: أخبروني ماذا نقمتم على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهره والمهاجرين والأنصار؟ قالوا: ثلاثا.
قلت: ما هن؟ قالوا: أما إحداهن فإنه حكم الرجال في أمر الله، وقال الله تعالى: {إن الحكم إلا لله} [الأنعام: 57] وما للرجال وما للحكم؟ فقلت: هذه واحدة.
قالوا: وأما الأخرى فإنه قاتل، ولم يسب ولم يغنم، فلئن كان الذي قاتل كفارا لقد حل سبيهم وغنيمتهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حل قتالهم.
قلت: هذه اثنتان، فما الثالثة؟ قال: إنه محا نفسه من أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.
قلت: أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا هذا.
فقلت لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد به قولكم أترضون؟ قالوا: نعم.
فقلت: أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله فأنا أقرأ عليكم ما قد رد حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم في أرنب، ونحوها من الصيد، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] إلى قوله {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] فنشدتكم الله أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل، أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم؟، وأن تعلموا أن الله لو شاء لحكم ولم يصير ذلك إلى الرجال، وفي المرأة وزوجها قال الله عز وجل: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} [النساء: 35] فجعل الله حكم الرجال سنة مأمونة، أخرجت عن هذه؟ قالوا: نعم، قال: وأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم، أتسبون أمكم عائشة ثم يستحلون منها ما يستحل من غيرها؟ فلئن فعلتم لقد كفرتم وهي أمكم، ولئن قلتم: ليست أمنا لقد كفرتم فإن الله يقول: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: 6] فأنتم تدورون بين ضلالتين أيهما صرتم إليها، صرتم إلى ضلالة فنظر بعضهم إلى بعض، قلت: أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قال: وأما قولكم محا اسمه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، وأريكم قد سمعتم أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية كاتب سهيل بن عمرو وأبا سفيان بن حرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمير المؤمنين: (( اكتب يا علي: هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله)) فقال المشركون: لا والله ما نعلم إنك رسول الله لو نعلم إنك رسول الله ما قاتلناك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم إنك تعلم أني رسول الله، اكتب يا علي: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله)) فوالله لرسول الله خير من علي، وما أخرجه من النبوة حين محا نفسه، قال عبد الله بن عباس: فرجع من القوم ألفان، وقتل سائرهم على ضلالة ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)).