سَألَني قَومٌ مُحرِمونَ عن مُحِلِّينَ أهدَوْا لهم صَيدًا، فأمَرتُهم بأكلِه، ثُمَّ لَقيتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فأخبَرتُه، فقال: لو أفتَيتَهم بغيرِ هذا، لأوْجَعتُكَ.

الدلالات الموضوعية:# حج - مباحات الإحرام# هبة وهدية - قبول الهدية# حج - لحم الصيد للمحرم
المصدر: تخريج سير أعلام النبلاء
الراوي: أبو هريرة
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده صحيح

الشرح والتوضيح

عن أَبي هُريرَةَ أنَّهُ مرَّ بهِ قومٌ مُحرِمونَ فاستفتَوْهُ في لحمِ صيدٍ وجدَهُ ناسٌ مُحِلُّونَ أيأكلونَهُ ؟ فأفتاهُمْ بأكلِهِ .

ثمَّ قدمتُ على عُمرَ بنِ الخطَّابِ فسألتُهُ عن ذاكَ فقال : بمَ أفتيتَهُمْ ؟ قلتُ : أفتيتُهمْ بأكلِهِ .

قال عُمَرُ : لو أفتيتَهُمْ بغيرِ ذلِكَ لأوجعتُكَ الراوي : - المحدث : النووي المصدر : المجموع للنووي الصفحة أو الرقم: 7/327 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح الحَجُّ رُكنٌ من أركانِ الإسلامِ له أركانٌ وواجِباتٌ وسُنَنٌ، وله كذلك مَحظوراتٌ يَنبَغي على المُحرِمِ أن يَجتَنِبَها أثناءَ الإحرامِ، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفةَ الحَجِّ بقَولِه وفِعلِه، وقال: خُذوا عنِّي مَناسِكَكُم، ومِن مَحظوراتِ الإحرامِ الصَّيدُ؛ فالمُحرِمُ مَمنوعٌ أثناءَ إحرامِه مِنَ الصَّيدِ، كما قال تَعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] ، أمَّا إذا صادَ الحَلالُ صَيدًا وأعطاه للمُحرِمِ فله الأكلُ مِنه، وفي هذا الحَديثِ أنَّ أبا هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه مَرَّ به قَومٌ مُحرِمونَ فاستَفتَوه، أي: سَألوه في لحمِ صَيدٍ وجَدَه ناسٌ مُحِلُّونَ أيَأكُلونَه؟ أي: عن حُكمِ لَحمِ صَيدٍ صادَه أُناسٌ مُحِلُّونَ، فهَل لهم وهم مُحرِمونَ أكلُه أم لا؟ فأفتاهم أبو هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه بأكلِه، أي: بأنَّه يَجوزُ لهم أكلُه ما دامَ أنَّهم لم يَصيدوه وإنَّما صادَه مُحِلٌّ، وحَمَله بَعضُهم على أنَّ هذا الصَّيدَ لم يُقصَدْ به المُحرِمونَ ولا صِيدَ مِن أجلِهم، وإنَّما صادَه الحَلالُ لنَفسِه ثُمَّ بَعدَ ذلك رَأى أن يُطعِمَ مِنه المُحرِمونَ، ثُمَّ قَدِمَ أبو هرَيرةَ على عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فسَأله عن ذاكَ، أي: سَأل أبو هرَيرةَ عُمَرَ عن هذه المَسألةِ وأنَّه أفتى القَومَ بجَوازِ أكلِه، وكَأنَّ أبا هرَيرةَ شَكَّ في فتواه، فأرادَ أن يَستَيقِنَ مِن عُمَرَ.

فقال عُمَرُ لأبي هرَيرةَ: بمَ أفتَيتَهم؟ أي: ماذا أجَبتَ القَومَ عن هذه المَسألةِ.

فقال أبو هرَيرةَ: أفتَيتُهم بأكلِه، أي: أنَّه يَجوزُ لهم أكلُه، فقال عُمَرُ: لو أفتَيتُهم بغَيرِ ذلك، أي: بمَنعِ أكلِه، لأوجَعتُك، أي: بالضَّربِ المُؤلمِ، أوِ التَّقريعِ بالكَلامِ العنيفِ؛ لكَونِك تُفتيهم بغَيرِ الصَّوابِ وتَحرِمُهم مِن أكلِ ما أُبيحَ لهم.

والظَّاهرُ أنَّ أبا هرَيرةَ أخبَرَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ بسُؤالِهم وأمسَك عَمَّا أجابَ به، فأرادَ عُمَرُ أن يَعلَمَ ما أجابَ به خَشيةَ أن يَكونَ قد أفتاهم بغَيرِ ما يَجِبُ، فيَتَكَلَّفُ المَشَقَّةَ في إعلامِهم أنَّ ما أتاهم به أبو هرَيرةَ غَيرُ صحيحٍ، فلمَّا أخبَرَه أبو هرَيرةَ بأنَّه أفتاهم بأكلِه، قال له: لو أفتَيتَهم بغَيرِ ذلك لفعَلتُ بك، يَتَوعَّدُه، وذلك مِن عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه احتياطٌ للدِّينِ واهتِمامٌ بأمرِه، وألَّا يَتَسارَعَ النَّاسُ في الفتوى، ولا يُفتوا النَّاسَ ومَن سَألهم إلَّا بَعدَ التَّثَبُّتِ والتَّيَقُّنِ.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ أكلِ المُحرِمِ ما صادَه الحَلالُ.

وفيه مَشروعيَّةُ التَّثَبُّتِ والتَّيَقُّنِ في الفتوى.

وفيه مَشروعيَّةُ الرُّجوعِ لأهلِ العِلمِ قَبلَ الإقدامِ على الشَّيءِ.

وفيه مَشروعيَّةُ رُجوعِ العالمِ لمَن هو أعلمُ مِنه للتَّأكُّدِ والتَّوثُّقِ مِن صِحَّةِ ما أفتى به.

وفيه ما كان عليه عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه مِنَ الاهتِمامِ بأمرِ الدِّينِ.

وفيه أنَّ لوليِّ الأمرِ تَأديبَ مَن يَتَسامَحُ في الفتوى ويُفتي قَبلَ أن يَتَحَقَّقَ؛ لأنَّه شَديدُ الإضرارِ بالنَّاسِ في تَحليلِ الحَرامِ وتَحريمِ الحَلالِ .

أحاديث ذات صلة