توضَّئوا ببسمِ اللهِ [يعني حديث: طلبَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وضوءًا فقالَ : رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : هل معَ أحدٍ منكُم ماءٌ ؟ فوضعَ يدَهُ في الماءِ ويقولُ : توضَّئوا بسمِ اللَّهِ.
فرأيتُ الماءَ يخرجُ من بينِ أصابعِهِ فتَوضَّئوا حتَّى تَوضَّئوا من عندِ آخرِهِم، قيل لأنسٍ : كَم تراهُم ؟ قالَ : نحوًا مِن سبعينَ]
أخرجه النسائي (78) باختلاف يسير، والبخاري (169)، ومسلم (2279) كلاهما بنحوه.
عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال غزَوْنا أو سافرنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ونحن يومئذٍ بضعُ عشرٍ ومائتانِ فحضرت الصلاةُ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هل في القومِ من ماءٍ فجاءه رجلٌ يسعى بإداوةٍ فيها شيءٌ من ماءٍ قال فصبَّه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في قدحٍ قال فتوضَّأَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأحسنَ الوضوءَ ثم انصرف وترك القدحَ فركب الناسُ القدحَ تمسَّحوا وتمسَّحوا فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على رِسْلِكم حين سمعهم يقولون ذلك قال فوضع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كفَّه في الماءِ ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بسمِ اللهِ ثم قال أَسْبِغوا الوضوءَ قال جابرٌ فوالذي هو ابتلاني ببصَري لقد رأيتُ العيونَ عيونَ الماءِ يومئذٍ تخرج من بين أصابعِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فما رفعها حتى توضَّؤوا أجمعونَ الراوي : جابر بن عبدالله المحدث : ابن كثير المصدر : البداية والنهاية الصفحة أو الرقم: 6/100 خلاصة حكم المحدث : إسناده جيد التخريج : أخرجه أحمد (14115)، والدارمي (26) واللفظ لهما، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (4/ 177) باختلاف يسير.
أيَّد اللَّهُ أنبياءَه بمُعجِزاتٍ ظاهرةٍ تَدُلُّ على صِدقِ دَعوتِهم ونُبوَّتِهم، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من أكثَرِ الأنبياءِ مُعجِزاتٍ، فله من المُعجِزاتِ والآياتِ الدَّالَّةِ على صِدقِه الشَّيءُ الكَثيرُ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ جابِرُ بن عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما، فيَقولُ: غَزَونا، أي: خَرَجنا غازينَ في سَبيلِ اللهِ لقِتالِ العَدوِّ، أو سافَرنا، وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوي هَل كان سَفَرَ غَزوٍ أم سفرًا آخَرَ، مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ونَحنُ يَومئِذٍ بضعَ عَشرَ ومِائَتانِ، أي: كان عَدَدُهم قَريبًا مِن هذا العَدَدِ، والبضعُ: ما بَين الثَّلاثِ إلى التِّسعِ، فحَضَرَتِ الصَّلاةُ، أي: دَخَل وقتُ الصَّلاةِ أو دَنا وقتُها، فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هَل في القَومِ مِن ماءٍ، أي: هَل يوجَدُ مَعَ أحَدٍ ماءٌ حتَّى نَتَوضَّأَ، فجاءَ رَجُلٌ يَسعى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بإداوةٍ فيها شَيءٌ مِن ماءٍ.
والإداوةُ: إناءٌ صَغيرٌ مِن جِلدٍ يُتَّخَذُ للماءِ، فصَبَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذا الماءَ الذي في الإداوةِ في قَدَحٍ، وهو الإناءُ الذي يُؤكَلُ فيه، فتَوضَّأ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأحسَنَ الوُضوءَ، أي: أسبَغَ الوُضوءَ وأتمَّه، ثُمَّ انصَرَف رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتَرَكَ القدَحَ، فرَكِبَ النَّاسُ القدَحَ، أي: ازدَحَمَ النَّاسُ على إثرِ وُضوءِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَقولُ بَعضُهم لبَعضٍ: تَمسَّحوا وتَمسَّحوا.
صيغةُ أمرٍ مِنَ التَّمَسُّحِ، أي: امسَحوا أعضاءَ الوُضوءِ مَسحًا؛ لأنَّ ما بَقيَ في القدَحِ لا يَكفيهم للوُضوءِ فاقتَصِروا على المَسحِ، ويُمكِنُ أنَّهم قَصَدوا بذلك التَّبَرُّكَ دونَ الوُضوءِ، ورَأوا جَوازَ ذلك لضَرورةٍ، ورَأوا التَّيَمُّمَ عِندَ العَجزِ عنِ المَسحِ، فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: على رِسلكُم حينَ سَمِعَهم يَقولونَ ذلك، أي اثبُتوا ولا تَعجَلوا، ثُمَّ وضَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَفَّه في الماءِ، أي: في ذلك القَدَحِ، ثُمَّ قال: بسمِ اللهِ، ثُمَّ قال لهم: أسبِغوا الوُضوءَ، أي: أتِمُّوه وأكمِلوه.
يَقولُ جابِرٌ: فوالذي هو ابتَلاني ببَصَري، أي: يَحلِفُ باللهِ الذي ابتَلاه ببَصَرِه، ولعَلَّ جابرًا رَضِيَ اللهُ عنه حَدَّثَ بهذا الحَديثِ في آخِرِ عُمرِه وكان قد فقدَ البَصَرَ، لقد رَأيتُ العُيونَ عُيونَ الماءِ يَومَئِذٍ تَخرُجُ مِن بَينِ أصابعِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فما رَفعَها حتَّى توضَّؤوا أجمَعونَ، أي: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا وضَعَ أصابعَه في ذلك الماءِ القَليلِ بارَكَ اللَّه في ذلك الماءِ وأكرَم نَبيَّه بمُعجِزةٍ عَظيمةٍ؛ حَيثُ فاضَت عُيونُ الماءِ مِن بَينِ أصابعِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! وهذا أبلغُ في المُعجِزةِ مِن نَبعِ الماءِ مِنَ الحَجَرِ حَيثُ ضَرَبَه موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالعَصا فتَفجَّرَت مِنه المياهُ؛ لأنَّ خُروجَ الماءِ مِنَ الحِجارةِ مَعهودٌ، بخِلافِ خُروجِ الماءِ مِن بَينِ اللَّحمِ والدَّمِ، فلم يَرفع رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدَه مِنَ الإناءِ حتَّى تَوضَّأ جَميعُ مَن كان مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعَدَدُهم أكثَرُ مِن مِئَتَي شَخصٍ! وفي الحَديثِ بَيانُ مُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّبَرُّكِ بآثارِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه مَشروعيَّةُ إسباغِ الوُضوءِ .