- أخرجتْ إليَّ جُبَّةَ طيالسةٍ عليها لبنةُ شبرٍ من ديباجٍ كِسروانيٍّ وفُرجاها مكفوفان به قالت : هذه جُبَّةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم كان يلبسُها، كانت عند عائشةَ فلمَّا قُبِضت عائشةُ قبضتُها إليَّ، فنحن نغسلُها للمريضِ منَّا يستشفي بها
أخرجه أحمد (26987) واللفظ له، وإسحق بن راهوية في ((مسنده)) (2248)
عَنْ عَبْدِ اللهِ، مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ خَالَ وَلَدِ عَطَاءٍ، قَالَ: أَرْسَلَتْنِي أَسْمَاءُ إلى عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، فَقالَتْ: بَلَغَنِي أنَّكَ تُحَرِّمُ أَشْيَاءَ ثَلَاثَةً: العَلَمَ في الثَّوْبِ، وَمِيثَرَةَ الأُرْجُوَانِ ، وَصَوْمَ رَجَبٍ كُلِّهِ، فَقالَ لي عبدُ اللهِ: أَمَّا ما ذَكَرْتَ مِن رَجَبٍ فَكيفَ بمَن يَصُومُ الأبَدَ؟ وَأَمَّا ما ذَكَرْتَ مِنَ العَلَمِ في الثَّوْبِ، فإنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ يقولُ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إنَّما يَلْبَسُ الحَرِيرَ مَن لا خَلَاقَ له، فَخِفْتُ أَنْ يَكونَ العَلَمُ منه، وَأَمَّا مِيثَرَةُ الأُرْجُوَانِ ، فَهذِه مِيثَرَةُ عبدِ اللهِ.
فَإِذَا هي أُرْجُوَانٌ، فَرَجَعْتُ إلى أَسْمَاءَ فَخَبَّرْتُهَا، فَقالَتْ: هذِه جُبَّةُ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فأخْرَجَتْ إلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ ، لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بالدِّيبَاجِ، فَقالَتْ: هذِه كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكانَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بهَا.
الراوي : عمر بن الخطاب وأسماء بنت أبي بكر المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 2069 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : من أفراد مسلم على البخاري الإسلامُ دِينُ اليُسْرِ في غَيْرِ مَعْصيةٍ، وقدْ أخَذَ الصَّحابَةُ الكِرامُ الهَدْيَ الحَسَنَ، والسَّمْتَ الصَّالِحَ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فَهو القُدوةُ الحَسنةُ، وكَلامُهُ وفِعْلُهُ هو المَرْجِعُ.
وفي هذا الحديثِ يخبر عبدُ اللهِ بن كيسان مَوْلَى أسماءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ: أن أسماء رَضيَ اللهُ عنها أرسلته إلى عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما تَسألُهُ عن ثَلاثةِ أشياءَ، بَلَغَها أنَّ ابنَ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما يُحرِّمُها، وظاهرُ الأمرِ عندها أنَّها غيرُ مُحرَّمةٍ، وهذه الثَّلاثةُ هي: «العَلَمُ في الثَّوبِ»، أي: الشَّريطُ في الثَّوْبِ إذا كان مِنْ حَريرٍ، «وَمِيثَرَةُ الأُرْجُوَانِ» والمِيثَرَةُ: نَوْعٌ مِن أنواعِ الفُرُشِ الزَّائِدَةِ، وكانت تَصنَعُها العَجمُ؛ لِتُوضَعَ تحْتَ الرَّاكبِ على الدَّوابِّ مِثلَ السُّرُجِ، وكانت تُصنَعُ مِن الحريرِ وتُحشَى بالقُطنِ، والأُرْجُوَانُ شَديدُ الحُمْرَةِ، وكان عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ يَنهى عنها، والثَّالثُ: أنَّه كان رَضيَ اللهُ عنه يَنهى عن صِيامِ شَهرِ رَجبٍ كامِلًا.
فأجاب ابنُ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما عمَّا نُسِب إليه مِن نَهيِه عن صِيامِ رجَبٍ كاملًا بقولهِ: «فَكَيف بِمَنْ يَصومُ الأَبَدَ؟!»، كأنَّ ابْنَ عُمَرَ يُنْكِرُ عليها قَوْلَها بِفِعْلِهِ، وأنَّه يَصومُ السَّنَةَ والدَّهْرَ كُلَّهُ؛ فكيْف يُحَرِّمُ صيامَ رجبَ وهو يَصومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟! والمُرادُ بِالأَبَدِ هُنا ما سِوَى أَيَّامِ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقِ، وهذا تَكذيبٌ لمَن نقَلَ عنه ذلك، وإخبارٌ منه أنَّه يَصومُه كلَّه.
وأجاب عن نَهيِه عن العَلَمِ أو الشَّريطِ الحَريرِ يكونُ في الثِّيَابِ؛ بما سَمِعَه مِن عُمَرَ بنَ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه يقولُ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول: «إنَّما يَلْبَسُ الحَريرَ مَنْ لا خَلاقَ له»، أي: لا يَلْبَسُ الحريرَ إلَّا مَنْ لا حَظَّ ولا نَصيبَ له مِنَ الأَجْرِ والثَّوابِ في الآخِرَةِ، وَقِيلَ: مَنْ لا حُرْمَةَ له، وقيل: الَّذي لا دِينَ له، فَخَشِي ابنُ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما أنْ يَأْخُذَ شَريطُ الحَريرِ حُكْمَ لُبْسِ الحريرِ في التَّحريمِ، وهذا تَصْريحٌ منه أنَّه لم يُحَرِّمْهُ، بل تَوَرَّعَ عنه؛ خَشْيَةَ دُخولِهِ فِي عُمومِ النَّهيِ عَنِ الحريرِ، وقد ورَد في الصَّحيحينِ أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رخَّصَ فيه؛ فعنْ عُمرَ بنِ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه: «أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَهى عن الحريرِ إلَّا هكذا، وأشارَ بإصْبعَيْه اللَّتينِ تَلِيانِ الإبهامَ، قال: فيما عَلِمْنا أنَّه يعني الأعلامَ».
وأجاب عمَّا نُسِب إليه مِن تَحريمِ السُّرُجِ شَديدةِ الحُمْرَةِ بقولِه: فهذه مِيثَرَتِي أمامَكَ، وهي مَصْبوغَةٌ، وشَديدةُ الحُمْرَةِ، والمرادُ أنَّها حمراءُ، وليْستْ مِن حَريرٍ، بل مِن صُوفٍ أو غيرِهِ، والأحاديثُ الوارِدةُ في النَّهيِ عنها مَخصوصةٌ بالَّتي هي مِنَ الحريرِ.
فرَجَع عبدُ اللهِ مَولى أسماءَ إليها، فأخبَرَها برَدِّ ابنِ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما عن أسئلتِها، فقالت أسماءُ: «هذه جُبَّةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ»، الجُبَّةُ مِثْلُ العَباءةِ، وهي ما يُلْبَسُ فَوْقَ غيرِهِ مِنَ الثِّيَابِ، والمقصودُ: وهذه عَباءةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأخرجتْ أسماءُ إلى عبدِ اللهِ مولاها، «جُبَّةَ طَيالِسَةٍ كِسْرَوانِيَّةٍ»، والطَّيالسةُ جَمْعُ طَيْلَسَانٍ، وهو ما يَعُمُّ سائِرَ الجسدِ، وقيل: الثَّوبُ الَّذي له أَعلامٌ، أي: به شَريطٌ مِن حريرٍ، وكِسْرَوانِيَّةٌ نِسْبَةٌ إلى كِسْرَى ملِكِ الفُرْسِ، أي: مِثْلُ الَّتي يَلْبَسُها أَهْلُ فارِسَ، والمقصودُ عَباءةٌ كبيرةٌ تَعُمُّ سائِرَ الجسدِ مِثْلُ عباءاتِ أهلِ فارسَ، «لها لِبْنَةُ دِيباجٍ»، أي: مُرَقَّعَةٌ بالحَريرِ عِند فَتحةِ الرَّقَبةِ، ورَأى فَتْحَتَيْها مُحَلَّتَيْنِ ومَخِيطَتَيْنِ بالحريرِ، وكانتْ لها فَتْحتانِ مِنَ الأَمامِ ومِنَ الخَلْفِ؛ لِيَسهُلَ لُبْسُها في الرَّأسِ، ومَعنى الثَّوبِ المكفوفِ أنَّه جُعِلَ له كُفَّةٌ، وهو ما يُجْعَلُ إطارًا في الأطرافِ والجوانبِ، وَيُثْنَى عليه؛ لِحِمياتِهِ وتَجميلِهِ، ويكون ذلك في طَرَفِ الذَّيْلِ، وفي الفُرْجَيْنِ، وفي الكُمَّيْنِ، وإخراجُها لِجبَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المكفوفةِ بالحريرِ قَصَدَتْ به بيانَ أنَّ هذا ليس مُحَرَّمًا إذا كان بهذا القَدْرِ اليسيرِ، ثمَّ أخبَرَتْه أسماءُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ الجُبَّةَ ظَلَّتِ عِند عائشةَ زوْجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى ماتَتْ، فلمَّا ماتَتْ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها أَخَذَتْ أسماءُ رَضيَ اللهُ عنها جُبَّةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فاحتفظَتْ بها عِندها، وقالت: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَلْبَسُ تلك الجُبَّةَ، «فنحن نَغسِلُها للمَرضَى، يُسْتَشْفَى بها» فنَلْتَمِسُ بَركةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن تلك الجُبَّةِ في شِفاءِ مَرْضانا، وقيل: تُغْسَلُ الجُبَّةُ، ويَشرَبُ المرضَى ماءَ غَسْلِها.
وفي الحديثِ: النَّهيُ عن لُبسِ ثِيابِ الحريرِ الخالِصِ.
وفيه: بَيانُ ما كان عليه الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم في مُراجَعةِ بعضِهم بعضًا في المسائلِ الشَّرعيَّةِ وتَصويبِ المفاهيمِ.
[مسند أحمد - قرطبة] (6/ 347) 26987- حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا يحيى بن سعيد عن عبد الملك قال ثنا عبد الله مولى أسماء عن أسماء قال: أخرجت إلى جبة طيالسة عليها لبنة شبر من ديباج كسرواني وفرجاها مكفوفان به قالت هذه جبة رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يلبسها كانت عند عائشة فلما قبضت عائشة قبضتها إلى فنحن نغسلها للمريض منا يستشفى بها.
[مسند إسحاق بن راهويه] (5/ 133) 2248- أخبرنا يعلى بن عبيد، نا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، في العلم في الثوب قال: أراد أن يفتتح حديثا، ثم قال: هذا أخبرني رجل من القوم واسمه عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر، قال له عطاء: حدث، فحدث بين يدي عطاء، قال: أرسلتني أسماء بنت أبي بكر إلى عبد الله بن عمر أنه بلغني أنك تحرم أشياء ثلاثة: صوم رجب كله، والعلم في الثوب، وميثرة الأرجوان، قال: أما ما ذكرت من صوم رجب كله فكيف بمن صام الأبد، وأما العلم في الثوب فإن عمر رضي الله عنه أخبرني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسها في الآخرة))، فأخاف أن يكون العلم من لبس الحرير، وأما ميثرة الأرجوان فهذه ميثرة عبد الله بن عمر، أفأرجوان تراها؟ قال: رجعت إلى أسماء فأخبرتها بقول ابن عمر فأخرجت جبة طيالسة لها لبنة من ديباج كسرواني وفرجاها مكفوفان به، فقالت: هذه جبة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها، فلما قبض كانت عند عائشة، فلما قبضت عائشة قبضتها، فنحن نغسلها للمريض منا إذا اشتكى ونستشفي بها.